السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 توقفنا في الحلقة الماضية من كتاب تاريخ السينما العالمية لمؤلفه ديفيد ربنسون عند ستديوهات باتيه التي كان لديها حشد من الممثلين الكوميديين امثال تشارلز برنس، لوي جاك يوكو، درانيم، روميو بوسيتي. أما أعظم اكتشاف قدمته ستديوهات باتيه فقد كان ماكس ليندر «1882 ـ 1925» الذي صاغ مستقبل الفيلم الكوميدي برمته. كان ليندر في البداية ممثلا دراميا جادا دونما نجاح واسع، وفي 1905 غير اسمه الحقيقي، جابريل ليفيل، ليخفف من عار استرزاقه بالعمل ضمن المجاميع «كومبارس» في الافلام. ثم بعد رحيل ديد حصل ليندر على فرصة لعمل سلسلة افلام خاصة به، طور من خلالها تدريجيا شخصية يقدمها على الشاشة: شاب ثري عاطل انيق، ذو شعر أملس وشارب منمق، بسترة سهرات طويلة فخمة ورباط عنق جميل وقبعة حريرية فاخرة وعصا ثمينة. جاءت الشخصية كما جسدها ليندر شخصية واسعة الحيلة، ذكية وقادرة على الخروج من المآزق التي تقودها اليها عيناها الدائمة التلفت. تخلى ماكس ليندر تماما عن قوالب مهرجي باتيه ـ حيث توضع شخصية بلهاء في مواقف تتسم بالخبل والمبالغة المفرطة ـ واعتمد في كوميدياه على التناقض بين طبيعية وأناقة الشخصية وحماقة المغامرات التي تحدث له. كما كان اداؤه محسوبا ومضبوطا، بما اضفى على جميع افلامه ايقاعا مميزا ومرخما على نحو غريب. ورغم أصوله المسرحية، استطاع ليندر ان يستوعب بدقة المتطلبات والامكانيات البصرية للشاشة الصامتة. طاقة ابداعية هائلة ومدهشة، فقد كان قادرا على توليد تنويعات بلا حصر لأي عمل بسيط كالاغتسال او انتعال حذاء جديد. وعبر اكثر من اربعمئة فيلم يندر ان تجده يكرر نفسه، مما جعله يخلق ذخيرة هائلة من الحيل المضحكة يصعب ان يكون تابعوه من فناني الكوميديا السينمائيين قد اضافوا عليها كثيرا. دخلت ستوديوهات جومون في منافسة شديدة مع كوميديات ستوديوهات فينيسين. واعتمدت قوتها الفنية في المنافسة على لوي فوياد «1873 ـ 1925»، الذي سيصل الى قمة نجاحه فيما بعد من خلال نوع مختلف تماما من الانتاج السينمائي. جنحت كوميديات جومون الى المزيد من الاسراف في استخدام تقنيات الخدع. وكان مهرجوها الرئيسيون هم اونسيم «وهو اسم شخصية ابتكرها ارنست بوربون ثم تولاها مارسيل ليفيسك»، كالمو، لوينس بيريه «الذي سيصبح مخرجا متميزا فيما بعد» والطفلان بيبي ابيلار وبو ـ دي ـ ذان. سرعان ما انتشر تأثير الكوميديات الفرنسية الى بلدان اخرى، على رأسها روسيا وايطاليا التي اطلقت، بخلاف ديد «تونتوليني»، عددا كبيرا من فناني الكوميديا مثل فرنانديو وجويام ومارسيل فابر واميليو فاردان. كما ظهرت في ألمانيا سلسلة افلام حول شخصية يهودية باسم «ماير» جسدها مهرج سيصبح فيما بعد مخرجا مهما هو ارنست لوبيتش «1892 ـ 1947». الى جانب هذه الاشكال السينمائية الجماهيرية في المقام الأول، بحث المنتجون الفرنسيون عن سبل اخرى اقرب الى الفن. ففي عام 1906، وفي محاولة لاستغلال جميع الميادين التي يمكن ان يشملها نشاط الفيلم السينمائي، قام باتيه بتكوين «الجمعية السينمائية للمؤلفين والادباء»، بقصد تصوير الاعمال المسرحية والادبية الحديثة البارزة، ثم تكونت بعد عامين «جمعية الفيلم الفني» على يد الاخوين لافيت، والتي لم يكن ثمة مفر من سيطرة باتيه عليها ولو جزئيا. استطاعت جمعية الفيلم الفني ان تحصل على سيناريوهات خاصة من كل الكتاب الكبار الموجودين ذلك الوقت، وان تتعاقد فعليا مع نجوم «الكوميدي فرانسيز» حتى سارة برنار ومونيه سولي. وفي 1908 قدمت الفرقة اول برامجها، الذي كانت اهم فقراته «مقتل دوق جيز» من تأليف هنري لافيدان واخراج لي بارجي وكالميت وموسيقى كاميل سان سايين. كان الفيلم بالنسبة لعصره مروعا، نظرا لما اتسم به الاداء التمثيلي من تحفظ ونظرة نفسية، وكذلك ما تكلفه الفيلم من ديكورات وملابس مسرفة بغير حساب. وهكذا سرعان ما اضطرت جمعية الفيلم الفني لتصفية اعمالها «ويقال ان سياسة باتيه قد ساعدت على ذلك»، وان كانت هذه التجربة قد اثارت صناع السينما الفرنسيين وصاروا جميعا يطمحون الى محاكاتها خاصة في تميز مصادرها الادبية وديكوراتها. ومن اطرف الافلام التي نتجت عن هذه الموضة تلك المجموعة التي مثلتها سارة برنار، «الملكة اليزابيث» و«غادة الكاميليا» و«سيدة بلا قلق» «1911» لريجان، ومجموعة الافلام التي أخرجها لباتيه المخرج الموهوب البرت كابيللاني «18701931»: «امرأة من أرل» و«الملك يتسلى» و«اسرار باريس» و«البؤساء». كما ضم انتاج ستوديوهات جومون من «افلام الجماليات» «الى السباع ايها المسيحيون» «1910».