السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 يبدو ان جراح الحرب العالمية الثانية لم تندمل بعد عند البريطانيين او انها مازالت تمثل مادة غنية للاعمال الفنية التي تمثل وجهة نظر احادية بالطبع، ورغم ان مادة الفيلم تدور في فلك استخباراتي الا اننا والحق كنا امام عمل فني خالص لم يعتمد على تمجيد مؤسسات او شخوص بقدر ما كان مهتما بالنواحي الفنية السينمائية مركزا عليها وهذه لقطة في غاية الاهمية تصب في صالح المشاهد الذي جاء ليرى عملا فنيا وليس محاضرة سياسية تتبنى المفاهيم الغربية، ولان القصة كما قلنا تتمحور في اطار عسكري استخباراتي مما يصعب علينا ان ندخل في تفاصيلها التي كتبت بشكل حرفي بالغ الروعة خصوصا في لغة الحوار والجمل المقتضبة التي تحمل المعنى المطلوب دون ثرثرة او تطويل في المشاهد على حساب الحدث، وهذا يعني اننا امام قصة وسيناريو وحوار في منتهى الدقة، مخمنين بأن هذه الدقة في الكتابة سهلت من مهمة المخرج «ميشيل ايتيد» فتفرغ للعملية الاخراجية وابدع فيها ليقدم عملا ناجحا بكل المقاييس استمتع فيه المتفرج بلغة سينمائية حقيقية سواء من ناحية التصوير او المؤثرات الصوتية التي لم تغفل عن تجسيد صوت الهواء وهدير الامواج «وتكات» مقابض الابواب، اضافة الى الملابس التي كانت مقنعة الى حد بعيد مستحضرين الشكل الكلاسيكي المتقدم آنذاك مما حد بالموسيقى لان تكون متناغمة مع الجو العام، سواء كان هذا في الموسيقى التصويرية او الحفلات التي تخللت الاحداث، وعموما فان العمل الناجح يصعب تناوله في عجالة ومساحة صغيرة من المؤكد انها لن تستوعب كل شيء. القصة بشكل مختصر تدور حول تغيير الالمان لشفرتهم المستخدمة في الارسال قبيل تعرض مجموعة سفن تجارية تخص بريطانيا واميركا للاعتداء من قبل الغواصات الالمانية، هنا تتحرك بريطانيا ممثلة في رئيس الوزراء الى جانب فريق الاستخبارات للعمل على تفادي الاصطدام مع الغواصات وهذا لن يتأتى الا بفك الشفرات، عند ذلك يظهر «توم جريكو» مخترع آلة «انجما» المستخدمة في فك الشفرات وهو خبير ايضا في هذا المجال، لكن هذا الظهور لتوم تواكبه حالة احباط وصفها البعض بالجنون بعد ان هجرته «كلير» وهي تعمل في الاستخبارات وتدون الشفرات في الكتاب الالماني، غير ان «كلير» تختفي من البداية ولا تظهر في الفيلم الا عبر الاستدعاء «فلاش باك» حين يتعلق الحدث بها، وهذه نقطة في غاية الاهمية والروعة ايضا اذ تأجلت مشاهد مؤثرة في الحدث ووضعت في الوقت المناسب فأصبحت شخصية «كلير» بمثابة مصباح يضيء جوانب العمل كلما ظهر، واختفاء «كلير» كان مبررا ومرتبطا باختفاء اربع رسائل لم تدون في الكتاب الى جانب الشكوك التي اطلقها رئيس الاستخبارات «ويغرام» بان هناك عميلا للالمان يبيع لهم الاسرار ولذلك غيروا شفرتهم، هكذا تمضي الاحداث الى ان يتمكن «جريكو» و«هيستروالاس» التي تعمل موظفة في الاستخبارات ايضا من فك رموز الشفرات الجديدة، وينتهي الفيلم على اكتشافات خطيرة تظهر تورط «ويفرام» في علاقة حب مع «كلير» ويلمح بانها لم تختف وانما «جريكو» قتلها لانها لم تخلص له غير ان عدم وجود الجثة يؤجل من القبض على «جريكو» هذه الشكوك والاتهامات لم تكن الا تخويفا له لان «كلير» تظهر في آخر لقطة من الفيلم، اما الحدث الرئيسي في الفيلم فهو سعي الالمان الى تشويش العلاقة بين بريطانيا وروسيا عندما يكتشفون مقبرة جماعية تشتمل على 400 جثة لضحايا بولنديين قتلهم الروس وتم دفنهم في اوكرانيا ويأتي على لسان «ويفرام» ان التكتم على هذه العملية من مصلحة العلاقة مع روسيا التي تساعدهم.قلنا ان القصة شائكة ولن يتسع المكان لسردها لكن يبقى هذا المزج الجميل بين حدثين جميلين ـ داخلي يمثل العلاقات بين القيادات والضباط، وحدث خارجي يمثل الانتماء ـ والخروج من الاثنين بمتعة سينمائية قدمها بأداء راق كل من كين وينسلت، دوجراى سكوت، سافرون، وعموما الفيلم مناسب لان يشاهده الجميع. عز الدين الاسواني