الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 كل من دخل مكتبه توقف طويلا امام صورة الزعيم جمال عبد الناصر التي تتوسط ساعة الحائط وكثيرا ما أبدوا دهشتهم، فاندهش لدهشتهم، ولما سألوه أبدى إندهاشه لسؤالهم، وأكد أن هذا هو المكان الأنسب لجمال حتى تراه الأعين كلما أرادت أن تعرف الوقت، وكلما ارادت أن تعرف الوقت الذي نعيش فيه على حقيقته. وكل الذين عملوا معه من النجوم كبارا وصغارا، أكدوا أنه هو الوحيد صاحب الكلمة العليا في «البلاتوه» وأنهم ينفذون كل ما يوجههم إليه عن قناعة تامة بأنهم سلموا أنفسهم وأسماءهم لمخرج كبير ستلمع أسماؤهم إذا اقترنت باسمه وسيكونون في افضل حالاتهم وهم ينفذون تعليماته وتوجيهاته. والأهم من ذلك أن كل مشاهدي الدراما في الوطن العربي اعتبروا اسمه شهادة ضمان وشهادة جودة للمسلسلات التي تحمل اسمه. وإسماعيل مخرج كبير وأعماله تنال قدرا كبيرا من الإقبال الجماهيري سواء تم عرضها في رمضان، أو في أي شهر آخر من شهور السنة، وهذا بالضبط ما حدث مع مسلسل «الأصدقاء» الذي التفت حوله الأسر المصرية، وقت عرضه في الأيام الماضية على فضائية قناة النيل الدولية. ـ لنترك الماضي الآن على ان نعود إليه في ما بعد، لنتحدث عن مسلسل «الأصدقاء»، فهل أنت غاضب حقا من عدم عرضه في شهر رمضان الماضي؟ ـ لا أنكر أنني غاضب، لكني لست غاضبا من عدم عرض المسلسل، فقد عرض في قنوات فضائية عربية عديدة، لكن غضبي متعلق بحرمان الجمهور المصري من مشاهدة المسلسل الذي أعتقد انه مهم وأن الجمهور المصري كان سيستمتع كثيرا وسيستفيد كثيرا من مشاهدته له، هذا هو كل الموضوع فأنا غاضب وحزين لعدم عرضه في مصر أولا، وهذا حق للجمهور المصري، كما أنه حقي أيضا في ان أتلقى ردود الفعل التي توضح لي ما إذا كان العمل قد نجح أم لا، صحيح أنني تلقيت العديد من مكالمات التهنئة، وردود فعل واسعة من مواطنين من مختلف الدول العربية طيلة الشهر الكريم إلا أنني لا أشعر بدفء رد الفعل وطعم النجاح إلا من خلال رد فعل الجمهور المصري، الذي يهمني أولا، وبالطبع فإن رد الفعل العربي شديد الأهمية ايضا لكنه لا يكون ملموسا بالنسبة لي إلا حين أزور دولة عربية شقيقة وهذا لا يحدث كثيرا، الأكثر من ذلك أن فرج أبو الفرج رئيس قطاع الإنتاج، اتصل بي وهنأني على النجاح الذي يحققه المسلسل في الفضائيات العربية، والحمد لله بعد عرض المسلسل على شاشة قناة النيل الدولية نال قدرا كبيرا من المشاهدة على الرغم من انه لم يعرض على اي من القناتين الرئسيتين الأولى أو الثانية، وأحب أن أؤكد هنا وعلى خلاف ما قاله البعض فإنني لم أسع عند أحد لعرض المسلسل، تماما كما لم أسع من قبل، ولا اعتقد أن هذا سيحدث في المستقبل إن شاء الله. ـ بعيدا عن توقيت العرض، ما هو الدور الذي يرى على الدراما أن تلعبه في المجتمع المصري والعربي؟ ـ المجتمع المصري والعربي يمر بحالة «خلخلة» للقيم والأساسيات بالنسبة لمفهوم المعاصرة ومواجهة المستقبل، والدراما لابد وأن تشير إلى مواطن الداء والخلل وتحرص على التغيير، وهذا ما أحاول أن أقدمه في أعمالي، وأرى أن هناك مخرجين آخرين يقدمون أعمالا جيدة، وأظنني واحدا منهم، كما أظن أن كثيرين آخرين يتمنون أن يؤدوا دورهم ولديهم الاستعداد ولا ينقصهم سوى إزالة المعوقات التي تقف في طريقهم. ـ وفي رأيك هل هناك ما يعوق المخرجين المتميزين من تقديم أعمال تليق بهم وترتفع بمستوى الدراما المصرية؟ ـ انا لا أرى اية عوائق على الإطلاق والأمر برمته متروك للمخرجين انفسهم فلو أرادوا تقديم أعمال متميزة فإن أحدا على وجه الأرض لن يستطيع أن يعوقهم، هم فقط القادرون على إعاقة أنفسهم سواء بالكسل أو عدم بذل الجهد المطلوب أو محاولة لإراحة جهة الإنتاج وتوفير بعض الأموال لها، أما من يريد ان يجتهد فالأبواب مفتوحة أمامه، أضيف هنا فقط أن هناك بعض الأعذار التي يمكن أن نلتمسها للمخرجين الذين ما زالوا في بداية الطريق،إذ أن الثقة في المخرج وسوابق أعماله لها دور كبير بالطبع في توفير الإمكانات الكبيرة لأعماله، وفي «جمهورية زفتي» مثلا صممت على بناء بيت الأمة بناء كاملا ومازال الكثير من المخرجين يستغلونه إلى الآن. ـ لقد تحدثت مفترضا ان المخرج بين يديه ورقا متميزا، لكن من المؤكد ان الدراما التلفزيونية تعتمد في الأساس على «المخرج والمؤلف»، ويأتي بعد ذلك بقية العناصر ما دمت قد أشرت إلى ذلك واستتنادا على ما قلته من قبل، دعني انقل لك ما يتردد بأن كبار المخرجين يستاثرون لأنفسهم بسيناريوهات كبار المؤلفين ويتركون غير الجيد لصغار المخرجين، فما تعليقك؟ ـ إلى حد ما هذا الكلام صحيح، فأنا لا أحد يستطيع أن يجبرني على إخراج عمل أراه دون المستوى لكن الوضع قد يكون مختلفا بالنسبة لمخرج ناشيء تضطره الظروف إلى قبول عمل يعرف مسبقا أنه لن يحقق نجاحا يذكر، وهنا يكون عليه ان يبذل جهدا مضاعفا ليقول لمن يشاهدون العمل أنا عملت ما ينبغي عمله، وفي هذه الحالة سيكون من السهل جدا على من يشاهد العمل ان يعرف أين موطن الإجادة التي أبدع فيها المخرج وأي المناطق التي يكون المؤلف هو المسئول عنها، وقبل أن أنتهي من هذه النقطة احب أن أؤكد على أنني أتحدث عن مخرجين جيدين لكن صغر سنهم وعدم وجود الخبرة الكافية لديهم يضطرهم إلى التنازل حتى والقبول بأي عمل لمجرد فرض الذات. ـ أنت اذن تلتمس العذر للصغار في تقديم التنازلات؟ ـ ينبغي أن نكون واقعيين، وألا نكون قساة على المخرجين الجدد ففيهم الموهوبون جدا، لكن هناك أخطاء ترتكب في حقهم وهم مضطرون للمشاركة فيها، صحيح انني أمام أوضاع كهذه ينبغي ان انصحهم بالا يقدموا أية تنازلات وألا يتحولوا إلى مرتزقة، لكن مادمت غير قادر على توفير البديل لهم فإنني لا أملك غير أن أنصحهم بأن يبذلوا المزيد من الجهد سواء للتغلب على ضعف السيناريوهات المتاحة أمامهم. ـ ولماذا لم تلتمس الأعذار لنفسك حين بقيت ملتزما بقناعاتك السياسية، وأصبح اسمك على عمل يكفي لتعطيلة بطرق مختلفة في فترة من الفترات؟ ـ ليس معنى التماس الأعذار للمخرجين الصغار أن ابرر لنفسي ارتكاب جرائم في حق نفسي وفي حق الوطن، كما أنني ألتمس الأعذار في امور تتعلق بجودة الورق، أو لتنفيذ وجهة نظر نجم أو نجمة حول تفصيلة من تفصيلات العمل، وليس معنى ذلك انني ألتمس أي عذر لمن يبيع نفسه ويتنازل عن فكره، وهنا أحب أن اشكرك كثيرا على تلك المجاملة، وعلى ثقتك الشديدة في تاريخي. ـ قدمت أربع سهرات بعنوان «ربما»، وكانت سببا في منعك من العمل منذ عام 1976 حتى عام 1985، لكن ما قصة العمل الذي قمت بإخراجه عام 1979؟ ـ هذا هو العمل الوحيد الذي سمحوا لي بإخراجه طوال تلك الفترة، وأذكر أن السيدة تماضر توفيق، طلبتني وقتها وقالت لي لا يوجد عندي قرار مكتوب يفيد أنك ممنوع من العمل، وأريد منك عملا، لكن هذا الأمر لم يتكرر، وبقيت بعد هذا العمل موقوفا بشكل شفهي ولم أعد بعدها للعمل إلا في عام 1985. ـ لكنك أخرجت مسلسلات وفق هذا النظام، أليس كذلك؟ ـ هو مسلسل واحد هو «أهالينا» ولم اكن لأخرجه لولا العلاقة الوثيقة التي تربطني بالصديق الممثل عطية عويس وكان هو المنتج المنفذ، ولو كنت أستطيع الرفض لرفضت، وإن كنت أعتقد أن هذا المسلسل كان من الأعمال المهمة، لا لأني أنا مخرجه بل لأن مؤلفه كان هو أسامة أنور عكاشة، ويا ريت كل المنتجين المنفذين مثل عطية عويس. ـ اسألك عن رأيك في نظام المنتج المنفذ، وما إذا كنت متمسكا بنفس رأيك القديم الرافض له؟ ـ للأسف الشديد لم يجد ما يجعلني اغير وجهة نظري، وما زلت أؤكد على أن نظام المنتج المنفذ آفة كبرى، وما أتهمه بأنه حول المسلسلات إلى أفلام مقاولات، لأن من رأيناهم يتعاملون وفق هذا النظام لا يهمهم إلا الربح ، لذلك لم يقدموا غير عدد قليل جدا من الأعمال الناجحة، وفي ذلك فاننا أعرف، وكثيرون يعرفون أن هناك كما هائلا من الأعمال التي تم تصويرها واختفت وعجزوا عن تسويقها لضعف مستواها، ولا ندري من يتحمل كل هذه الخسائر الفادحة؟! القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: