الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 اذا كانت الاغنية الاماراتية قد عرفت خلال السنوات العشر الماضية المزيد من الشهرة والانتشار خارج حدودها الاقليمية بفضل اصوات الجيل الجديد من المطربين الشباب، فإن هذا الفضل لا يجب ان ينسب لهم وحدهم لأن الذين حملوا راية التجديد ليس المطربين فقط، وانما شاركهم الملحنون والشعراء وحتى الموزعون، وكل هؤلاء ربما لا ينالون من الشهرة والمال الشيء الكثير الا ان الاعتراف بدورهم يعد واجباً على كل من يتعاطى مع التجربة الغنائية المحلية. واذا ما ذكر الجيل الجديد من الملحنين في الامارات لا بد ان يطرأ على الواجهة مباشرة اسم الملحن الشاب موسى محمد الذي انتبه مبكراً الى نزعة التلحين في نفسه، وراح بجهود ذاتية يطور من قدراته في فن الاصغاء.. وبالتدريج بدأت تتكشف له خيوط واسرار لعبة التلحين وشروطه الفنية والحسية، ومع الايام صار موسى ينعزل وحيداً في غرفته مع آلة العود يبحر معهاً عميقاً في مياه الابداع اللحني متلذذاً بطعم الاكتشاف في كل مرة.. في هذا الحوار المطول مع موسى محمد، نتعرف على حكايته مع التلحين منذ بداياتها، وقصة لقائه بالموسيقار الراحل محمد الموجي، ورأيه بصراحة في ابناء جيله من المطربين والملحنين، ثم نقترب من الهواجس التي تعيق انطلاقته بشكل أوسع. اسير العادات ـ متى وأين وكيف بدأت؟ ـ بدأت مختلفاً عن غيري، في ظل اسرة تحكمها العادات والتقاليد، ويسكنها هاجس ان تكون اسرة مختلفة، كان يسكنني شعور غريب وانا طفل، وعندما كبرت احسست بأن الشيء الذي كنت اشعر به هو ان اكون موسيقياً، واتذكر أنني كنت مهووساً بالتراث والغناء الشعبي، وبسماع اغاني العمالقة من المطربين العرب والخليجيين، وبصفة خاصة كان طرب وغناء الفنان السعودي محمد عبده يستهويني اكثر من غيره، ومع مرور السنين بدأت اركز كثيراً على طريقة عزف الفنان عبادي الجوهر الذي يعتبر خليجياً من افضل عازفي آلة العود. ـ وكيف تعلمت العزف؟ ـ قبل ان اتحدث عن الرجل الذي ثبت اناملي وعلمها مداعبة العود، لا بد ان اذكر مرحلة البداية.. حيث كنت اتمنى ان امسك آلة العود لاعزف واخرج ما يختلج في صدري، وعندما طلبت من الصديق سيف الدوبي ان يعلمني العزف، طلب مني ان احضن العود، وعندما حضنته بشكل ملفت تصور بأنه سبق لي وان عزفت من قبل، خاصة وأنني بدأت ادندن على الاوتار وكأنني عازف متمكن، بالطبع يعود الفضل لهذا الصديق في تدريبي على البدايات الاولى. ملحن مقلد ـ متى بدأت تشعر بأنك قادر على التلحين؟ ـ عندما بدأت اجيد العزف كنت استمع لأغاني فنانين كبار امثال محمد عبده والراحل طلال مداح وغيرهما، واحاول ان اغير في الالحان التي كانوا يغنونها بمعنى انني كنت استمع لأغنية معينة وابدأ في تغيير لحنها، مهما كان جمال اللحن، ثم بدأت ابحث عن القصائد المنشورة في الصحف واختار الجميل منها واقوم بتلحينها.. وقد كان هذا في الفترة ما بين عام 87 و1988. ـ لم تدرس الموسيقى، فكيف استطعت ان تثق بألحانك ؟ لولا أني أملك اذناً موسيقية، وتعلمت نظرية العزف وثقفت نفسي موسيقياً لما وصلت الى ما أنا عليه اليوم، لقد ادركت ان الموهبة وحدها لا تكفي، ولذلك حرصت على ان اتعلم من مدارس كبار عازفي آلة العود في الوطن العربي، أمثال فريد الاطرش، منير بشير، جميل بشير، سلمان شكر، شريف محي الدين بن حيدر، اضافة الى بحثي المستمر عن كتب الموسيقى في الوطن العربي، وجلوسي مع كبار الموسيقيين في الخليج والوطن العربي للاستفادة منهم، كما لا أنسى الاستاذ رياض حسن الذي علمني اصول الموسيقى وايضاً الاستاذ زياد عسلي الذي كان حريصاً على ان اتقن العزف بشكل علمي ومدروس. ـ من غنى ألحانك الاولى؟ ـ في البداية كانت مع فنانين شباب أمثال خالد احمد وخالد الحليان، ولكنها محاولات لم ترق الى مستوى الطموح، الى ان بدأ تعاملي مع الفنان محمد المازم في عام 1993 بأغنية «كيد الحسود» وتبعتها بأغنية «كرسي ذهب» للفنان القطري علي عبدالستار، ثم مع الفنان فايز السعيد بأغنية «غض الورق». مقابلة الموجي ـ التقيت بالموسيقار الراحل محمد الموجي و اثنى على موهبتك، هل تذكر لنا قصة هذا اللقاء؟ ـ كنت في احد الاستوديوهات بالقاهرة اقوم بتنفيذ بعض الاعمال الموسيقية، واذا بي افاجأ بقدوم الفنان الموسيقار الراحل محمد الموجي، والجميع يهب لاستقباله، وبالطبع كانت مفاجأة سارة، خاصة وان الفنان امير عبدالمجيد قام بدور المعرف بيني وبين الاستاذ الموجي، وانتهزت الفرصة التي لن تتكرر بالنسبة لملحن ما زال في اول الطريق وقلت له: يا استاذي لي عشم كبير ان التقي بك وان تسمع الحاني، لأن شهادتك سوف تنير لي الطريق وانت استاذ كبير في ساحتك، لا اطلب منك شهادة نجاح أو شهادة مجاملة بل اطلب منك النصيحة مهماً كانت، بالطبع كنت اتوقع ان احظى بموعد قد لا يتحقق، ولكن انسانية هذا الفنان انعكست في تواضعه وبساطته عندما قال لي لك ذلك. وبعد ان حدد لي موعداً في وقت لاحق ذهبت وجلست كتلميذ امامه احاول ان اجمع الكلمات والقليل من الشجاعة، ولولا انه ببساطته وتواضعه ازال عني الخوف والارتباك لما استطعت ان اعزف واغني امامه، وبعد ان انتهيت قال لي: يا بني انت موهبة موقوتة وسوف يأتي اليوم الذي تتفجر فيه كل مواهبك الموسيقية، وهذا اليوم ليس ببعيد، واضاف قائلاً انك بعزفك الجميل خاصة وانك تستعمل يدك اليسرى في العزف سوف تأتي بالحان جميلة، الموهبة مسكونة فيك فتوكل على الله. حلاوة النجاح ـ من المؤكد ان شهادة كهذه دفعتك لمزيد من العطاء فماذا قدمت بعد ذلك؟ ـ جاءت التجربة الاكثر نجاحاً من خلال تعاوني مع الفنان الكويتي محمد البلوشي بأغنية «يا سعد» في عام 1996 وهي من كلمات الشاعر الاماراتي احمد علي الكندي، وكانت نقلة فنية مهمة في حياتي لأنها قدمتني ليس على مستوى الخليج بل على مستوى الوطن العربي كله، بعد ذلك لحنت للفنانة ريم المحمودي «احبه والله» من كلمات سالم سيف الخالدي، واغنية «ما ينسى» للفنان سعيد السالم وايضاً للفنانة فاطمة «دعوة للحب» من كلمات انور المشيري واغنية للفنان الكويتي محمد «لاتوهميني» وأغنية «اعشق واحب» للفنانة البحرينية هند وللفنان فايز سعيد «أنت روعة» وغيرها من الالحان التي لاقت صدى طيباً عند الجمهور الخليجي. ـ بعيداً عن الانماط العاطفية، هل شاركت في اوبريتات واغان وطنية؟ ـ شاركت في اوبريت «الله يا وطن» مع الفنان ابراهيم جمعة والصديق الملحن خالد ناصر، وقد حضر الاوبريت الذي اقيم على مسرح وزارة الاعلام بابوظبي صاحب السمو رئيس الدولة، وشارك فيه عدد من الفنانين، ومن الحان المهرجانات والمناسبات لحنت «في دبي كل شيء حلو» ومن الاعمال التي اخذت قالب الفكاهة اشتركت في وضع الحان لاذاعة اف ام دبي لشخصية كوميدية اسمها «مراد» وكان يجسدها الاستاذ خالد وفي نظري ان هذه النماذج الضاحكة اخذت مكانة بين الجمهور الذي اعجب بها خاصة وانها تناولت بعض المواقف والمشاهد بالنقد الهادف الساخر ولولا حقد البعض وامتعاضهم من نجاح الاخرين لما توقف نهل هذه المواقف الموسيقية الضاحكة. ـ لحنت لعدد من الفنانين في الامارات والخليج، أين من الحانك الفنان ميحد حمد والفنانة احلام؟ ـ ميحد حمد فنان قدير وقد حمل الاغنية الاماراتية الى آفاق اوسع وارحب وهو وبكل صراحة عنوان الأغنية الاماراتية، ولا اعتقد أنه على المدى البعيد سوف يظهر فنان بمستواه ومكانته، وفي القريب سوف يظهر تعاون بيني وبينه، وسأشرف شخصياً على الاعمال الفنية الخاصة به والتي ستنفذ قريباً في القاهرة. ـ والفنانة احلام؟ ـ احترمها كثيراً واعتبر صوتها من اجمل الاصوات خليجياً، والتعاون المرتقب بيني وبينها سيكون مختلفاً ومميزاً لأن احلام على قدر كبير من المسئولية والدقة في الاختيار اما متى سيكون هذا العمل الفني المرتقب، فأعتقد ان الجواب لدى احلام. ـ ما رأيك بالفنان محمد المازم؟ ـ فنان ظلمه الاعلام، وحتى اللحظة فإن محمد المازم لم يأخذ حقه من وسائل الاعلام وكذا من الآخرين، مع انه قدم الاغنية الاماراتية الحديثة في الوطن العربي، وله جمهور كبير في الخليج وايضاً في بلاد الشام. ـ وفايز سعيد؟ ـ في اعتقادي انه أوفر حظاً من المازم في الجانب الاعلامي، والجميع يشهد لفايز بأخلاقه واتزانه وارتقائه بفنه. ـ ومن الاصوات النسائية الشابة، ما رأيك في الفنانة فاطمة؟ ـ فاطمة لها نهجها في الاغنية الشعبية واتمنى ان تسير عليه، لأنه يناسبها اكثر. ـ والفنانة سمر؟ ـ تعاونت معها في احد البوماتها وصوتها جميل واتمنى ان تحسن الاختيار وهي فعلا تقوم بذلك. أمية الموسيقى ـ هذا الحديث يقودنا لموضوع الثقافة الموسيقية لدى الفنانين، من وجهة نظرك هل الفنانون الخليجيون مثقفون موسيقياً؟ ـ اقولها وبكل صراحة، معظم الفنانين الاماراتيين وايضاً في الخليج غير مثقفين، ولا يعرفون ألف باء الموسيقى، والبعض لا يعرف سوى ان يغني فقط، وهذا قد يعتبره البعض اساءة أو أنني استهدف فناناً بعينه ولكني اقول ذلك لكي يتحرر الفنان من أميته الموسيقية طالما انه اختط لنفسه هذا الطريق، ليس من العيب ان تكون جاهلاً، بل العيب ان تستمر في هذا الجهل، والحياة مدرسة مفتوحة.. وعندما اتحدث عن الجهل الموسيقي لدى بعض الفنانين، فإن ذلك يعود الى أنني لمست منهم عدم معرفتهم بأهم ما يجب ان يعرفه الفنان من المقامات والايقاعات الموسيقية. ـ بصراحة هل تعتبر نفسك مثقفاً موسيقياً؟ ـ تذوقت الموسيقى وانا طفل صغير وحاولت وتعلمت وقرأت كثيراً، لم اقل انني وصلت الى المستوى المطلوب، بل ما زلت في مرحلة بحث عن كل ما هو جديد. وعن سمات خاصة تحمل شخصيتي الموسيقية المستقلة. ـ في نظرك من هم افضل الملحنين في الامارات..؟ ـ الفنان القدير ابراهيم جمعة باعتباره همزة الوصل بين الجيل الماضي والجيل الحاضر، وهو مازال يجمع بين اصالة الماضي وحداثة الحاضر، وايضاً الفنان خالد ناصر الذي يعد من افضل الملحنين الشباب وهناك صف آخر من المبدعين الاماراتيين. ـ اخيراً ماذا تريد ان تقول؟ ـ اقول وبكل صدق ان الاعلام الاماراتي المقروء بدأ يتفهم الفنان المحلي ويفرد له المساحة لتغطية اخباره ونشاطه وهذه بداية ارجو ان تتواصل، وبالمقابل اتمنى من كل الزملاء ان يتفاعلوا مع هذا الاهتمام، وان يحرصوا على فتح علاقة جيدة مع الصحافيين. حوار: جميل محسن