الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 مثل الاغنية الجميلة، المؤثرة، التي تعبر عن احساس ما في وجدان المرء، والتي تتردد مقاطع منها، داخل عقل الانسان، من دون ارادة.. تتراءى عادة، الكثير من مشاهد افلام نجيب الريحاني، في خيال المرء، بمناسبة او من دون مناسبة! افلام نجيب الريحاني، بالرغم من ان المشاهد، من مختلف الاجيال، وفي مختلف الاقطار، يكاد يحفظها عن ظهر قلب، الا ان احدا لم يمل مشاهدتها.. لقد مضى على بعضها اكثر من نصف قرن، ومع هذا لم تفقد سحرها.. قدمت السينما العربية، قبلها، عشرات الافلام، اغلبها اصبح في ذمة التاريخ.. وحققت بعدها، مئات الافلام، والقليل منها صمد امام اختبار الزمن.. لكن مجموعة نجيب الريحاني، احتفظت بحضورها المتجدد.. انها لا تزال تنبض بالحياة، فلماذا، وما «السر»؟ هكذا يستهل الكاتب كمال رمزي مقدمته عن نجيب الريحاني في كتابه نجوم السينما المصرية بعدها يتعرض لمسيرة الريحاني المسرحية إلى ان يصل إلى اعماله السينمائية. فما ان جاء عام 1937 تاريخ أول فيلم متكامل يقوم ببطولته نجيب الريحاني، حتى كانت شخصيته الفنية قد اكتملت.. وقف على خشبة المسرح آلاف الليالي، ممثلا، مخرجا، منتجا، ومغنيا ايضاً.. بل ووقف ايضاً امام الكاميرا في بعض الاسكتشات القصيرة «صاحب السعادة كشكش بك» الذي اخرجه توليو كيارين عام 1930، و«حواديت كشكش بك» الذي اخرجه كارلوبويا عام 1931، و«ياقوت» الذي اخرجه روزبيه في فرنسا عام 1934، و«بسلامته عاوز يتجوز» لاسكندر فبركاش عام ,,1936. ولولا السينما ذلك الاختراع العظيم، لما تعرفنا إلى طريقة اداء نجيب الريحاني، ولظلت ملامح اسلوبه مغلفة بالضباب، بين سطور الكتب والمجلات. على الرغم من تحفظات الكاتب الكبير يحيى حقي على مسرح نجيب الريحاني، الا انه يعترف له «بموهبة الحضور» التي يقول عنها «لا يكاد صاحب هذه الموهبة يظهر على المسرح وقبل ان ينطق بحرف، او يأتي بإشارة، حتى يستبد بالنظارة ويجذب اليه قلوبهم ووجوههم وعيونهم، فتنبسط اساريرهم وتطيب نفوسهم ويزول عنهم الهم والغم ويتعالى الضحك والقهقهة، بل قد يضحكون لقول لا يسمعونه وقد يسأل احدهم جاره بعد ذلك عن النكتة التي فاتته وضحك لها... هذا النوع من العشق والوله يعلو عن كل منطق متزمت، او تحليل محرور». لكن إلى جانب «موهبة الحضور»، ثمة اشياء اخرى.. فأفلام نجيب الريحاني، التي كتب قصصها وحوارها مع صديقة الأبدي، بديع خيري، تعتمد على شخصية ثابتة، غير جامدة، واضحة المعالم، بسيطة، سيتجاوب معها القطاع الاوسع من الجمهور.نجيب الريحاني في «سلامة في خير» الذي اخرجه نيازي مصطفى، العائد حديثا من المانيا، عام 1937 يؤدي دور العامل الامين، الطيب، الذي تسوقه الظروف إلى تقمص شخصية حاكم دولة اجنبية. في «سي عمر» 1941 لنيازي مصطفى يجد نفسه متواطئا ـ وهو الفقير ـ في انتحال شخصية شبيه له، شديد الثراء. في «لعبة الست» لولي الدين سامح 1946، يجسد الريحاني في تصرفاته، معنى الاخلاص.. ينتشل الفتاة الجميلة من زيجة اجبارية، وتصبح نجمة سينمائية شهيرة.. وبالطبع تطلب منه الطلاق، فلا يستطيع، ولا يقبل، الا ان يلبي. في «أحمر شفايف» الذي اخرجه ولي الدين سامح 1946، يرق قلب نجيب الريحاني المرهف، تجاه فتاة بسيطة، وتكاد تتدهور حياته كلها، لكنه لا يتوقف عن محبة الآخرين. في «أبوحلموس» لابراهيم حلمي 1947، يجد نجيب الريحاني ـ الكاتب المعين حديثاً في عزبة باشا ـ نفسه في مجتمع لا اخلاق له، ويحاول بكل طاقته ان يقاوم. في «غزل البنات» لانور وجدي، يظهر نجيب الريحاني كمدرس فقير، يعيش في حلقات من التعاسة، ولكن الحظ يبتسم له عندما يذهب لتدريس ابنة الباشا.. قلبه ينفتح لها، فهي الجميلة، الصغيرة، وبالطبع يطوي صدره على حبه الكبير.هذه الافلام الستة تبين بجلاء اسلوب نجيب الريحاني الآسر، فوجهه، بملامحه الغليظة، يعبر على نحو مرهف، وبطريقة خاصة، عما يدور في اعماقه من انفعالات.. ويتمكن نجيب الريحاني، عادة، من ان يقنعك بمدى الاحزان المعتملة في قلبه، عن طريق ابتسامة! واذا كان الريحاني يتمتع بالقدرة على التحدث، بصدق، للآخرين.. فإن قدرته الاهم، والاكثر ندرة، تتمثل في طريقة اصغائه للآخرين.. ان الكلمات تقع على صفحة نفسه كما لو كانت ريشة تعزف على اوتار آلة موسيقية.. كل جملة يسمعها، تترك صدى «انفعاليا» يتبدى بوضوح على ملامح وجهه.. فمثلا في «غزل البنات»، يصغي، بكل وجدانه، إلى كلمات الشابة الجميلة، الرقيقة، التي تعدد مزاياه، ويعتقد وربما يتمنى الاشواق تفيض من وجهه وللحظة تحسبه يسبح في اجواء حلم بعيد. ولعل منطقة الصفاء الروحي، التي تعقب الانتصار على الذات، من افضل المناطق التي يعبر عنها نجيب الريحاني... في «لعبة الست»، تضغط عليه زوجته، تحية كاريوكا، بالترهيب والترغيب، لكي يطلقها.. فهي الآن، نجمة سينمائية كبيرة.. ويحاول الريحاني، بكل جوارحه، ان يستبقيها كزوجة.. ها هي تكتب «شيكا» «بألفي جنيه».. وبينما هو يجلس على الكرسي، يشعرنا، ان فكرة قد طرأت اخيرا على عقله، جعلته اقل قلقا واكثر اطمئنانا.. وتتحول الفكرة إلى فعل: يمزق «الشيك»، ويرمى عليها يمين الطلاق. ربما هنا.. يكمن قبس من سر «نجيب الريحاني»، وافلامه، التي لا تزال، وستظل، نابضة بالحياة