السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 نتواصل في هذه الحلقة من تاريخ السينما العالمية للمؤلف «ديفيد ربنسون» مع الحالة المعيشية التي وصل اليها ميليه وزوجته التي كانت ،في الاصل سيدة من علية القوم، حين وجد مكانا بدار السينمائيين القدماء حيث قضى آخر سنوات حياته، كما لقى بعض التكريم من الجيل الجديد حتى مات وبعد موته بثلاث سنوات مات ادوين بورتر بعد ان قضى آخر سنتي عمره ميكانيكياً مجهولاً بأحد المصانع. لعل هنالك مسحة من السخرية في العبارة التي اتخذها ميلييه شعاراً لشركته السينمائية.. ستار فيلم كومباني «العالم في قبضة يد» فعالم الورق المقوى واللاصق والجص الذي خلقه على مسرح ستوديو الصوبة الزجاجية الصغير كان خانقاً كفوبيا الاماكن المغلقة ـ وكان هذا جانباً من جماله الخيالي الوهمي، ذلك بينما في الاثناء نفسها كان صناع افلام آخرون مفتونين بما تقدمه السينما من امكانات اخرى واقعية. كان فيلم ادوين بورتر «سرقة القطار الكبرى» مؤشراً على الاتجاه الذي اتخذه الفيلم الروائي الاميركي. لقد وجدت السينما اكثر جمهورها في الاحياء الافقر بالمدن، حيث كان لهذا الشكل من الفن الدرامي الصامت جاذبية خاصة لدى الجماهير العريضة من المهاجرين الذين يفتقرون الى المال والى اجادة الانجليزية، ولعلها ظاهرة ملفتة للنظر ان جماهير المشاهدين المضغوطة اجتماعياً لا تبحث بالضرورة كما قد يظن، عن وسائل التسلية الهروبية «التي اثبت التاريخ انها النموذج المثالي للجماعات البرجوازية» فنموذج قاعة الموسيقا الانجليزية، على سبيل المثال، كانت له جذور واقعية قوية، وهكذا كانت السينما الاميركية في المراحل الاولى لتطور الفيلم الروائي. حيث كانت موضوعات القصص المفضلة، كما يلاحظ المؤرخ لويس جاكوبس هي الجريمة، العواقب الوخيمة أو النبل الرومانتيكي للفقر، المآسي المرعبة للادمان، دور المرأة وغيرها من الموضوعات المستقاة من واقع حياة المدينة، غير ان صناع الافلام خاصة تحت ضغط مضايقات شركة امتيازات الافلام، اكتشفوا أميركا اخرى، فضاء الغرب الاميركي المفتوح المليء بقصص تاريخية من الماضي القريب بالغة الاهمية عن صراع المستوطنين مع الهنود ومع البيئة، ومع فيلم الغرب الاميركي نشأ اهتمام جديد بالمنظور الصوري للشاشة.. وبالتعرف على الامكانيات الملحمية للدراما الصامتة. اما في بريطانيا فقد توصل منتجو تلك الايام الاولى المتواضعون الى حل وسط مع الواقعية. فمن اعجابهم الشديد بأساليب الخدع التي يستخدمها ميلييه وافتقارهم، في الوقت نفسه.. الى امكانياته وأفكاره المسرفة في الاخراج المسرحي.. اتجه هؤلاء السينمائيون الى تنفيذ الخدع في مواقع طبيعية، حدائق منازلهم الخاصة، الاماكن الريفية قرب برايتون، الشوارع الجانبية بالضواحي القروية، كما ابتكر صناع الافلام الانجليز واحداً من اكثر الموتيفات الدرامية تأثيراً في السينما.. المطاردة. وكان شيخ هذا النوعية هو الفريد كولينز الذي كان يعمل بالفرع البريطاني لشركة جومون «زواج بالسيارة» و«حادثة سباق دربي» في 1903، وان كانت شركات اخرى قد تخصصت في هذه النوعية مثل شركة شيفيلد فوتو «سرقة وضح النهار الجريئة» وشركة جيمس ويليامسون «حريق» 1901 «إمسك حرامي» 1901. هذا الاتجاهان لصناعة الفيلم قبل وبعيد بداية القرن في بريطانيا كانت هناك اضافة لهما في فرنسا على يد فرديناند زيكا 1864 ـ 1947 كان زيكا مونولوجيست سابقاً بمقاهي المنوعات الموسيقية، ثم عمل مسئولاً عن الاخراج بشركة باتيه حوالي عام 1900 وكان نزاعاً الى السرقة والاقتباس وتجربة كل شيء، في بداية عمله السينمائي ادرك زيكا ميل الجمهور لواقعية فالتزم بها في افلامه مثل «قصة جريمة» 1901 «ضحايا ادمان الخمر» 1902 وفي 1903 قدم عرضاً عن «آلام المسيح» يفوق بشكل ملحوظ العروض التي قدمت حول الموضوع نفسه في 1898. ومع معاونيه الذين ضموا فيما بينهم جاستون فيل الحاوي السابق والاختصاصي في افلام الخدع ولوسيان نونجيت وجورج أتو ولوي جاسنيه، انكب بحماس وبهجة على العمل في كل الاتجاهات: الموضوعات الساخرة الخاطفة، الحوادث، الخيال العلمي على طريقة ميلييه، الافكار الواقعية والحكايات الرومانتيكية، وكذلك العروض التي تعيد بناء وتقديم الاحداث المحلية. وفي ستوديوهات فينيسين جعل زيكا ومعاونوه من تيمة المطاردة فنا، بتوظيفها لاغراض كوميدية على عكس المخرجين الانجليز الذي استخدموا عنصر المطاردة لاغراض التشويق والاثارة في الاغلب الأعم، وباستخدام بهلوانات محترفين مع جميع الحيل المكتسبة من ميلييه، وصلت المطاردات في «عشر نساء لزوج واحد» و«مطاردة الشعر المستعار» 1905 الى الفانتازيا السوريالية والضحك الهيستري حيث رجال الشرطة على هيئة تماسيح تجري على الجدران وعلى الاسطح او تتشقلب في مياه الانهار على هيئة أوراق لعب، لقد اضافت هذه المطاردات احساساً غير مألوف بالايقاع والتدفق وادخلت تعديلات جديدة على فن تركيب الفيلم «المونتاج». من بين البهلوانات الذين تم استئجارهم للمطاردات التي صورت في ستوديوهات باتيه بفينيسين كان اندرية ديد 1884 ـ 1932 وكان ديد قبل عمله مع باتيه قد عمل في ستوديوهات ميلييه بمونتري حيث تعلم الكثير عن حرفة الافلام والالعاب السحرية الكوميدية، وكان أول ممثل كوميدي يستغل الامكانيات التقنية للحركة السريعة والتبديل وغيرهما من حيل الكاميرا كما ادخل ديد الى السينما نمطاً من اعمال المهرجين مستمداً من البييارو الايطالي في حلقات السيرك، وكان أول فنان سينمائي كوميدي يوظف الخدع المضحكة المنظمة، وفي 1908 انتقل ديد الى ايطاليا للعمل لدى «شركة ايطالا» للافلام غير ان ستوديوهات باتيه كان لديها في ذلك الوقت حشد من الممثلين الكوميديين الذين لمعوا في سلاسل من الافلام حققت شعبية هائلة في العالم اجمع: تشارلز برنس، لوي جاك بوكو، درانيم، روميو بوسيتي الذي ادار ستوديو باتيه الجديد في نيس الذي كرس للانتاج الكوميدي فقط، ليتيل موريتس، سارا دوها مل، كاتساليس، ليون دوراك الذي قدم سلسلة افلام عن شخصية مخبر هزلي باسم نيك وينتر مستوحاة من شخصية نيك كارتر المشهورة.