السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 لاشك ان الانحياز الى جانب هموم البسطاء وابرازها على نحو ملفت للنظر يحسب لصالح الفنان المبدع ولكنه ليس شرطاً لان ينتج عملاً ناجحاً بكل المقاييس اذا لم يتم الانتباه لاعادة صياغة الصورة الواقعية وتقديمها في شكل فني يحمل المضمون دون مجازفة في الاغراق المجاني والتعرض لجزيئات لا تخدم السياق بل هي تضر اكثر خصوصاً اذا كانت تدور حول وضعية معينة أو اهداف معممة، هذا المدخل ينطبق تماماً على فيلم 8MILE الذي تدور احداثه على مستويين متوازيين تؤكد عليهما احداث القصة، المستوى الاول هو العلاقات الاسرية ومعاناة الشباب في خلق لغة تواصل مع الكبار وبالتالي تأثير ذلك على حياتهم الخاصة، وهذا يقودنا الى المستوى الثاني وحالة البطالة المتفشية في وسط مجتمعي فقير حيث تبقى الاحلام مرهونة بفرصة الانطلاق الى مدينة نيويورك واثبات الذات هناك، وكما هو واضح فإن عملية الربط بين المستويين انصبت على شخصية «جيمي سميث» الشاب المكافح الذي يعمل في مصنع لتجميع السيارات ويمتلك موهبة الغناء الارتجالي ويحلم بتسجيل اول اسطوانة له أو ان تتم مقابلته في احد البرامج الاذاعية الذي يتبنى المواهب الصاعدة ويفتح امامها الطريق، ولذلك يدخل مرغماً في سياق الاغاني ليبرز موهبته في التأليف والغناء مع المحافظة على الايقاع، غير انه يواجه منافسة شرسة من بعض الشباب المتسلطين الذين لم يفصح الفيلم عن ماهيتهم ولا عن مصادر وجاهتهم وامتلاكهم لافخم السيارات في مجتمع يتصف بالفقر المدقع، اما الشق الثاني فهو يتعلق بوالدة «جيمي» واخته الصغيرة حيث يقيم معهما صديق «جيمي» في الدوامة ويستحوذ على قلب وعقل والدته فيعيش معها وهو العاطل عن العمل، ليس هذا فقط بل انه يتحكم في كل شيء ويضرب ويشتم، وعندما يتحصل على اموال التعويض التي ينتظرها يهجر البيت، اي انه انتهازي استغل حالة النقص العاطفي لفترة ثم هرب، ولاننا لم نعرف أبا لجيمي أو اخته وهذه مشكلة اخرى أدت ايضا للهروب وتخلى «جيمي» عن صديقته بعد ان اخبرته بحملها والقصدية هنا واضحة في ان المستوى المعيشي المتدني لا يمكن ان يفرز إلا عاهات لا تستطيع تحمل المسئولية بأكملها. الى هنا ونأتي الى لغة الحوار التي كانت موفقة للغاية واستطاعت ان تتماهى مع الشخوص وبيئتهم، مع الحرفيين والفاظهم الفجة، بين الشباب وبعضهم البعض، هذه اللغة وان كانت قد اغرقت في المفردات البذيئة على طول الخط إلا انها لم تكن بعيدة عن ديكور الغرف الضيقة والمنازل المتهدمة وملابس الناس، لقد كان التناغم واضحاً بين هذه الفنيات الى درجة كبيرة، ولكن تبقى اماكن التصوير المحدودة التي اطبقت على الحدث ولم تساعد الكاميرا لان تعبر عن نفسها كما يجب، فما بين المصنع «ليلاً» واماكن السباق الغنائي ليلا، وحالات التسكع ليلاً انحصرت احداث الفيلم فلم نجد صورة حقيقية معبرة عن الدواخل الانسانية واضطرابها، فقط وجدنا انفسنا بين فعل وردة فعل، اما الموسيقى فقد كانت غريبة تماماً عن الاجواء اللهم إلا من الايقاع الشبابي السريع المصاحب لغنائهم، عموماً الفيلم اقل من الجيد ويمكن ان يشاهده الجميع. عزالدين الاسواني