الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 بينما ترفع السينما المصرية الآن شعار «الكبار يمتنعون»، كان هو الكاتب الكبير الوحيد الذي استطاع أن يقتحم الجدار الحديدي الذي وضعه الكتاب الشبان حول كل الأفلام التي لها نصيب من الجماهيرية والإيرادات المرتفعة. وبينما أصبحت القاعدة الأساسية التي تحكم الأفلام هي الضحك والضحك فقط، وجدناه يناقش العديد من القضايا المهمة في الأفلام التي قدمها في الفترة الماضية. وفي الوقت الذي تعاني فيه السينما المصرية من سطوة النجوم الشبان أو نجوم الشباك أو نجوم الإضحاك، وجدناه يعطي البطولة مرة لعمرو واكد مع عدد من النجوم الكبار، ومرة مع هاني رمزي وداليا البحيري، والمرة الثالثة لنجم النجوم أحمد زكي. ثلاثة أفلام عرضت له في أقل من ستة اشهر، كسب فيها الرهان في الفيلم الكوميدي الهادف ونال العديد من الجوائز عن فيلم يغوص في عمق المجتمع ويناقش قضاياه، وحقق النجاح الفني والجماهيري بفيلم سياسي شديد الجرأة، لا نبالغ لو اعتبرناه من العلامات المضيئة في السينما المصرية وانه من دون شك سيأخذ مكانا متميزا في تاريخها. ـ من أين نبدأ الحوار إذن مع وحيد حامد؟! ـ من «محامي خلع» أم من «معالي الوزير» أم من «ديل السمكة»؟ السؤال الذي فرض نفسه كان عن كثافة الأعمال المعروضة له: ثلاثة أفلام في أقل من ثلاثة شهور، ـ سألته: ألا تخشى من هذا التواجد الكثيف؟ فأجاب: ـ إطلاقا، فالجمهور يثق في كما أنني أثق في جمهوري وفي ما أقدمه له، وأعلم تماما أنه سيخرج من كل فيلم يشاهده بقيم جديدة، ثم إنني لست مسئولا عن ذلك، بل الصدفة وسوء التوزيع فالأفلام الثلاثة تم تصويرها في أوقات متباعدة، حيث تم عرض «محامي خلع» فور الانتهاء من تصويره مباشرة، أما معالي الوزير فكانت هناك بعض المشاكل أجلت الانتهاء منه، كما انه لم يعرض إلا بعد فترة من اكتمال تصويره وطبعه، أما فيلم ديل السمكة فأنت تعلمين بالتأكيد انه جاهز منذ فترة طويلة، وكان الشيء الوحيد الذي يفعله قبل عرضه هو الحصول على الجوائز. ـ في ديل السمكة الذي تتخذ فيه من شخصية كشاف النور مدخلا لمناقشة قضايا المجتمع المصري وتشريحه من الداخل، فمن أين جاءتك هذه الفكرة؟ ـ هذا الفيلم إضافة جديدة ناجحة لمجموعة الأفلام التي قدمتها من إخراج سمير سيف ومنها غريب في بيتي والغول والهلفوت وآخر الرجال المحترمين وسوق المتعة، فهو مخرج متميز وتجمعنا رؤية واحدة أما عن فكرته، فقد أوصاني بها الشاعر محمد مسعد كشاف النور الذي التقيت به في منزلي أثناء قراءته لعداد النور وقال لي إن مهنته مليئة بالقصص التي يمكن أن يحكيها لي لأقولها في مسلسل، وبعد فترة أحضر لي شريط كاسيت بصوته يضم حكايات ومواقف من تلك التي يقابلها في مهنته، ومن هذا الشريط استوحيت فكرة الفيلم وكتبته بأحداث ورؤية خاصة بي، وقدمت من خلالها شخصية كشاف نور شاعر مثقف يصطدم من خلال عمله بواقع الحياة في القاهرة بحلوها ومرها مرورا بنماذج عديدة لحياة الناس البسطاء وغير البسطاء. ـ وما كان شعورك والفيلم يحصد العديد من الجوائز؟ ـ الجوائز التي حصل عليها الفيلم والتي حصلت عليها دعوة صريحة لكي أكون حريصا علي عدم تقديم تنازلات أن أكتب ما أقتنع به فقط، أما سعادتي الأكبر فكانت لحصول الممثلين الشبان في الفيلم علي جوائز، خاصة وهم في بداية مشوارهم الفني، فالجوائز نجاح لهم، وهنا احب أن أؤكد على أن الفنان عندما يتعامل مع السينما بصدق وموضوعية وعشق حقيقي، فلابد أن يحصل علي التقدير والجوائز. ـ وماذا عن إسناد بطولة الفيلم لعمرو واكد وسرى النجار؟ ـ الحياة الفنية لابد أن تستمر وتتجدد بالوجوه الجديدة، لذلك قررنا أنا والمخرج سمير سيف أن نقدم هذين الوجهين الجديدين عمرو واكد وسري النجار بعد أن شاهدناهم في فيلم جنة الشياطين. ـ أشرت للمشاكل التي حدثت لفيلم «معالي الوزير» وأعتقد انك تقصد ما حدث بينك وبين ممدوح الليثي، فهل تحدثنا عنها؟ ـ كانت مشاكل مادية بالأساس، لأنني كمنتج منفذ للفيلم، كنت مسئولا عن خروجه للنور، بدءا من الإشراف على الإنتاج وحتى عرضه على شاشة السينما، بينما ممدوح الليثي مجرد ممول لإنتاج الفيلم، بالضبط كالمقاول وصاحب العمارة، فالمقاول هو المسئول عن تسليم العمارة كاملة لصاحبها بشرط أن يمول صاحب هذا العقار كل شيء في البناء، فقط لا غير. ويمكنني تلخيص المشاكل التي حدثت في أنه كانت هناك ميزانية موجهة مني على أساس سيناريو الفيلم، ثم حدثت تعديلات وإضافات على هذا السيناريو، استدعت زيادة في الميزانية بناء على طلب المخرج والعاملين في الفيلم، وهذه الإضافات شكلت عبئا جديدا على الميزانية المبدئية للفيلم، لأنني كمؤلف أضفت أماكن وشخصيات جديدة، وقبل التصوير أخطرت ممدوح الليثي بوصفه رئيسا لجهاز الإنتاج السينمائي بمدينة الإنتاج الإعلامي وبوصفي المنتج المنفذ للفيلم بأن الميزانية الأولى لن تصلح لاستكمال التصوير، فقال لي: «أنا لن أسمح بأن تخسر في هذا الفيلم، وثق تماما أن كل الأمور ستسير كما ينبغي»، فلما حاول أن يماطلني بعد ذلك حدثت المشاكل، لكن الحمد لله تمت تسوية كل شيء، وتم عرض الفيلم وأعتقد أن الجمهور استقبله استقبالا يليق به. ـ لنتحدث إذن في صلب الموضوع: موضوع الفيلم، وأريد أن عرف ما إذا كان لقضايا الفساد الأخيرة التي تورط فيها وزراء ومسئولون كبار دور في كتابتك للفيلم، أم لا؟ ـ طبعا، لها دور ودور كبير جدا، فالكاتب ـ من وجهة نظري ـ يستقي أعماله مما يحدث في المجتمع، خيراً كان أو شراً، وطبيعي أن أتأثر بما يجري حولي، ولما سقط بعض الكبار ممن تورطوا في قضايا فساد، وجدت من الواجب علي أن أكتب «معالي الوزير»، لذلك فهذا الفيلم يمثل الكثير بالنسبة لي، ولو كان هو الأخير في مشواري، فهذا يكفي، فيلم «معالي الوزير» يكفيني لأنني اعتبره أهم فيلم في تاريخي وفي تاريخ سمير سيف، وفوق ذلك أهم فيلم في تاريخ احمد زكي، وستثبت الأيام ما أقول. ـ لكن ألا ترى أن الفيلم احتوى على قدر من المبالغة، فأنا لا أعتقد أن يصل وزير إلى هذا المنصب بالصدفة، ألا ترى أن ذلك يمكن أن يحدث في مصر، وهذا الشكل من العشوائية؟! ـ سأقطع الطريق عليك، وعلى محاولتك لتوريطي وأقول لك إن هذه الواقعة التي تناولتها في الفيلم حدثت في مصر مرة، صحيح كان ذلك قبل الثورة لكن الواقعة حدثت وفي حكومة الوفد، لكن من وجهة نظري هذا لا يهمني، ولم يكن هو الهدف الذي سعيت إليه، لقد أردت أن أؤكد على أن خطورة ان يتولى وزير بالمصادفة اي منصب، لا تقل في شيء عن خطورة وصول وزير غير مؤهل إليه، بل وأعتقد أنها أشد خطورة، فالقضية هي أن تولى وزير بالصدفة تتساوى مع كارثة اختيار وزير فاشل، حرامي: لذلك،علينا أن نضع معايير محددة وإجراءات صارمة لا نحيد عنها أبداً في عملية اختيار وزرائنا وقياداتنا، لابد أن نصل إلى من هو مؤهل علمياً وأخلاقياً إلي هذا المنصب، وفي نفس الوقت لابد أن نعرف أن الوقاية خير من العلاج ولربما يخاف قطيع الفاسدين من فيلمي، فيكفوا عن السرقة، ولكنهم للأسف لا يخافون فأجسادهم تعودت على الإجرام والبلادة! ـ هل نفهم من ذلك أن الفيلم موجه للقيادات المعنية باختيار الوزراء والمسئولين الكبار؟! ـ أنا أكتب إلى الناس، الذين أقتبس من همومهم أيضاً موضوعاتي وأعمالي، فهؤلاء عندي هم الأهم لأنهم القادرون على التغيير ومثلاً إذا كتبت عن عضو مجلس شعب فاسد، فلن ينتخبه الناس مرة ثانية بعد أن كشفت تجاوزاته،أما عن القيادات، فهم يعلمون بالفساد أكثر منا، أنا أكتب فيلمي إلى الناس. ـ وهل تعرضت في معالي الوزير لمضايقات رقابية، قللت من اندفاعك نحو مزيد من الجرأة؟ ـ بمنتهى الصراحة، أقول لك أنني لم أتعرض إلى أي مضايقات من جانب الرقابة، بل لقد كان التعامل معها سهلاً جداً. ـ أستاذ وحيد، يقال إن أفلامك لا تقترب منها الرقابة بسبب صداقاتك لكبار المسئولين، فهل هذا صحيح؟! ـ هذا كلام غير حقيقي، وعلى العكس فأنا أعتقد أنني أكثر مؤلف تم الاعتراض على أفلامه رقابيا، وبصفة خاصة سأضرب لك أمثلة بأفلام «البريء» و«الغول» و«طيور الظلام» و«التخشيبة» و«كشف المستور» و«النوم في العسل»، هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى، فصدقيني حين أقول لك أنني منذ بدأت أكتب وليس لي سند غير ما أكتبه، وكتاباتي هي التي تحميني، ولسبب بسيط هو أن كتاباتي تعبر عن الناس البسطاء ولهذا أقول إنني استمد قوتي من البسطاء وانتصر بالناس الذين أخاطبهم وبالنسبة لعلاقتي بالرقابة أقول: إنني أدافع عن أفلامي بالقانون لأننا في دولة ديمقراطية، وأفلامي التي تم الاعتراض عليها، أنا سعيت واجتزت العقبات بالطرق القانونية لأنني أدافع عن عملي، ولو دافع الكتاب عن أعمالهم، فمن المؤكد أنهم سيحصلون على نفس النتيجة. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: