الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 من المؤكد ان الذين شاهدوا فيلم BLOOD WORD قد استمتعوا بوجبة فنية سينمائية جيدة من خلال قصة ذات حبكة بوليسية تنشط الذهنية الخاملة وتشد المشاهد حتى النهاية كما هو الحال في الافلام البوليسية عموماً، لكن الجديد في هذا الفيلم انه لم يقدم حيثيات الحبكة بالشكل المعتاد الذي تبنته الكاتبة أجاثا كريستي في رواياتها الشهيرة، وانما قدم كل شيء بمنطقية متناهية مستنداً الى بعد انساني جميل والشيء الآخر ان العمل يقدم لنا بطلاً مريضا يجاهد للبقاء على قيد الحياة في ايامه الاخيرة وهو الضابط المتقاعد تيري مكليب المعروف عنه حبه للعدالة وسعيه المستمر لتحقيقها هذا الضابط المريض بالقلب يحصل على هدية مفادها قلب يتم زراعته في صدره بدلاً من قلبه المريض، ثم وهو يعتزل الحياة مقيما في قارب تأتيه فتاة تطلب منه المساعدة لكي تعرف اسباب مقتل شقيقتها في ظروف غامضة، ولانه لا يعمل كمتحر خاص ولا يحمل رخصة بذلك يرفض، وحين يعلم انه يحمل قلب الفتاة القتيلة يبدأ بتحرياته التي تقوده الى جريمتين قتل احداهما للفتاة واخرى لشخص آخر وان الجريمتين نفذتا بنفس الطريقة كما دلت اشرطة الفيديو ومقاربة شهادة الشهود، ويتوصل في البداية الى ان فصيلة الدم هي القاسم المشترك في الجريمتين ثم بعد ذلك يربط بين موعد اجراء العملية له وبين موعد الجريمة الاخيرة الى ان ينتهي عند جاره الذي يقيم في قارب بالقرب منه ويلازمه كظله من دون ان تظهر عليه علامات تشكك المشاهد في ضلوعه في هذه الجرائم، والحقيقة كما يسوقها لنا الفيلم ان هذا الجار.. بادي نون ما هو إلا مجرم قاتل يحرص على البقاء في الاضواء ويهوى العمليات المعقدة وعندما يعرف ان تيري مريض وينتظر قلباً يحمل نفس فصيلة دمه يقدم له هذه الهدية بان يقتل الفتاة ـ وهي موقعة على عقد يفيد تبرعها باعضائها حال وفاتها ـ ثم وهو يحافظ على حياتها لبعض الوقت بأن يلفها باربطة تساعد على تأخير الوفاة والشيء الآخر انه اتصل بالشرطة قبل عملية القتل بثوان معدودة. المثير في هذا الفيلم انه يضعنا في مفارقات جميلة، فالضابط المتقاعد يجد نفسه امام مجرم ساعده في ان يبقى على قيد الحياة ولا يعيده الى دائرة الشهرة مرة اخرى، وفي الوقت نفسه هو مطالب بأن يسدي خدمة للانسانة التي لم يزل قلبها يخفق بين ضلوعه، انها لحظات يعبر عنها الممثل الرائع.. كلنت ايستوود بكل براعة وحنكة، يقابله في الاداء.. جيف دانيلز واضعاً اياه في دائرة التوهج التمثيلي الى غير ذلك فإن الفيلم يتعرض بطبيعة الحال الى بعض السلبيات سواء أتت من تقاعس عن اداء واجبهم باخلاص أو ان تكون اشكال الروتين البطيء هي احد اسباب تأخير ظهور الحقائق، فالقتل الاول كان يمكن انقاذه لو ان عربة الاسعاف تلقت البلاغ على محمل الجد واستوعبت البيانات والعنوان بدقة، كذلك الحال بالنسبة للآخرين الذين لم يعطوا القضية حقها من التحقيق على نحو ما قام به «تيري» بمفرده. نقول دائما بأن كاتب القصة ومخرجها يمكن ان يقع في احادية الرؤية فيفشل، والعكس عندما يمر بالمسائل ويعطي كل شق حقه فيخرج العمل ناجحاً، هذا القول ايضا ينطبق على المخرج والممثل كلنت ايستوود فهو ممثل اكثر من جيد بعين مخرج اكثر اجادة وحرفية وفي الفيلم كان كلنت يعرف بالضبط ما يريد سواء امام الكاميرا او خلفها، عموماً الفيلم جيد ومناسب لان يشاهده الجميع. عز الدين الاسواني