الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 لا شك ان اعظم شيء يتمتع به الكبار ويستفيد منه الصغار هو حجم التجربة والخبرة الحياتية المعاشة حتى وان اختلفت من شخص الى آخر، علاوة على ان الخبرة لابد وان تتأثر سلباً او ايجاباً بالرؤية الشخصية بما تتضمن من ثقافة ووعي واستيعاب للواقع او كيفية التعامل معه، ولكن ليس شرطاً ان نستفيد من تجربة شخص ما عاش في فترة زمنية لا تتوافق مع الواقع الآني ومن هنا نجد الصراع الدائم بين الاجيال واختلاف وجهات النظر بين الآباء والابناء في معظم المجتمعات تقريباً وعلى هذه الاشكالية تتمحور قصة فيلم White Oleander حيث نجد انفسنا امام امرأة جميلة «انجراد ماجنسون» تمتلك شخصية قوية الى جانب كونها فنانة مبدعة في فن التصوير وتقيم المعارض باستمرار غير انها تفرض افكارها عنوة على ابنتها «استريد» الفتاة الجميلة التي تمارس بدورها الرسم وتمتلك ذهنية حاضرة وذكاء خارقاً، لكن يبدو ان الكبار دائماً ما يلقون بالنصائح وينهون عن اشياء هم في الاصل يفعلونها، فقوة الارادة والشخصية السوية عند الام لم يمنعانها من كبح جماح فكرة القتل انتقاماً من الحبيب الذي يقيم علاقة مع امرأة اخرى، وحين تذهب الام «انجراد» الى السجن تتغير حياة الفتاة وتنتقل الى العيش مع اسرة وسريعاً ما تدب الخلافات بسببها فيتم نقلها الى مكان اشبه بالاصلاحية، ومن بعدها تنتقل للاقامة مع ممثلة وزوجها الذي يتغيب كثيراً عن المنزل بحجة العمل وهنا نجد ان الام خلف اسوار السجن تحاول ان توجه ابنتها وتدفعها لان تجرب حياة التقشف حتى تكون شخصيتها من خلال الاحتكاك الفعلي مع الناس العاديين، وهنا تجد الفتاة نفسها بين نارين اما ان تنفذ تعليمات والدتها او ان تعيش حياتها كما تراها هي، واخيراً تنحاز الى الاختيار الثاني مما يغضب والدتها. تلك هي قصة الفيلم، بسيطة في ظاهرها لكنها تأخذ ابعاداً اكثر عمقاً وتشعباً عندما يكون التدخل في الاعتقاد والديانة امراً مفروضاً والموازنة بين الانحياز الى الشق الأمومي والبحث عن الاستقلالية في الرأي، فهذا الصراع عند الفتاة «استريد» الذي جسدته ببراعة «السون لومان» كان هو النقطة المضيئة فنياً في مجمل احداث الفيلم وليس غريباً ان تكون هي محور الارتكاز الذي تدور حوله الشخوص والاحداث فكانت اشبه بمن يمسك بجميع الخيوط في يده، وان انفلات خيط من يدها يعني هبوطاً في الاداء وبالتالي هبوط الايقاع بشكل عام، ولكن تقمص الدور المكتوب بشكل جيد في الاساس اعتماداً على الصراعات الداخلية وضع المشاهد في قلب الحدث، ومع هذا نشير الى ان استقلالية الفرد كما يعالجها الفيلم ليس بالضرورة ان تنحصر في الشق العاطفي على حساب مقومات اخرى لم تأت على ذكرها القصة، كذلك التركيز على مشكلة الغيرة عند النساء او اهتزاز العلاقات الزوجية بسبب فتاة، فقد كان بالامكان وضع مسببات اخرى تحيلنا الى جوانب اكثر انسانية من مجرد خلافات زوجية باتت معروفة للجميع، وان التكرار يثقل على البناء الداخلي خصوصاً اذا توقفنا عند المشاهد التي لم تقدم سوى صورة في ملابس داخلية كان يمكن الاستغناء عنها. عموماً الفيلم اكثر من جيد ومناسب لان يشاهده الكبار والصغار وهو من بطولة «السون لومان»، «روين رايت»، «ريني زلونجر»، ومن اخراج «بيتر كوزمينسكي». عز الدين الاسواني