الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 عندما تلتقي بشخصية فنية لها تقديرها ومكانتها لابد عليك ان تقف امامها لتبحث في خفاياها عن سر هذا الحب الكبير من الجمهور العربي، والشخصية الفنية التي نلتقي بها هي الفنان العراقي سعدون جابر مطرب الطيور الطايرة رحال الموانئ البعيدة لم تتعب مراكبه ولم ييأس من وسط الحصار يسافر وبمركب المعاناة يعود، العراق في نظره الحياة والام التي لاغناء عن حليبها، اما في الفن فله لونه الذي يحمل سمات وبصمات الوطن، في اغانيه التي ترددها الحناجر المبحوحة من شدة الحزن تشعر بطعم الاصالة.. يغيب طويلا ولكنه يظل حاضرا في نفوس محبيه. في حوارنا معه تجولنا في حدائق الاغنية العراقية ولمسنا معه معالم الشجن فيها قال بصراحته المعتادة: قديما كانت الاصوات الغنائية العراقية قليلة ولكنها موصلة، أما اليوم فهي كثيرة ولكنها من دون هوية. ووفاء منه لاساتذته من كبار وقدامى المطربين والأدباء خاصة اسهم في انتاج مسلسل عن حياة المطرب الراحل ناظم الغزالي ومسلسل آخر عن حياة الشاعر بدر شاكر السياب تقديرا لهما ولابداعاتهما الفنية. ـ لنبدأ الحوار بتعريفك للأغنية العراقية ؟ ـ يقول الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب ان كل الموسيقى العربية تدور في فلك الموسيقى المصرية الا الموسيقى العراقية فهي في فلك وحدها، وانطلاقا من هذا القول ومن التاريخ القديم للاغنية العراقية الذي يعود الى ما يقارب الـ «6000» سنة فإنها أصبحت ذات خصوصية متفردة لها ابعادها الجغرافية المختلفة.. فالموسيقى في البادية تمتاز بألوان مختلفة على رأسها السويحلي والعتابة والقصيم والناية. أما موسيقى المدينة فهي ممثلة بالمقام العراقي الذي يتداول منه حاليا 32 مقاما بعدما كان 72 مقاما. والمقام العراقي هو الذي يوجد في العراق فقط حيث هناك عدد من اساليب الغناء ضمت في مسمى واحد هو «المقام العراقي» بمعنى أن هذا المقام لا يوجد سوى في العراق، وقد استعمله الفنان محمد عبدالوهاب في بعض الحانه. ايضا هناك الريف وخاصة في المحافظات الجنوبية من العراق والتي عرفت نوعا من الغناء سمي بغناء «الابوذية» أي الغناء الذي يؤذي صاحبه عند سماعه من شدة الشجن المشحون فيه. عهد الظلام ـ في أي عهد ازدهرت الموسيقى العراقية؟ ـ الموسيقى العراقية ازدهرت تحديدا في عهد العباسيين، عهد زرياب واسحاق وابراهيم الموصلي، ومعروف ان زرياب حمل عوده العراقي الى الاندلس حيث أسس مدرسته الموسيقية هناك والتي درس فيها عدد كبير من ابناء الملوك والأمراء وابناء الاسر الغنية في اوروبا. وتلك المرحلة تعد أهم وأبرز المراحل، وقد سميت بالمرحلة الذهبية آنذاك. وبعد سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 1252 عاشت بغداد 7 قرون سميت بالقرون الظلامية وفيها خبا كل شيء بل فقدت بغداد معالم كثيرة من تاريخها وربما يذكر الكثير من الراصدين ان تلك الفترة كانت بحق فترة ظلام. ولكن ومع بداية العهد الوطني سنة 1921 بدأت الامور تأخذ وضعها الطبيعي وظهر عدد كبير من النوابغ الموسيقية العراقية وذلك بعد تأسيس حركة جديدة اهتمت بالموسيقى والغناء العراقي بعد ان كان يشوبه الكثير من الألوان التركية وغيرها. ومن الذين أسسوا لهذه الحركة منير بشير وجميل بشير. ـ كيف ترى الاغنية العراقية بين الامس واليوم؟ ـ الاغنية العراقية بالامس كانت أجمل بكثير من اليوم. كل عناصرها كانت تبث فيك الروح ابتداء من الكلمة الى اللحن الى الأداء. وكان جمهورها المحب والعاشق والمبدع بالامس هو غير جمهور اليوم. اغنية بلا روح ـ هل تعني ان أغاني اليوم بلا روح؟ ـ هذا صحيح. فالاصوات الموصلة والمبدعة كانت صادقة فيما تقدمه وكانت تحرص على اختيار الشيء الجميل كي توصله لجمهورها. أما جيل اليوم فقد ضاعت هوية معظمهم واصبح الاختيار يقوم على مبدأ الرداءة. وهناك أمر آخر، من حيث ان فنان اليوم يقوم بالغناء والتصوير ويستطيع ان يبث اغانيه الى كل الوطن العربي وخارجه، ولانه مستعجل جداً على ذلك صار يفقد الاختيار الدقيق بينما الفنان في الماضي كان يستغرق سنوات طويلة لكي يصل الى الجماهير وكان ما يهمه فقط الكلمة واللحن الجميل كي يصل الى جمهوره حتى وان استغرق ذلك عمره كله. ـ سعدون جابر أين يقف اليوم على منصة الغناء العراقي.. وأين مكانه بين المطربين العرب؟ ـ سعدون يقف اليوم على منصة قوية عميقة الجذور. واثقا من خطاه ويغني ما هو مقتنع به ولا يغني ابدا ما لا يمثله او يمثل ماضيه. أما أين يقف بين المطربين العرب فهو في مكان يحمد الله عليه وله مكانه وتقديره بين الفنانين. والجماهير. سعدون فنان له هويته الخاصة به ولن يغيره شيء بل ان قناعته تزداد يوما بعد يوم بأن الطريق الذي يشقه هو الطريق الصحيح. ـ قلت في احدى المرات ان الفنان حسين نعمه كان ممكنا أن يكون أمير الغناء العراقي. ما الذي دفعك لهذا الرأي؟ ـ في بداياتي الفنية كنت اجلس في مقهى بالقرب من الاذاعة العراقية املا في ان تفتح لي ابوابها وان أصبح واحداً من الذين يغنون من داخلها. وكنت استمع للفنان حسين نعمة وكان ذا صوت جميل وقلت حينها: لو استمر هذا الفنان بنفس الروح لاصبح له شأن كبير وسيكون امير الاغنية العراقية ولكنه لم يستمر بنفس الروح ولم يحافظ على مستواه فعاد الى مدينته الناصرة بعد ان فقده الغناء العراقي.. وحاليا هو يغني ولكن لا يشدك ولا يجذبك. الفرسان العراقيون ما رأيك بالفنان كاظم الساهر؟ ـ كاظم في مقدمة الفنانين العراقيين اليوم وأكثرهم بريقا بالنسبة لجيل الوسط. ـ ماذا تعني لك هذه الاسماء: فيصل عواد، حسين نعمه، الياس خضر، فؤاد سالم.. وأين هم الآن؟ ـ هؤلاء فرسان الاغنية العراقية في السبعينيات وميزة من ذكرتهم أنهم لا يشبهون بعضهم، وكل واحد منهم له بصمته الخاصة، أما اين هم اليوم فقد فرقتهم الحياة فاضل عواد أصبح مدرسا للأدب العربي في احدى جامعات ليبيا، وحسين نعمه عاد الى مدينته الناصرة وانخفت صوته والياس خضر أصبحت ذاكرته لاتسعفه بحفظ الغناء وفؤاد سالم استقر في اميركا وأصبح يغني من التراث فقط. ـ هناك من يقول ان نجاحك في غناء قصائد لبدر شاكر السياب دفع كاظم الساهر الى قصائد نزار قباني؟ ـ الذي دفعني الى اختيار قصائد من اشعار بدر شاكر السياب هو حبي واعجاب بشعره وأدبه. وأول تجربة معه كانت في سنة 1985 من خلال قصيدة «غريب في الخليج» وهو الامر الذي دفعني للقيام بانتاج مسلسل عنه. وغنيت له حوالي 12 قصيدة منها «جيكور ياجيكور» و«شناشيل» و«أحبيني» وغيرها أما بالنسبة لكاظم فلا استطيع الاجابة او التعقيب على اختياره لقصائد من شعر نزار قباني. ـ دخلت تجربة الانتاج والتمثيل ما الذي دفعك لخوض هذه التجربة وبماذا خرجت منها؟ ـ الدافع لانتاج مسلسلات عن حياة الفنان القدير ناظم الغزالي والشاعر بدر شاكر السياب والفنان الشعبي مسعود العمر هو تقديري وحبي لهؤلاء الذين كانوا اساتذة لي ووجدت ان اقل ما يمكن ان اقدمه هو توثيق جزء من سيرتهم الحياتية وفنهم وابداعهم. ـ في مرحلة من المراحل شكل الملحن محسن فرحات ثنائيا معك. ثم تلتها مرحلة أخرى مع الملحن كوكب حمزة.. مع من وجد سعدون نفسه أكثر عطاء وتميزا؟ ـ بكل صراحة أقول ان كوكب حمزة اعطاني أكثر وأعمق وكان الاقرب الى مشاعري، وغنيت من ألحانه عددا كبيرا من الاغاني أما بالنسبة لمحسن فرحات فإن مسيرتنا معاً لم تكتمل وذلك لأنه عندما تعثر لم يستطع العودة ثانية. وكم كنت أتنمى ان يقوم محسن من عثرته ولكنه لم يفعل. ـ لك تجربة مع الملحن الراحل بليغ حمدي ولماذا لم تنجح ألحانه معك؟ ـ هذه تجربة الالم تفقدني شيئا ولكنها اضافت لي كما أنها قدمتني للأذن العربية بشكل افضل وكانت الحاناً جميلة جداً وهي «من الأول يا حبيبي، أريدك أنا كل يوم أريدك، مشوارك يا حبيبي، رحنا والله رحنا» وكان يمكن أن تنجح جماهيريا وتنال اعجاب الجمهور لأن الراحل بليغ صب كل ابداعاته الفنية في هذه الالحان اما لماذا لم تأخذ حقها من الشهرة فلأنها قدمت سنة 1984 حيث كانت الحرب بيننا وبين ايران في اوجها وكان يغلب الغناء الوطني على العاطفي في تلك الفترة مشوار الخليج ـ سبق لك التعاون مع شعراء خليجيين، فمن منهم اسهم في إضافة مساحة جديدة الى شعبيتك؟ ـ تعاوني مع الشعراء الخليجيين قديم وكانت أول تجربة لي مع الشاعر الامير خالد الفيصل باغنيتين من ألحان يوسف المهنا كما تعاونت مع الامير بدر بن عبدالمحسن من الحان الدكتور عبدالرب ادريس في اغنية «أنا معك» كما غنيت من كلمات احمد الشرقاوي «تسرق النوم مني» التي لحنها يوسف المهنا، ولي تعاون مستمر مع كثير من الملحنين والشعراء الخليجيين. كما تعاونت مع الشاعر الاماراتي عبيد موسى حارب الذي أهداني اغنية «عبرتيني جسر للذي تريدين» ـ الفنان سعدون جابر الطائر من ميناء الى ميناء شكرا لك. ـ شكرا لكم على هذه الاستضافة واتمنى ان تتكرر زيارتي لدولة الامارات خاصة وانني اجد المتعة النفسية والراحة البدنية فيها ولي على ارض زايد الخير اصدقاء اسعد كلما التقيت بهم والى لقاء اخر. حوار: جميل محسن