الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 اختتم مهرجان السينما الفرنسية المعاصرة الثالث الذي تنظمه الرابطة الثقافية الفرنسية بالتعاون مع سينما سيني ستار ايامه الاربعة بنجاح حيث تم عرض فيلم كل يوم من اهم انتاج السينما الفرنسية خلال السنوات الخمس الماضية. وانفرد كل فيلم بطابع ولغة سينمائية مختلفة تعبر عن الواقع السينمائي الفرنسي وتفردها بعيداً عن الشكل السينمائي الذي تفرضه هوليوود على دور السينما العالمية، فالسينما الفرنسية تتميز بطابعها الهاديء وغوصها في العمق الانساني بعيداً عن الحدة والحركة السريعة المتوترة. بدأ المهرجان بفيلم «ثماني نساء» بطولة كاترين دينوف وايزابيل هوبير وباقة من نجمات السينما الفرنسية ومن اخراج وتأليف فرانسواز اوزون والفيلم يمكن تصنيفه بأنه كوميدي بوليسي، ولكن لو نظرنا له بعمق اكثر سنكسبه تصنيفاً آخر اعم واشمل وهو انه فيلم انساني والفيلم من الناحية الفنية ينتمي الى قائمة السينما المسرحية حيث انه لا يحتوي إلا على مكان واحد وهو القصر المنعزل وسط الثلوك باحدى قرى فرنسا ويستخدم اضاءة مسرحية مثل تركيز الضوء على شخص واحد واظلام باقي الفضاء المسرحي أو المكان على اعتبار انها سينما لاعطاء ايحاء التركيز أو الاقتراب من شخص واحد في المشهد السينمائي، كذلك فإن حركة الممثلين ليست متسعة وانما محسوبة وفقا للحيز المحدد للمكان والاشبه بخشبة المسرح، نلاحظ ايضا ان الكاميرا لا تعمل على اظهار فنياتها وقدراتها السينمائية فهي لا تتحرك كثيراً ولا تستخدم اللقطات القريبة، هناك ايضا اغنية لكل ممثلة او شخصية تعبر بها عن نفسها وتعطينا ملامح اكثر وضوحاً عن دواخلها النفسية ويتم اداء الاغنية بحركات راقصة تذكرنا بمسرح الخمسينيات وهو ما عمد اليه المخرج ليجعلنا نعيش الوقت الذي يدور فيه احداث الفيلم وهو خمسينات القرن الماضي. الفيلم ايضا يوحي للمشاهد بأنه يقرأ قصة قصيرة حيث يعمد المخرج في سرده للاحداث الى استخدام تقنيات كتابة القصة القصيرة حيث تقع احداث الفيلم في يوم واحد ويعالج حدثاً واحداً هو البحث عن القاتلة من بين الثماني نساء وخلال ذلك تتم عملية الكشف والبوح فكل واحدة تضطر كي تبريء نفسها الى الكشف عن اسرارها وبالتالي ما تخفيه وراء قناعها الحياتي اليومي فنشاهد الوحش داخل كل منهن والضعف المستتر والحرمان المتواري وراء اصباغ متطلبات المضي في الحياة حيث غير مسموح بالتوقف او التقاط الانفاس. قصة الفيلم بكل بساطة تدور حول رجل يعيش مع زوجته وابنتيه في قصر كبير ويضم في كنفه حماته واخت زوجته بينما توجد في المنزل خادمتان احداهما تعتبر مديرة المنزل والثانية لخدمتهم في غرفهم، بينما له اخت غير شقيقة يرفض استقبالها في منزله لرفض زوجته لها على اعتبار انها امضت حياتها في اللهو بباريس وتعتبرها فتاة منحرفة، في صباح ذلك اليوم الذي تدور احداث الفيلم خلاله تكتشف الخادمة «لويس» مقتل سيدها عندما تذهب لتقديم الافطار له وبعد ان تنتهي مشاهد الذعر يبدأن في التفكير لاحضار الشرطة لكن تنقطع امامهم السبل فحرارة التليفون مقطوعة والسيارة تم تعطيلها وبوابة القصر موصدة وهنا ينبت الشك في ان القاتل واحدة منهن وتبدأ سلسلة التحقيقات التي تقيمها كل واحدة منهن للاخرى لتبدأ الحقائق في القفز للنور وتتعرى كل منهن امام الاخرى ويكتشفن ان لكل واحدة منهن دافع للقتل.. لكن من القاتل هذا ما لا اريد ان اذكره حيث عليكم الذهاب ومشاهدة الفيلم والحصول على المتعة الحقيقية التي ادعوكم اليها. الفيلم نسائي حيث لا يظهر الرجل إل كظل في بعض مشاهد التذكر ولا يوجد اي حوار على لسانه بل هو مجرد مكمل لبعض المشاهد رغم انه يعد البطل الذي تدور حوله الاحداث بشكل حرفي لكن البطل الحقيقي هو الاشكالية المزمنة، اشكالية العلاقة بين الرجل والمرأة بكل ما تحمله من حب وكره ورغبة وحرمان وجذب وتنافر واحتياج واستغناء وسعادة وألم وملامح تلك العلاقة سواء كانت بين الزوجة وزوجها او الابنة وابيها او الام وابنها او الاخت وأخيها او الخادمة ومخدومها، كيف تكون المرأة ظالمة ومظلومة وقاهرة ومقهورة وكيف يكون الرجل ذئباً وحملا في الوقت نفسه. في اليوم الثاني من المهرجان تم عرض فيلم «هيمالايا» وهو بطولة تيلين لوندون وجورجو كياب ولابكاتشامنشو وكرما اوجيل ويقدم قصة تيبتية من خلال صيغة شاعرية حيث يصور لنا من خلال احداث اشبه بالميثولوجيا الدينية انتصار الآلهة في وجه التمرد الانساني فنحن امام رئيس قبيلة عجوز يموت ابنه الذي حل محله كرئيس للقافلة التي تذهب لجلب الملح ثم تعود لترحل به الى بلاد الغلال عبر المرتفعات الثلجية لتبادله بالحبوب والغلال التي تتقوت عليها القبيلة طوال فصل الشتاء البارد. ويواجه هنا هذا الرجل العجوز صديق ابنه القوي الذي يحب ان يحل محل ابنه في رئاسة القافلة والذي يتسم بتمرده على الآلهة وقوانينها غير المنطقية، فيرفض ان يترأس هذا الشاب القافلة ومن ثم تنقسم القبيلة الى قسمين: الشباب يتبعون العقل ضد ارادة الآلهة والمسنين الذين يصرون على اتباع ارادة الآلهة وتتوالى الاحداث التي تدور في قالب شاعري هاديء يتخلله صراع رزين بين الجبهتين الى ان ينتهي الفيلم بانتصار الآلهة وعودة الشباب المتمردين الى الحظيرة الدينية. الفيلم الثالث «الحياة الحالمة للملائكة» بطولة إلودي بوشيه ونتاشا رينيه وجريجوار حولان ومن اخراج إريك رونكا يقدم قصة تقليدية تم تناولها في السينما العالمية كثيراً منذ بدايتها حيث تتقابل فتاتان تحاولان ان تتخلصا من الفقر والتشرد بالبحث عن العمل المناسب وكسب الرزق، ورغم الصداقة والتفاهم بينهما تختلف طريقة كل واحدة في البحث عن الخلاص فتركن واحدة الى جمالها والاعتماد على رجل يخرجها من مقرها ومشاكلها الاجتماعية وتكد الاخرى في البحث عن عمل كحل وحيد للخلاص وينتهي الفيلم بانتحار الاولى ووصول الاخرى الى شاطيء الامان. وانهى المهرجان ايامه بفيلم «النزل الاسباني» بطولة رومان دوري وجوديث جودارسيك وتأليف واخراج سيدريك كلابيش وتحكي قصة شاب فرنسي يسافر الى برشلونة لينهي آخر سنة دراسية له حيث يشارك شقته مع سبعة طلاب آخرين كل قادم من بلد اوروبي مختلف. ويحاول سيدريك كلابيش مناقشة فكرة اندماج الجيل الاوروبي المعاصر الذي تتأرجح حياته بين تعدد اللغات والثقافات وطريقة التفكير والتعاطي مع مجريات الاحداث وامور الحياة ويؤكد في الفيلم قدرة هذا الجيل على التناغم ودمج ثقافاته والتفاهم بلغة مشتركة مختلفة بين الفرنسي والانجليزي والاسباني والالماني والايطالي وغيره. من خلال هذه الفكرة العامة قدم كلابيش التفاعلات التي تتعارك داخل صدور الشباب في سن الجامعة حيث عدم الاستقرار العاطفي وعدم القدرة على التركيز في اختيار مستقبل عملي، لكنه يؤكد من خلال فيلمه ان الجيل الجديد لا يخضع لمباديء وقوانين الماضي وانه يعمل جاهداً من اجل كسرها في محاولة ترسيخ مباديء وقوانين جديدة تواكب التطور الفكري والعاطفي له. لقد اكد مهرجان السينما الفرنسية وجوده هذا العام خاصة بعد الاقبال الشديد من الجمهور في دبي وبذلك يكون قد رسخ اقدامه كمهرجان ينتظره جمهور السينما كل عام، كما انه اثبت ان السينما الفرنسية لها جمهورها الخاص وانها لا يمكن ان تضيع وسط الاحتلال الهوليوودي لدور العرض السينمائية في دول العالم بشكل عام. أمنية طلعت