الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 بعد «يوم حار جدا»، توقف لست سنوات، ولم يعد إلا بأيام السادات!. وبعد أن مرت أيام السادات بحلوها القليل (وكانت بصمة محمد خان أحلى ما فيها) ومرها الكثير انتظرنا منه نشاطا كثيفا يعوض به ما فقدته السينما المصرية، لكنه لم يجد الوسط الذي يلائم هذا النشاط، فحاول التغلب عليه، وأخيرا وجد البديل. هو صاحب «ضربة شمس» و«الحريف»، و«خرج ولم يعد» و«عودة مواطن» و«الطوق والأسورة» و«أحلام هند وكاميليا» و«زوجة رجل مهم» و..و..و.. «أيام السادات»، وهو الذي نال وعن جدارة العديد من الجوائز في الكثير من المهرجانات المحلية والدولية:« طائر على الطريق»: حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان نانت بفرنسا ـ 1982، «خرج و لم يعد»: حصل على التانيت الفضي من مهرجان قرطاج بتونس ـ 1984، بينما حصل يحيى الفخراني على جائزة أحسن ممثل من نفس المهرجان، «زوجة رجل مهم»: حصل على الجائزة الفضية من مهرجان دمشق بسوريا ـ 1987،«أحلام هند وكاميليا»: حصل على الجائزة البرونزية من مهرجان فالنسيا بأسبانيا 1988. وقبل كل ذلك، فإن محمد خان يعد أحد أهم مخرجي الواقعية الجديدة في السينما المصرية، التقيناه وناقشناه في تفاصيل فيلمه الجديد الذي اختار له اسم «كليفتي» والذي اسند بطولته لوجهين جديدين: باسم سمرة ورولا محمود، وبهذا الفيلم أيضا يخوض خان للمرة الأولى تجربة التصوير بالكاميرا الديجيتال. ..في كليفتي كما في العديد من أفلام خان تدور الأحداث في شوارع القاهرة لترصد الحركة فيها، لترصد معاناة شاب يعيش حياته متصعلكا، ويقوم ببعض عمليات النصب، ويحب فتاة تعمل في إحدى المستشفيات، إنه بطل محبط جديد يضاف إلى قائمة أبطال خان المحبطين! قلت لخان ذلك فرد سريعا بقولة: البطل في أفلامي لديه أحلام وآمال، لكن يهمني أن أضعه في ظروفه الواقعية، وهنا يكون السؤال: هل الظروف التي يمر بها البطل محبطة؟ أنا لا أرى هذا، لأن أبطالي يحققون في النهاية الانتصارات، ففي «خرج ولم يعد» البطل ينتصر، كذلك مستر كاراتيه، أما أحلام هند وكاميليا فقد وجدوا القيمة في الفتاة الصغيرة وفي عودة مواطن، وزوجة رجل مهم، الواقع اثر بشكل مباشر علي الشخصيات. ـ في هذا الفيلم تستعين على غير عادتك بوجوه جديدة تماما، فهل يحق لي أن أسألك عن السبب؟ ـ لا توجد أسباب، من تلك التي تنتظرين مني أن أقولها لك، والمسألة ببساطة شديدة هي أن فكرة العمل تستدعي هذا، وحتى يشعر المشاهد أنهم منه، وتحدث ألفة وتواصل بينه وبينهم. ـ تخليت عن عادة لكنك التزمت بعادة أخرى أراها مهمة، وهي افتقاد بطلك للوسامة؟! ـ ولماذا يكون البطل وسيما، هل كل من يعيشون حولنا لهم ملامح واحدة، كل ما أفعله هو محاولة تقديم شخصيات بها مصداقية، ومن واقع الحياة حتى تكون قريبة من المشاهد، وعموما فإن هذا اتجاه عالمي. ـ الجديد أيضا انك تخوض للمرة الأولى تجربة التصوير بكاميرا ديجيتال، وقد تكلمنا كثيرا قبل هذا الحوار في ذلك، لكن اسمح لي أضع أمامك صورة شديدة الواقعية، فالسينما الأجنبية تنافس السينما المحلية بإمكانياتها التكنولوجية الحديثة، فهل تعتقد أنك ستتمكن من مواجهتها بـ «الديچيتال»؟ ـ الديچيتال في الأساس اتجاه سائد في أمريكا وأوروبا، وأيضا أكبر مهرجان سينمائي «كان» أعطى الشرعية لأفلام الديچيتال، فهناك مخرجون يقدمون أفلاما جيدة وموضوعات مهمة، ولكن تكلفة تحويلها إلى أفلام خام مرهقة ماديا بالنسبة لهم، فأتاح لهم مهرجان «كان» حرية تقديمها كما هي، فلماذا لا نتعامل معها نحن أيضا، واسمحي لي أن أقول لك كلاما سبق أن قلته، وهو أن اتجاهي واتجاه بعض زملائي للتصوير بنظام الديجيتال يمثل اتجاها مهما لان الديجيتال هو المستقبل، وأنا سعيد بهذه التجربة لأنها لا تعتمد على شباك التذاكر، ومن ناحية أخرى تسمح لي بتقديم تجربة أفخر بها في ظل الظروف الإنتاجية الحالية، فهي تحقق حرية كاملة بطريقة غير مكلفة، وقد كنت من قبل أرفض الإنتاج المشترك، أما الآن فأنا أرحب به حتى أصنع سينما لها قيمة، وأرجو ألا تفهمي من كلامي شيئا لا أقصده، فقد قدمت 19 فيلما أفخر بها جميعا. وبهذه المناسبة: مناسبة الحديث عن شباك التذاكر الذي أخل بكل الموازين أود أن أذكر لك أن هناك فنانا شابا حاول أن يقترب من النجومية، قال لي بالحرف إنهم استطاعوا أن يجعلوا جيلي من المخرجين «يقعدوا في بيوتهم»، وأنا أقول له إننا سنعود وسنبدع، وأن السينما المحترمة ستفرض نفسها في النهاية. ـ كلامك عن هذه الواقعة يقودنا لسؤالك عن رأيك في ما هو سائد على الساحة السينمائية الآن؟ ـ إن ما يحدث هو مجرد عملية نصب ووسيلة جديدة للضحك على المراهقين، فالسينما بدون هموم أو مضمون ليس لها معنى، وأنا لا أعني أن يكون هذا المضمون شديد الكآبة، أو بعيدا عن الضحك، فمن الممكن أن نقدم حكاية خفيفة ولكن جادة، أما الذي يحدث الآن فهو مع الأسف الشديد «ضحك على الذقون» لأن الأفلام المعروضة الآن تخلو تماما من المضمون. المأساة هي أن البطل المصري في هذه الأفلام بطل «عبيط» ونضحك عليه حتى لو تزحلق في قشرة موز في الطريق، وهذه ليست كوميديا. ـ الرد الجاهز الذي يسوقونه دائما هو أن الجمهور عايز كده، ألا ترى في ذلك مبررا؟ ـ الذي يقول أن الجمهور يريد هذه السينما لا يعرف حقيقة الجمهور، فالمشاهد لا يمكن أن يرضى بهذا الذوق وأنت لا يمكن أن تحب سينما لا تترك فيك أثرا، وتخرج من دور العرض دون أن يبقى في ذهنك أي شيء عن هذا الفيلم سوى صورته الحلوة، ولهذا فإنني اعتبر هذه الأفلام مخدرا سينمائيا جديد اخشى أن يتفشى وينتشر. ـ وما دام الجمهور لا يريد ذلك، فبماذا تفسر تلك الإيرادات التي تحققها تلك الأفلام؟ ـ الاحتكار هو السبب الرئيسي، ففي ظله يعرض الفيلم في70 دار عرض ولا يملك المشاهد حق الاختيار كما أن المنتجين الذين ورثوا المهنة عن آبائهم وإخوانهم يفرضون تلك النوعية من الأفلام لأنهم يستهدفون ربح الملايين، ولا يتعلمون من هوليوود التي تنتج الفيلم الذي يحقق خمسة ملايين، والفيلم الذي يحقق100 مليون، وبذلك يحدث التنوع المطلوب في الأفلام. ـ أعتقد أن وطأة الاحتكار بدأت تخف مع الزيادة المستمرة في عدد دور العرض، ألا توافقني على ذلك؟ ـ المسألة ليست في عدد دور العرض، فعلى الرغم من تعدد دور العرض، إلا أن هناك موسمين فقط لعرض الأفلام العربية، وفي هذين الموسمين نجد مثلا ستة أفلام تحتل هذه الدور، خاصة بعد أن أصبحت شركات الإنتاج تتحكم في السوق وميعاد العروض، والفترة التي يستغرقها عرض الفيلم باليوم والأسبوع ـ أليس هناك دور ينبغي على جيلك من المخرجين القيام به في مواجهة هذا التيار؟ ـ أنا قلت لك إن ممثل نصف موهوب قال لي انهم أجلسونا في البيت! ورغم ذلك فأنا لا أعتقد أن علينا أن نقوم بأية مواجهات بقدر ما ينبغي أن نقوم بنوع من المراقبة، فالسينما الكوميدية ليست بالضرورة «هلس» والواقعية ليست بالضرورة «نكد» فهذا مفهوم خاطئ. أما التيار السائد اليوم فهو فارغ من أي فكر ومضمون ومستحيل أن يدوم، ولن يتذكر رجل الشارع هذه الأفلام في المستقبل التي اعتبرها أفلاما منسية.إن المشاهد لا يزال يذكر أفلاما مثل: سوبر ماركت وعودة مواطن وللحب قصة أخيرة وسواق الأتوبيس، وأنا على يقين من أنه لن يتذكر فيلما واحدا من الأفلام التي تم إنتاجها في السنوات الخمس الأخيرة. ـ وماذا عن المخرجين الشبان؟ ـ هناك محاولات لمخرجين معدودين، ولكن لا يوجد اسم معين، والمخرج الجيد هو الذي يرى بوضوح انعكاس الحياة حوله، ويدرك أشياء كثيرة، ولا يمكن أن نقول على مخرجين يعتمدون على أبجديات الإخراج، وهذا شيء بديهي، أن هذا إبداع، لكن الشيء المحزن هو أن بعض الأفلام المعروضة الآن والتي تخلو تماما من المضمون، كما قلت، يكون بها في الوقت نفسه حرفية عالية، وأساليب إخراجية جديدة، ولكن مع الأسف هناك لامبالاة كاملة وعدم فهم لرسالة السينما وربما لرسالة الحياة نفسها. ـ وأخيرا ما العمل الذي يتمنى محمد خان تقديمه؟ ـ بعيدا عن كلام الشعارات، فأنا بالفعل مهموم بالصراع العربي الصهيوني، وهذه القضية تشغلني جدا، وهناك موضوع أعجبني يدور حول فلسطيني يعيش في الخارج، ويتناول ما يتعرض له من عنصرية كعربي فلسطيني، وحجم المعاناة التي يعيش فيها، وأتمنى أن أقدم هذا العمل قريبا، وسأبذل كل ما في وسعي لتنفيذ هذا الفيلم. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: