الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 موعدنا اليوم مع واحد من عمالقة السينما قدم الكثير من الاعمال الفنية واجاد في اكثر من لون بما في ذلك ادوار الكوميديا التي يرى البعض انها لا تتناسب مع تعابير وجهه، ونحن هنا نتابع كيفية دخول رشدي اباظة إلى عالم السينما كما يرويها لنا في كتابه «نجوم السينما المصرية» فيقول كان الاختيار قاسيا في البداية، فعندما اكتشف المخرج القديم كمال بركات ذلك الفتى الوجيه، المتمتع بشعر اسود لامع، يتهدل على عينيه وهو يلعب البلياردو، كانت السينما المصرية تتألق بعدد من المع نجومها: انور وجدي.. كمال الشناوي.. أحمد سالم.. حسين صدقي، لذلك كان من الصعب أن يأخذ ذلك الوافد الجديد، مكانا كبيرا، وسط هذه المجموعة التي تعيش سنوات مجدها الذهبي. ما الذي رآه كمال بركات عام 1948 في رشدي بغدادي اباظة الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره؟.. لقد وجد في الشاب الثري، الانيق، بجسمه القوي، المتناسق، ما يجعله اهلا لأن يصبح وجها سينمائيا ناجحا، على الرغم من ان صاحبه ليست لديه دراية بفن التمثيل، ولا يحلم الا بأن يكون بطلا في كمال الاجسام. فشلت التجربة في البداية، وكان لابد ان تفشل، فجمال الوجه وتناسق الجسم لا يصنعان فنانا.. خاصة وان فن التمثيل السينمائي قطع مشوارا طويلا خلال اكثر من عشرين عاما، واصبح ثمة اربعة فرسان على الاقل، لكل منهم طابعه القوي، المميز، الخاص، يتقاسمون بطولة معظم افلام هذه السنوات، ودخل رشدي اباظة الاختبار ثلاث سنوات متتالية، باربعة افلام، آخذ فيها ادوارا رئيسية «المليونيرة الصغيرة» من اخراج كمال بركات 1948، «ذو وجهين» اخراج مشترك بين ولي الدين سامح وأحمد ضياء الدين!. و«أمينة» اخراج جياني فرنوتشو 1949، «امرأة من نار» اخراج الساندريني 1950. ولم يحقق نجاحا يلفت الانظار، فشخصيته الفتية لم تكتمل بعد، وخبرته بالتمثيل ضعيفة ونبراته الصوتية يعوزها الوضوح والنضج.. وسرعان ما هبطت اسهم النجم الجديد. وبدأ صناع السينما يضعونه في حجمه الحقيقي فلم تعرض عليه الا بعض الادوار الصغيرة، المتهافتة، ولكن رشدي اباظة ابن الارستقراطية، سليل العائلة الاباظية، لم يقبل التنازل والاعتراف بالامر الواقع بسهولة، لذلك فإنه رفض هذه الادوار جميعا، وانغمس في اعمال اخرى بعيدة عن التمثيل السينمائي انتظاراً لفرصة اخرى.. ومن عام 1950 إلى 1953 عمل في قناة السويس تارة، وافتتح مطعما تارة اخرى، وكون شركة لبيع البذور. ولكن يبدو ان عشق السينما قد اصاب النجم الذي هوى، فذهب يجرب حظه في السينما الايطالية، ومن الواضح انه لم يحقق ادنى نجاح، ذلك انه عاد مرة اخرى للقاهرة. واذا كان كمال بركات هو اول من اكتشف رشدي اباظة، فإن عز الدين ذو الفقار هو اهم من قدمه على الشاشة، وحدد له ملمحا من ابرز الملامح التي سيظهر بها، باشكال متعددة، بعد تجربته الكبيرة في «امرأة في الطريق» ,1958. ان عز الدين ذو الفقار، يتمتع بنزعة جمالية واضحة، ومتأثر ايضاً بالسينما الهوليودية، خاصة من ناحية اهتمامها بابراز جاذبية النجوم ومفاتنهم، ويبدو انه وجد في رشدي اباظة 1958، نفس ما وجده كمال بركات في لاعب البلياردو منذ اكثر من عشر سنوات، ولكن على نحو اكثر وضوحاً ونضجاً واكتمالا. اختار صناع الفيلم لرشدي اباظة صدارا يبرز شعر صدره وعضلات يديه واخذت الكاميرا تصوره من اسفل فيبدو فارع الطول، يرفع البراميل والاثقال بيديه القويتين فتظهر عضلات ظهره ومتانة جسمه، يدخل معارك دامية مع اكثر من رجل فينتصر على الجميع، وهو ينام في مخزن غير صالح للنوم، ولكنه يليق بشخصية او بكائن «بري» لا يميل للنعومة او الراحة، وهو بهذا الشكل، وبهذه الطريقة الخشنة في الحياة، يؤجج رغبات المرأة الوحشية التي تنطلق رغباتها الغرائزية تجاهه لتحطم في طريقها كل شيء.. ونجح الفيلم نجاحا كبيرا، وحقق رشدي اباظة قفزة جعلته، منذ ذلك الوقت، احد الوجوه الاساسية في السينما العربية. في العام التالي 1959 قام رشدي اباظة ببطولة «الرجل الثاني» من اخراج عز الدين ذو الفقار.. وفي هذا الفيلم تغيرت الصورة التقليدية لرجل العصابات، فلم تعط غلظة الملامح والسلوك وتشوهات الوجه من شروط المجرم، ولكن من الممكن ان يخفي الوجه الشفاف والسلوك الناعم المهذب، اخطر انواع البشر، والميل للعدوان، هنا لم يعد المجرم مجرد بلطجياً منحرفا، ولكنه اصبح عصريا بشكل ما.. يتآمر، ويخطط، ويفكر.. وكما مهدت ملامح وجه رشدي اباظة له ولصناع افلامه فرصة الابتعاد عن المواصفات التقليدية للمجرم، فتحت له ايضاً الطريق ليقوم بادوار القساة، الذين يصلون في قسوتهم إلى حد السادية، ويعبرون في نفس الوقت عن قسوة نظم كاملة.. ومن انجح هذه الادوار، دوره في فيلم «جميلة بوحريد» من اخراج يوسف شاهين 1958، فقد قام بدور الضابط الفرنسي السفاح بيجار الذي يصل في قسوة تعذيبه للثوار الجزائريين إلى درجة الهيستريا.. وبقدر ما اجاد رشدي اباظة التعبير عن وحشية السفاح المدوي، بقدر ما اظهر، وبحساسية، لحظات الانهيار. وبذلك يمكن القول بأن الملامح الداخلية لشخصية رشدي اباظة، من الناحية الفنية تكونت على اساس الارادة الصلبة، والروح القوية، فضلا عن انه من الناحية الشكلية تميز بوضوح الملامح، وقوتها وتناسقها. وهذه كلها امور منحته ومنحت صناع افلامه ان يكون طرفا قويا في الصراع، ايجابي، يملك زمام المبادرة، مقتحم، لا يستسلم او ينهار بسهولة.. وهذه السمة تظهر بوضوح في ادواره الوطنية، مثل «في بيتنا رجل» من اخراج بركات 1961، و«غروب وشروق» من اخراج كمال الشيخ 1970، مرورا «بلا وقت للحب» من اخراج صلاح ابوسيف 1963. مثل رشدي اباظة بعض الافلام الكوميدية وحقق فيها نجاحا ملحوظا لعل اشهرها «الزوجة 13» و«آه من حواء» والفيلمان من اخراج افضل مخرجي الكوميديا فطين عبدالوهاب، فضلا عن «من اجل حفنة اولاد» الذي اخراجه ابراهيم عمارة ,1969. يتضمن الفيلم الاول هجاء ساخرا لبقايا ظاهرة تعدد الزوجات، وجاء الفيلم الثاني تمصيراً جيداً لمسرحية «ترويض النمرة» لوليم شكسبير، كما ابرز الفيلم الثالث عناء موظف صغير ازاء تكاليف الحياة عندما يكون مسئولا عن كتيبة كبيرة من الاطفال. وعلى النقيض من هذه الادوار، وبنفس النجاح، قام رشدي اباظة بدور الرجل «المزعج»، «السمج»، فاسد الخلق، يشيع في حياة من حوله نوعا قاتماً من الكآبة وعدم الاطمئنان. ولعل دوره في «اريد حلا» من اخراج سعيد مرزوق 1975 ان يكون النموذج الكلاسيكي لهذه الادوار.. فهو في هذا الفيلم يعكس باقتدار سلبيات الرجل الذي لا يزال يعامل رفيقة حياته على انها تابع ذليل وليست شريكة حياته. ولكن يبقى اخيراً دور واحد احسب انه من أجمل ادوار رشدي اباظة واكثرها اكتمالا، وهو دور تضافرت جهود كاتب الرواية والسيناريست والمصور والمخرج لابرازه على نحو بديع، فجر طاقة الفنان الكبير وجعله يصل لآفاق لم يحققها من قبل او من بعد.. انه دوره في «شيء في صدري» عن رواية احسان عبدالقدوس ومن اخراج كمال الشيخ 1971. ان مفتاح شخصية «رشدي اباظة» او جوهره يكمن في انه رجل قوي، يقف على ارض نفسية صلبة، يجمع بين قوة البدن وقوة الروح، يساعده على التعبير عن هذا الجوهر ما يحظى به من جسم متسق، ووجه واضح المعالم، متناسق، على درجة كبيرة من الشفافية، وهو على قدر كبير من الجرأة، مقتحم، يفجر الصراعات ويؤججها ويسير بها حتى نهاياتها.. وادواره، في مجملها، تنويعات او اقنعة لهذا الجوهر.