السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 نتواصل اليوم مع الكاتب ديفيد روبنسون وكتابه تاريخ السينما العالمية حيث توقفنا الاسبوع الماضي عند نقطة كان فيها على السينما ان تكتشف بأنها فن، وان افلام جورج ميلييه هي أقدم الأفلام التي لا تزال تحتفظ بقيمتها الفنية حتى يومنا هذا، هذه القدرة على البقاء تصبح اكثر أهمية حين نعلم ان ميلييه يعتبر بين معاصريه رجعيا الى حد ما. لم يقنع ميلييه، لحسن الحظ، برفض لوميير الاب لطلبه حين حاول شراء سينماتوجراف في 95/1996. اشترى جهاز عرض من أر. دبليو. بول في لندن، وصمم كاميرا بمساعدة أحد زملائه، ودخل سوق العمل منتجا سينمائيا «كم كان الأمر سهلا تلك الايام..!». وفي غضون اسابيع قدم اكتشافه ـ الثوري آنذاك بصرف النظر عن حكمنا عليه الآن ـ ان المشاهد يمكن ان تمثل امام الكاميرا بشكل مسرحي وان صانع الفيلم ليس مضطرا للتقيد بلقطات متحركة مأخوذة من الحياة.ان دور ميلييه بوصفه مبتكر «المشهد السينمائي» و«تركيب المناظر» هو مسألة سبق تاريخي. اما ما يأسرنا اليوم فهو محتوى هذه المشاهد والمناظر، الطريقة التي حولت بها رؤية ميلييه الحيوية والفريدة هذه المشاهد من شيء اشبه بمسرح آواخر القرن التاسع عشر الى فن جديد، متفرد وباق.حين قدم ميلييه فيلمه الأول في ابريل او مايو 1896 كان في الرابعة والثلاثين من عمره، لقد ولد ميلييه في عام 1861، لاب ثري يعمل في صناعة الاحذية مما منحه فرصة لنيل تعليم ادبي جيد. وبعد اداء الخدمة العسكرية عمل لبعض الوقت رسام كاريكاتير بالجريدة الساخرة «المخلب» وكانت السنة التي حددت مستقبله هي 84/1885 حين ارسله أبواه الى لندن لاتقان الانجليزية وانتهز هو الفرصة لاستيعاب الأفكار المسرحية الجديدة. وهربا من الضيق بالمسرحيات العادية التي لم تكن تستوعبها انجليزيته المحدودة راح ميلييه يتردد على عروض التسلية البصرية ـ التي عرفت لندن العديد منها في ثمانينيات القرن الماضي ـ حيث القليل من الكلام والكثير من الفرجة، وقضى معظم وقته يشاهد هذه العروض في «القاعة المصرية». وهنا نما بداخله حب شديد للسحر قاده في النهاية الى استئجار مسرح روبرت ـ هاودن، في 1888 حين كبرت ثروته المتواضعة بالزواج من امرأة ثرية. واثبت ميلييه انه ساحر وحاو جدير بأن يخلف مؤسس ذلك المسرح الشهير. لم يكن ميلييه مجرد صاحب ومدير مسرح فحسب، بل منتجا وممثلا ومصمم مناظر ومؤلفا وساحرا على السواء، وعروض التسلية التي قدمها تكشف عن تنوع اهتماماته المسرحية وتدل على شخصية افلامه. وعنده التقت الالعاب السحرية الفرنسية الطابع كما كانت عند روبرت ـ هاودن بالاسلوب الانجليزي الاحدث والاكثر تشككا كما عند ماسكلاين وكوك. كما امتزجت العروض الصامتة بطابع مسارح ايدن وشاتيليه «حيث كان ميلييه يستأجر فرق الباليه أغلب الوقت» مع الطابع الانجلو ساكسوني لباليه الهامبرا وعروض لندن الصامتة. حين قدم الأخوان لوميير عروضهما في الجراند كافيه كان ميلييه يدير مسرحه الخاص منذ سبع سنوات. ولقد نظر الى هذا الاختراع الجديد، السينماتوجراف، اول الامر على أنه شيء طريف يمكن اضافته الى منوعات عروضه بالمسرح. غير ان السينما سرعان ما شغلته عن المسرح السحري لتصبح هي اهتمامه الرئسي، حيث انغمس ميلييه مبتهجا في ممارسة مواهبه المتعددة بوصفه صانع افلام هذه المرة. فكان منتجا ومخرجا وسيناريست ومصمم مناظر وممثلا، بل وأحيانا مصورا. كما صمم وبنى أول استوديو سينمائي حقيقي في العالم.. صوبة زجاجية ضخمة بشكل غريب، في مونتروي ـ سو ـ بوا. وهناك صنع فيما بين 1896 و1914 بما يربو بكثير عن الألف فيلم، من افلام الحيل القصيرة ذوات الثلاث دقائق الى الافلام الروائية والعروض التي يستغرق عرضها عشرين دقيقة. يرجع الفضل في توصيل ميلييه الى اهم اكتشافاته واكثرها اثرا الى كونه صانع ألعاب سحرية. حيث كان يصنع افلامه وفي ذهنه دمجها في برنامجه بمسرح روبرت ـ هاودن، كما كان يتعامل معها بكل براعة صانع العاب سحرية محترف، ولذا سرعان ما اكتشف كافة الحيل الممكنة بالكاميرا. غير ان منزلته الخاصة باعتباره مخرجا سينمائيا تفوق كثيرا براعته المهنية، ففي أفلام الحيل التي قدمها ايقاع وتنوع بديعان حشرات تتحول الى حسناوات ادواريات فاتنات، شياطين تولد وتختفي في نفثات دخان، ساحر يخرج من خزائن صغيرة شديدة الغموض اثاثا لقصر برمته أو «كورس» كاملا. ان لافلام الحيل سوريالتها الخاصة، كما في فيلم «في الطريق الى مصحة الوادي المزهر» 1901: حافلة تصل يجرها حصان ميكانيكي غير عادي. على القمة أربعة زنوج جالسين. الحصان يرفس الزنوج ويضايقهم، يتحولون الى مهرجين بيض يصفع كل منهم الاخر على وجهه. الصفعات تردهم زنوجا ثانية. يرفس كل منهم الآخر فيرتدون بيضا مرة اخرى. وفي النهاية يندمجون جميعا على هيئة زنجي واحد ضخم. وعندما يرفض دفع الأجرة يشعل المحصل النار في الحافلة وينفجر الزنجي الى آلاف الشظايا. وقد افترنت اساليب الحيل في افلام الابهار والفانتازيا بنمط اخراج مسرحي ذي طبيعة باروكية فيكتورية مزخرفة لها مذاق غريب. ولعل موضوعات هذه الافلام تشير الى اي مدى هي مستوحاة من عروض باليه الهامبرا او شاتيليه ـ عرضان عن «سندريللا» «1899 و1912»، «مملكة الحواديت» «1903»، «ذو اللحية الزرقاء» «1901»، «قصر ألف ليلة وليلة» «1905»، «حدوتة كارابوس» «1906». كما مزجت بشكل محبب بين جول فيرن وعالم جنيات شاتيليه افلام الفانتازيا «رحلة عبر المستحيل» «1904»، «عشرون الف فرسخ تحت سطح البحر» «1907»، «غزو القطب» «1912» واقدمها واشهرها «رحلة على القمر» «1902». وكان الفيلم الذي ثبت اسم ميلييه في السوق العالمي، والاميركي خاصة، هو «رحلة على القمر». فقد جاء ما في لوحاته الصغيرة من ظرف وتألق وسحر مفاجأة بديعة لرواد السينما الذين اعتادو على أفلام مشاهد الشارع وحيل الشرائط الكوميدية الفجة. لقد اشار ميلييه الى امكانيات فنية للفيلم السينمائي لم تكن معروفة من قبل. كانت أفلام تشترى بحماس كبير، بل وتسرق بحماس أكبر، في أميركا. لذا تشجع ـ ومضطرا في الوقت نفسه لحماية انتاجه ـ لافتتاح فرع في نيويورك لشركته «فيلم ستار كومباني». ومما يبرهن على السمعة الطيبة التي تمتع بها الرجل خلال العقد الأول من القرن انه انتخب في فبراير 1905 رئيسا للمؤتمر الدولي لصناع الأفلام الذي حضره جميع السينمائيين الكبار في العالم ذلك الوقت. غير ان المؤتمر كان نذير شؤم عليه. كانت ثمة علامات على المستقبل المقبل: معارك من اجل السيطرة على صناعة كبرى لم يكن رجال مثل ميلييه مسلحين لها جيدا. اضافة الى ان الرجل كان قد اصبح متخلفا في اساليبه، وعاجزا عن تغيير طرائقه شديدة الخصوصية. فالجماهير التي عشقت من قبل «رحلة على القمر» كانت عشية الحرب العالمية الاولى قد ملته. صارت تميل اكثر الى أفلام فوياد المرعبة والكوميديات الأميركية الجديدة والافلام التي تأخذهم الى عالم أرحب ما يمكن ان تقدمه خشبة مسرح ميلييه الضيقة. الانتاج لم يعد رخيصا، وضرب قراصنة الأفلام والمقلدين والمنافسين للأسعار بات يقلل الأرباح. كانت السينما هي المجال الاحتياطي للأعمال التجارية الكبيرة حيث لا مكان للفنان الناسك. اصبح ميلييه عبدا في امبراطورية باتيه، ثم أرغم بعد 1913 على الاقلاع تماما عن الانتاج. حول الاستوديو الخاص به الى مسرح وأخذ يكافح من جديد لبضع سنوات. وفي 1923، مع تفاقم يأسه، باع نيجاتيف أفلامه كلها الى أحد المصانع كسيلولويد خام. ولعل هذا هو سر بقاء خمسين فيلما فقط من الآلاف التي أنتجها.