الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 الجوائز الكثيرة التي حصدها فيلم «خلي الدماغ صاحي» في مهرجان الاسكندرية السينمائي لم تكن محض مصادفة أو مجاملة وانما هي نتاج مجهود ووعي وابحار ضد التيار الذي ساد الحالة السينمائية في الآونة الأخيرة، واقل ما يقال عن الفيلم انه محاولة جادة تعمدت الغوص في القضايا المجتمعية ولم تنشغل بالأمور السطحية التي يعتقد بعض صناع السينما أنها عامل الجذب الأول للجمهور، وعلى هذا الأساسي فان أول شهادة تقدير يجب ان تذهب الى جهة الانتاج التي تبنت هذا العمل، ومن ثم نلتفت إلى منى الصاوي وحنكتها في لملمة مجموعة قضايا وهموم تشغل رجل الشارع فلم تفرق بين شاب ورجل عجوز، بين امرأة ورجل، فكانت اختياراتها للنماذج موفقة للغاية ورغم حشد هذا الكم الكبير من الشخوص ومشاكلها إلا اننا لم نشعر بهشاشة في التناول او اسهاب وتطويل في المشاهد، انما وجدنا انفسنا امام اضاءات سريعة ـ التناول المكثف ـ وهذا يقودنا الى التكنيك الذي اعتمدته منى الصاوي في كتابة الحوار، ونعتقد ان المخرج محمد ابوسيف كان متوافقا لأبعد حد مع رؤية السيناريو فكان هذا التناغم بين القول والصورة، وإذا كان طابع الكوميديا هو المسيطر على أجواء الفيلم فان هذه الكوميديا لم تكن مجانية على الاطلاق، انما كانت تحمل في طياتها قدراً كبيرا من السخرية الجادة مما هو واقع، ان تكرار مشاهد الحفر بحجة المجاري اولا ثم وصل شبكة اسلاك التلفونات ثانيا ثم توصيل الكهرباء اخيراً مع وجود نفس الوجوه من أهل الحي ورفضهم في كل مرة، هذه التكرارية تمثل قصدية هدفها النقد الساخر مما يحدث، وقصة الفيلم تحمل في مجملها رسالة واضحة من دون اسقاطات غامضة او لف ودوران، وان مشاكل الإنسان البسيط ورغم تفاهتها تعجز حتى العفاريت عن حلها، إذ يقف قانون «من اين لك هذا» حائلا بين تحقيق الأماني، وان لم يكن كذلك فان عمليات النصب التي يمارسها البعض تطيح بأحلام الفقراء، ومع هذا لم ينس الفيلم القاء بعض من المسئولية على عاتق البشر انفسهم ويدين الهروب من المشاكل الحياتية بتناول المخدرات واستسهال الحلول، وبتصاعد الاحداث تصل الجرأة في النهاية بما يشبه الصعقة الكهربائية في مشهد قصير لكنه يحمل دلالات عميقة وكبيرة حين يمر المسئول الكبير دون تفتيش رغم البلاغ عنه بتهريب المخدرات والاتجار بها، المسئولية جماعية اذن، كما هي البطولة ايضا فلا نستطيع بخس احد من الممثلين حقه في الأداء، وهذا هو احد مقومات نجاح الفيلم. نحن نشاهد الفنان سامي العدل في دور جديد «العفريت مطمئن» وهو يبهرنا بمشاهد تمثيل صامتة، وحركية في أماكن أخرى يوازيه في الاداء الممثل الشاب مصطفى شعبان وبقية المجموعة، غير ان لغة اخرى قدمها لنا الديكور مع المؤثرات البصرية الناجحة وحركة الكاميرا الموفقة التي تعاملت مع الحيز المكاني الصغير ـ قصدية الديكور ـ، وبالتال فإن اي حديث عن مسار الحدث وتصاعده لن يكون بمعزل عن هذه المكملات، فالمسكوت عنه «حواريا» قد ترك اصلا للتعبير عنه بادوات دالة تغني عن الكلام. من المؤكد اننا لا نقصد ان نرفع من قيمة العمل وتحميله أكثر مما يحتمل، ولكن اذا كانت لدينا هذه الكوادر «الشابة» فان تساؤلا يطرح نفسه بقوة ويعيدنا إلى المعادلة الصعبة، ترى من الذي يحكم على نجاح أو فشل اي عمل فني؟ أهو الجمهور أم فنيات العمل؟ أم الاثنان معاً، هذا التساؤل يجيب عنه فيلم «خلي الدماغ صاحي» بكوادره الشابة وفنياته العالية، وعموماً الفيلم اكثر من مناسب لان يشاهده الكبار والصغار على حد سواء. عز الدين الأسواني