الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 هو البطل السينمائي الفعلى الآن.. وهو أكثر مخرجي السينما قوة ولمعانا.. ولا نبالغ لو قلنا انه الوحيد الذي استطاع الصمود أمام الطوفان السينمائي الجديد. لم يتنازل عن القيمة في أفلامه، وفي الوقت نفسه، لم يتنازل عنه الجمهور الذي كثيرا ما يتهمه النقاد بأنه سبب كل مصائب السينما المصرية. كان الفيلم الصدمة «إسماعيلية رايح جاي» قد قلب كل الموازين، وبعده اشتعلت دور العرض السينمائي بفيلم «صعيدي في الجامعة الأميركية»، ثم اعتلت أفلام الكوميديانات الجدد الساحة السينمائية، وتسارع الكبار والصغار إلى الفوز بتوقيع هذا النجم أو ذاك من نجوم العهد الجديد فيما كان هو يقدم أفلام «سوق المتعة»، و«ديل السمكة»، و«معالي الوزير». ورغم ذلك لا يجرؤ أحد على القول بأن فيلما منها قد فشل تجاريا بل نجح ونجح جدا. وإلى جانب الأفلام السينمائية المتميزة والمختلفة أشد ما يكون الاختلاف عن المنتشر في سوق السينما، كان سمير سيف يمتع مشاهدي الشاشة الصغير بالمسلسلات التليفزيونية، التي رفعت درجة حرارة شهر رمضان الآتي في عز البرد! سمير سيف الذي بدأ الإخراج عام 1976قدم للسينما 26 فيلما، بينها تسعة أفلام لعادل إمام وعشرة أفلام لنور الشريف، حصل على درجة الدكتوراة في أفلام الحركة، ورغم ذلك فقد قدم كافة الأنماط السينمائية الأخرى بالإجادة ذاتها التي قدم بها أفلام الحركة أو الأكشن، من أول أفلامه دائرة الانتقام إلى معالي الوزير. ويكفيه أنه هو الذي أخرج مسلسل أوان الورد الذي أحدث فعل الصدمة في المجتمع المصري حين عرض في رمضان قبل الماضي. ـ ماالطريقة التي استطعت بها أن تحقق المعادلة الصعبة: سينما جادة وهادفة وفي الوقت نفسه يقبل عليها الجمهور؟ ـ لقد حرصت منذ البداية على أن يكون انحيازي الأول للجمهور، وأن أراهن عليه وعلى إمتاعه وفي الوقت نفسه أناقش قضايا تهمه، لأن رسالة السينما تظل دائما محصورة بين «المتعة، والقضية» مثلا في «معالي الوزير» هناك نوع من الخداع، فالعنوان قد يوحي بقدر من «الهجاء السياسي»، لكنه في حقيقة الأمر رحلة غوص داخل شخصية مركبة متناقضة، وقد حاولت فيه الوصول إلى ما يسمى بالإخراج المختفي، الذي يتواري كي تبرز جماليات الشخصية الفنية التي توفر عنصر المتعة للمشاهد، وهي تطرح «قضية» تترك حلولها للمشاهد، وتجبره على عدم قبول «الحلول الجاهزة» وتلك وظيفة «الرؤية الإخراجية». أدخلنا سمير سيف إذن إلى الحوار من المنطقة التي أردناها، من معالي الوزير، وهكذا كان منطقيا أن أطرح السؤال التالي: ـ غامر وحيد حامد وكتب السيناريو، وأبدعت في تنفيذ الورق بشكل لا نبالغ لو قلنا أنه يفوق الوصف، والسؤال الآن هل ترى أن الواقع الذي نعيشه بهذه القتامة التي رأيناها في معالي الوزير؟ ـ وحيد حامد استطاع بمشرط جراح وبجرأة شديدة أن يتناول وقائع في غاية الأهمية، لكن الواقع الذي نحياه يظل أكثر جرأة ومأساوية مما طرحناه في الفيلم، فهذه الواقعة: واقعة وصول وزير إلى الوزارة بالصدفة حدثت في مصر فعلا لكن قبل الثورة واحدة ولكن الأهم وما سعى إليه وحيد حامد هو طرح السؤال: الا تتساوى خطورة وصول وزير بالمصادفة إلى المنصب، مع خطورة وصول وزير غير مؤهل إليه؟ أعتقد أن الوزير غير المؤهل أشد خطورة وهذه هي القضية، أن نضع معايير محددة وإجراءات صارمة لا نحيد عنها أبداً في عملية اختيار وزرائنا وقياداتنا، لابد أن يصل من هو مؤهل علمياً وأخلاقياً إلى هذا المنصب، لأنه يتحكم في مصالح الناس، ومصائرهم، فالقضية هي أن خطورة وزير بالصدفة تتساوى مع كارثة اختيار وزير فاشل. ـ تتعامل في هذا الفيلم للمرة الأولى مع النجم أحمد زكي وعرفنا أنه كانت هناك خلافات ومشادات دائمة بينكما! فهل ترى أنك نجحت كمخرج في استغلال أفضل إمكانات أحمد زكي؟ ـ أعتقد ذلك، وهذا كان هو الرهان الذي استمر لمدة 93 يوما لم نتوقف خلالها ولفترات تصوير كانت تصل إلى 14 ساعة يوميا. صحيح كانت هناك مشادات ومناقشات كثيرة كما قلت لكنها كلها كانت في صالح العمل، ومكنتني من الوصول مع أحمد زكي إلى أقصى قدر من «الكيمياء» والتفاهم، التي خلقت بيننا «لغة مشتركة» وجعلت كلا منا مُلهما للآخر، وهو ما انعكس على الفيلم ككل، واسمحي لي بأن أؤكد على أن أحمد زكي كان في أفضل حالاته في فيلم معالي الوزير، فأنا أنحاز للتفاصيل المميزة للشخصية الدرامية، ومدى «الصدق» فيها، وهذا يتوقف على مدى حرفية الممثل، وطبعا حرفية أحمد زكي وموهبته أمر لا جدال ولا نقاش فيه. ـ وماذا عن يسرا التي لم يتجاوز دورها في الفيلم دقائق معدودة؟ ـ إن يسرا تعتبر من أكثر الفنانات مصداقية للشخصية الفنية، ففي فيلم «المولد» ظهرت بالشعر الأشعث والملابس المهلهلة، وفي فيلم «عيش الغراب» كانت تقدم شخصية سفيرة مصر في الأمم المتحدة، وهذه المصداقية قدمتها ببراعة في مشهد مؤثر وقوي في «معالي الوزير»، وهي ممثلة تفوق الوصف تلتزم بتفاصيل الشخصية الدرامية، وتتمكن من تقديمها بمنتهى الصدق، وتجبر المشاهدين على تصديقها. ـ مرة أخرى نعود إلى الصيغة التي استطعت بها أن تشد الجمهور إلى أفلام، رغم أنك لا تقدم أفلام النكات التي تتسيد الوضع السينمائي الآن، ما زلنا في حاجة إلى تفسير، فهل لديك؟ ـ أنا لا أرى الأمر ملغزا إلى هذه الدرجة، فكل ما أفعله هو محاولة لتصحيح اتجاه يحاول فرض سيطرة نوع واحد فقط هو سينما «الإفيهات» و«الكراكترات» و«أصحاب العاهات» على السينما وهي رؤية أشترك فيها مع الكاتب «وحيد حامد»، الذي التقيت معه في أفلام وأعمال تطرح وجهة نظر، مثل أفلام «سوق المتعة» و«ديل السمكة» و«معالي الوزير» وبينها مسلسل «أوان الورد».. وحاليا نستعد معا لعمل تليفزيوني كبير. هذا هو كل ما في الموضوع، أما مسألة الجمهور فإننا واثقون دائما من أنه يمتلك الذائقة الجيدة، ويقبل على الفن الجيد الذي يناقش مشاكله وقضاياه لكن من دون أن يكون هناك تقعر في الطرح. ـ وما رأيك فيمن يروجون لمقولات من نوع أن السينما فن صورة، ويبررون بذلك ضعف المضمون الذي تطرحه بعض الأفلام؟ ـ إن ظاهرة السينما ذات الصورة الجيدة والمضمون الضعيف لا مجال لها عند السينمائي الواعي وإنما عند السينمائي الهاوي الذي لا يعرف كيف يستخدم الإمكانيات المتاحة له بصورة جيدة. فتراه يريد أن يفعل كل شيء ولا يهمه المضمون فتخرج الصورة جيدة والمضمون لا شيء، ولو انه استغل كل ما هو متاح له في مكانه المناسب لاختلف الأمر، لكن نحن في حاجة إلى مزيد من الوقت حتى يتم الوقوف على هذه المعادلة، ومن يفعلها الآن هم صفوة السينمائيين. ـ معالي الوزير هو استمرار لحالة الانسجام المثيرة للإعجاب بينك وبين السيناريست المبدع وحيد حامد ومعروف عن وحيد أنه لا يقبل مطلقا أن يتدخل أي مخرج في عمل كتبه سواء بالحذف أم بالإضافة، الأمر الذي يجعلني أسألك: إلى أي درجة تلتزم بالسيناريو الذي تقوم بإخراجه؟ ـ أنا لست من هواة التدخل في عمل كتاب السيناريو الذين أتعامل معهم، لكن يكون لي وجهة نظر أطرحها عليهم ونتناقش بشأنها، ودائما نصل إلى نقطة اتفاق، وبعد ذلك فإنني ألتزم بما اتفقنا عليه مهما كانت صعوبة تنفيذه، كأن يكون هناك ممثلون يرتبكون، أو لا يستطيعون يحفظوا بشكل جيد، فهؤلاء استخدم معهم أسلوب «التقطيع» أو تقسيم الجمل حتى أحصل على أفضل أداء، وحتى ألتزم بالحوار الذي كتبه السيناريست أو اتفقنا عليه، ودائما تكون الأمور داخل البلاتوه فيها جدل وتوافق بين ما أريده، وما يريده السيناريست وبين كفاءات ومهارات الممثلين الذين أتعامل معهم، وأعتقد أنني نجحت في معظم الأعمال التي قدمتها سواء في السينما أو في التليفزيون. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: