الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 نتواصل اليوم مع كتاب نجوم السينما لمؤلفه كمال رمزي ونتوقف قليلا مع بعض المحطات في حياة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ باعتباره احد المساهمين بقوة في ابراز الفيلم الغنائي بصورة ممتعة ترضي الذائقة الفنية عن قطاع كبير من الجماهير. جاء عبدالحليم من قلب الريف.. من قرية «الحلوات» التي لم يكتب اسمها واضحا على الخرائط.. مجرد قرية من آلاف القرى.. ومثل الملايين من اطفال الفلاحين، بحياتهم الضنينة بالسعادة، اختلس بعض لحظات البهجة باللعب في الترعة الملوثة بالبلهارسيا.. ولاحقا.. سيدفع من صحته فاتورة تلك اللحظات الجميلة.. المختلسة. وفي بداية الخمسينيات، خطا عبدالحليم خطواته الأولى في عالم الفن.. كان نموذجا كلاسيكيا للفتى القادم من الريف. في عينيه خجل ما، قد يصل الى حد الانكسار، نحيف، حالم، صوته في الحديث منخفض يقترب من الهمس، كما لو كان يريد ان يقنعك بصدقه، ويتحاشى أن يكون مزعجا، أو أن يفرض نفسه على الآخرين.. ويرتدي غالبا، قميصا أبيض اللون وبنطلونا عاديا. وقبل ان تظهر صورته على الشاشة، في فيلمي «لحن الوفاء» لابراهيم عمارة «وأيامنا الحلوة» لحلمي حلمي 1955، كان قد أثبت جدارته في الغناء.. وأغنيات مثل «صافيني مرة» و«يا حلو يا أسمر» و«يا مواعدني بكرة» و«سلامات» عرفت طريقها من ميكروفون الاذاعة الى آذان وقلوب المستمعين، واصبح اسلوبه المميز، معروفا ومحبوبا من قبل الجمهور. دخل عبدالحليم عالم السينما من باب الغناء.. وفي معظم افلامه سيقوم بدور المغني الذي يشق طريقه، بدأب وصبر وايمان، ليقدم فنه للناس. وعلى الرغم من انه لم يتعلم التمثيل، الا انه لجأ الى صدق الاداء، فهو، منذ فيلميه الأولين، يتحرك امام الكاميرا ببساطة، ويتكلم، بلا مغالاة او افتعال، وبالتالي حقق الشروط المبدئية التي يتطلبها فن التمثيل.. اضف الى هذا أنه يتمتع بموهبة الحضور، تلك السمة «الغامضة» التي تجعل المتفرج متجاوبا، ومتعاطفا، مع هذا الوجه او ذاك.. ان عبدالحليم، بحضوره الاليف، يترك شعورا بأنك تعرفه تماما، كما لو كان أحد اقاربك او اصدقائك.. انه ليس «نجما فوق العادة» تعجب به وتنظر اليه منبهرا، مشدوها، ولكنه انسان عادي، مثلك ومثلي، على باب الله، تفهمه ويفهمك، ويمكنك ان تصاحبه ويصاحبك، وان تكشف له عن مشاعرك كما يعترف لك بأحاسيسه. واذا كان «لحن الوفاء» يقدم عبدالحليم الذي يخفق قلبه بحب زميلته في «كورس» الفرقة التي يشرف عليها عمه حسين رياض، صاحب الايادي البيضاء عليه، ويضطر ـ عبدالحليم ـ ان يتخلى عن حبه، من أجل عمه، الذي يحب الفتاة ذاتها فان «الوفاء»، يتخذ معنى أعمق وأكثر رحابة، في فيلمه الانساني المرهف «ايامنا الحلوة». اجتمعت في «ايامنا الحلوة» معظم اسباب النجاح.. فطاقم الممثلين يضم فاتن حمامة وعمر الشريف وأحمد رمزي وسراج منير وزهرة العلا وزينات صدقي.. وتروي القصة من خلال سيناريو علي الزرقاني، الممتلئ باللمسات الآسرة، حكاية رقيقة عن فتاة يتيمة، فاتن حمامة، تشق طريقها، بجلاء في الحياة.. وتسكن حجرة بالسطوح الى جانب ثلاثة طلبة.. ومع الأيام، وعلى الرغم من تعليقات أهل الحارة الجارحة، الا ان العلاقة بينها وبين الشباب، تزداد صدقا وعمقا. لم ينته عام 1955 الا وقد مثل عبدالحليم فيلمين آخرين «ليالي الحب» الذي اخرجه حلمي رفلة عن سيناريو لعلي الزرقاني.. و«أيام وليال» لبركات الذي كتب السيناريو ايضا.. وبهذا يكون عبدالحليم هو المغني والممثل الوحيد، الذي بدأ حياته على الشاشة بأربعة افلام في عام واحد. في عام 1956 مثل عبدالحليم فيلمي «موعد غرام» لبركات، ثم «دليلة» لمحمد كريم.. واذا كان الفيلم الاول قد حقق الكثير من النجاح بفضل روح بركات الرومانسية، فان الفيلم الثاني ـ وهو اول فيلم مصري صور بطريقة السكوب وبالالوان ـ تعرض لفشل جماهيري ونقدي.. فمن الناحية الجماهيرية عرض الفيلم في 15 اكتوبر وبعد اسبوعين بدأ العدوان الثلاثي على مصر حيث تأثرت ايرادات جميع دور السينما نظرا لعدم تهيؤ الجمهور، المشارك والمتابع للمعارك، لمشاهدة الافلام. وفي عام 1957 قدم عبدالحليم ثلاثة افلام هي «بنات اليوم» لبركات و«الوسادة الخالية» لصلاح ابو سيف، و«فتى احلامي» لحلمي رفلة.ويبرز «الوسادة الخالية» من بين الافلام الثلاثة، ذلك ان صلاح ابو سيف المتمكن تماما من لغته السينمائية والذي يدرك بعمق امكانية كل ممثل من الممثلين الذين يعملون معه.واذا كان صلاح ابو سيف قد منح عبدالحليم فيلما مؤثرا، فان عز الدين ذو الفقار، حقق له فيلما جميلا عندما أخرج له «شارع الحب» 1958. وتوالت أفلام عبدالحليم.. ظلال من عنائه مع المرض التي تظهر في «حكاية حب» لحلمي حليم 1959، وتجعل الجمهور اكثر شغفا لمشاهدة الفيلم.. ويقدم عام 1961 بنجاح «الخطايا» لحسن الامام، صاحب الاتجاه الميلودرامي.. وبعد ان قام ببطولة «معبودة الجماهير» الذي اخرجه حلمي حليم 1967، قدم آخر افلامه «ابي فوق الشجرة» لحسين كمال 1969. واخيرا فان عبدالحليم، بنقائه، وصدقه، وقدرته على العطاء في أفلامه، فضلا عن استعداده الدائم للتضحية، خاطب جوانب طيبة في وجدان الجمهور.. وهو، بحياته القصيرة، وعمله الجاد الدؤوب، ومتاعبه مع المرض، لمس شغاف القلوب.. وهو، بأغنياته التي عايش فيها آمال الوطن، اصبح جزءا من الماضي الجميل.. لا يزال طيفه الحالم الرقيق يحوم حولنا.