السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 نواصل تاريخ السينما العالمية للكاتب ديفيد ربنسون حيث توقفنا عند فيلم بورتر ومونتاجه، حيث استطاع عن طريق تصوير مشاهد عشوائية لحرائق ورجال اطفاء بالإضافة إلى بعض مشاهد من عنده ان يبني فيلما درامياً. إن الأحداث التي تشكل ذروة «حياة رجل إطفاء أميركي» تعالج في ثلاث مراحل. ثمة مشكلة درامية تقدم في اللقطة الأولى ولا تحل حتى نهاية الثالثة. الحدث يستمر من لقطة إلى لقطة ويتخلق معه إيحاء بتطور متصل. وبدلا من تقسيم الحدث إلى ثلاثة اقسام مستقلة تربطها عناوين مكتوبة ـ مثلما قد يفعل ميلييه في مثل هذا الموقف ـ قام بورتر، ببساطة، بربط اللقطات ببعضها. ونتيجة لذلك يشعر المتفرج أنه يشاهد حدثا واحداً متصلاً. ببناء فيلمه بهذا الشكل استطاع بورتر أن يقدم حدثا واحدا طويلاً ومركبا، دون الالتجاء الى اسلوب التسلسل المتشنج الذي يقدم الحدث نقطة فنقطة في أفلام ميلييه. غير ان المكسب الذي حصلت عليه السينما من هذه الطريقة الجديدة كان أكثر من المزيد من السلاسة في بناء الفيلم. فهي طريقة تعطي المخرج حرية بلا حدود تقريبا في الحركة طالما بمقدوره تقسيم الحدث إلى وحدات صغيرة طيعة. لقد مزج بورتر في ذروة «حياة رجل إطفاء أميركي» بين الأسلوبين المعروفين حتى ذلك الوقت في صناعة الفيلم، حيث ربط لقطة حقيقية بلقطة تمثيلية من الأستوديو دون قطع واحد في خيط الأحداث. ميزة اخرى، اساسية بالقدر نفسه، في طريقة بورتر في التركيب هي أنها تمكن المخرج من نقل إحساس بالزمن إلى المتفرج.. إن عملا يستغرق وقتا طويلا يمكن أن يضغط في حدود الحيز الزمني لبكرة واحدة دون قطع واضح في تدفق السرد، حيث يتم انتقاء الاجزاء المهمة منه والدالة فحسب وربطها على نحو يعطي إحساسا باستمرارية الأحداث وتناميها بشكل منطقي ومقبول. إن بورتر عند نقطة معينة في حركة الأحداث يقطع، للتأكيد، على لقطة قريبة لجرس إنذار الحريق وهو يدق. لقد اكتشف هذا الفيلم، بشكل لا يخلو من المفاجأة، طريقة جديدة لحكي القصة ثم يعود بورتر في فيلم «سرقة القطار الكبرى» ويستخدم اسلوبه في التركيب بمزيد من الحرية والحنكة، مقدما فكرة الحدث المتوازي والمتداخل. ففي أحد المشاهد نرى قطاع الطريق وهم يهرعون إلى تنفيذ الجريمة، وفي المشهد التالي نرى عامل البرق الذي تركته العصابة مقيدا مكمما وابنته الصغيرة تنقذه وتفك وثاقه، ثم المشهد التالي قاعة رقص يندفع إليها عامل البرق المنهك ويعلن عن جريمة السرقة التي، وشيكا، ستقطع. إن الفيلم بمقاييسنا الآن ساذج الى حد كبير، غير ان الحماس الذي استقبله به المتفرجون في العالم أجمع يشير إلى اي مدى كانت اكتشافات بورتر السينمائية خطيرة في وقتها. لقد ادرك المتفرجون ان الفيلم اثارهم وحركهم أكثر من أي شيء شاهدوه على الشاشة من قبل، وربما ادركت قلة منهم ان طاقة الفيلم الانفعالية والدرامية هي وليدة طريقة بورتر في وصل اللقطات والصور وليست وليدة محتوى هذه اللقطات كل على حدة. ومن الواضح أن صناع الأفلام قد قاموا بدراسة وتحليل اكتشاف بورتر، فرغم بقاء أفلام اللوحات التمثيلية واستمرارها لسنوات عديدة بعد هذا الاكتشاف إلا أن اسلوب بورتر في التركيب اصبح أسلوباً شائعا. وقبيل 1905 قام المخرج الانجليزي سيسيل هيبويرث (1874 ـ 1959) بتنفيذ أكثر أشكال التركيب السينمائي تعقيدا وسلاسة في «أنقذه روفر»، وهو فيلم مطاردة عن كلب شجاع ينقذ طفلا اختطفته غجرية شريرة. كان على السينما في نهاية المطاف ان تكتشف أنها فن، ولكم كان هذا الوسيط الفني الجديد محظوظا إذ أنجب بسرعة شديدة، عقب اسابيع قلائل فقط من عرض الاخوين لوميير، او فنانيه الكبار. إن أفلام جورج ميلييه هي اقدم الافلام التي لاتزال تحتفظ بقيمتها الفنية إلى اليوم. فأعماله التي قدمها في مطلع القرن كانت لاتزال تعرض تجاريا بدور السينما الباريسية في السبعينيات. هذه القدرة على البقاء والاستمرار تصبح أكثر أهمية وإثارة للملاحظة حين ترى على ضوء ان ميلييه كان يعتبر بين معاصريه رجعيا إلى حد ما (وهذا اكدته اكثر مسيرته الفنية لاحقا).