السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 صعود كتاب السيناريو الشبان، وشباب المخرجين إلى سطح المشهد السينمائي، أمر مبشر حين تظهر رؤى جديدة، وسينما مختلفة. لكن الأمر يختلف بالتأكيد حين نرى الوضع يسير من سيئ إلى أسوأ، وحين نرى مبدعين واعدين لهم تجاربهم المبشرة في الأفلام الروائية القصيرة أو في السينما التسجيلية، وقد قدموا أعمالا أقل ما توصف به أنها دون المستوى بكثير. في حوار مع الدكتور محمد كامل القليوبي وهو الأستاذ بمعهد السينما والمخرج المعروف أكد أن الوضع السينمائي الحالي تسبب في احداث حالة من الموات الابداعي للسينمائيين الحقيقيين، خاصة الشباب منهم، ولم يترك القليوبي كلامه مرسلا بل دلل على صحته بمثالين أولهما لطالبة كانت في قسم السيناريو قدمت في مشروع تخرجها سيناريو في منتهى الروعة ولما ذهبت إلى مخرج معروف جعلها تنقل له فيلما أجنبيا بدلا من مشروعها! أما المثال الثاني، فكان لشاب قدم في مشروع تخرجه عملا على الدرجة نفسها من الجودة ثم قدم فيلما تجاريا من الدرجة العاشرة وتوالت أعماله الهابطة! هل بتقديم التنازلات فقط، وبالخضوع لشروط السوق يستطيع كاتب السيناريو الشاب أو المخرج الذي يخوض التجربة الأولى له أن يحقق حلمه؟! المخرج أحمد عواض الذي تخرج في معهد السينما قسم إخراج عام 1992 ويعمل كمعيد في معهد السينما،وصاحب العدد الكبير من التجارب التسجيلية والروائية الطويلة، عمل مساعدا لعدد كبير جدا من المخرجين طوال أكثر من عشر سنوات، وخلال تلك الفترة ظل يبحث عن فرصة حتى رأينا مؤخرا اسمه على أفيشات فيلم «كذلك في الزمالك» الذي نستطيع أن نصنفه مع الرأفة بأنه فيلم متواضع فنيا! عواض أكد أن كل شيء يأتي في أوانه وطالما أنها البداية فلا بد أن تأتي متأنية وكونها جاءت بعد تأخر دام عشر سنوات فهذا شئ غير مستغرب في ظل الظروف التي تعاني منها السينما المصرية بل أرى أني محظوظ بالنسبة للكثيرين من أبناء جيلي ومن سبقهم. أما فيما يخص التنازلات فلا يعتقد عواض أنه قدم أية تنازلات، وقال: لا يجوز أن أنتظر عشر سنوات ثم أبدأ حياتي السينمائية بتقديم تنازلات على حساب اسم على وشك التكون. فالتأخر يكون مفيد أحيانا لصالح نضج التجربة وجمالها.. مشكلة كتاب السيناريو والمخرجين الجدد أعقد بكثير من مشكلة الممثلين، فالممثل يكفيه الظهور في دور متميز ليحصل على شهادة النجومية، لكن المخرج وكاتب السيناريو، يحتاج إلى منتج فاهم ومغامر في الوقت نفسه، كما يحتاج إلى مناخ عام صحي وعلى قدر من الذائقة الفنية ليظهر أولا ويحصل على الفرصة كي يعمل، وبعد ذلك كي يتمكن من الاستمرار من دون تقديم تنازلات. وقد يكون خير مثال على ذلك النجمة الشابة نهى العمروسي التي فاجأت الجميع بكتابتها لسيناريو فيلم شمهورش أو «سحر العيون» الذي تم عرضه الصيف الماضي. نهى في الأساس تخرجت في معهد السينما قسم السيناريو سنة 1992 أما قصتها مع التمثيل فكانت الصدفة وحدها هي بطلتها إذ رآها المخرج يوسف شاهين ورشحها لدور صغير في فيلمه «حدوتة مصرية» لتتوالى بعد ذلك أعمالها. وفي حين نجحت نهى كممثلة، إلا أنها طوال السنوات العشر الماضية لم تنجح في الحصول على فرصة ككاتبة سيناريو رغم أنها لم تتوقف عن الكتابة وعن عرض ما تكتبه على المنتجين، إلى أن استطاعت أن تقنع المنتجة مي مسحال بإنتاج فيلم «سحر العيون» الذي لم يكن أفضل ما كتبته بقدر ما كان الأكثر ملاءمة لمتطلبات السوق! ونأتي إلى صاحب القدر الأكبر من غضب النقاد طيلة العام الماضي، إلى المخرج وائل إحسان، الذي كانت أولى قصائده هي فيلم «اللمبي»! هل يصدق أحد أن وائل له العديد من الأفلام الروائية القصيرة شديدة التميز، بل وأنه حصل على جوائز دولية عن بعضها؟ ربما لن يصدق الكثيرون ذلك، وربما لا يصدقون أيضا أن وائل تخرج في معهد السينما قسم الإخراج عام 1990. إخراج وائل لـ «اللمبي» جاء إذن بعد 12 عاما من تخرجه، لذلك فله مطلق الحق حين يؤكد أن ظروف جيله كانت سيئة. وإذا كانت الفرصة جاءت لوائل بالصدفة البحتة حين رشحه صديقه محمد سعد الذي كان في هذا الوقت ينتظر فرصة هو الآخر لإخراج الفيلم. ولأن اعتماد المنتج كان بالأساس على شخصية «اللمبي» التي حققت جماهيرية كبيرة في فيلم الناظر فإن اسم المخرج لم يكن يعني المنتج في شيء! وهكذا أتيحت الفرصة لوائل إحسان ليثبت أنه يستطيع تقديم الطبخة بنفس مواصفات السوق، ولما حقق الفيلم نجاحا تجاريا كبيرا أصبح وائل مطلوبا، لكن الساحة السينمائية فقدت مخرجا كان من الممكن له أن يقدم رؤيا مختلفة لو أتيحت له الظروف المناسبة! ورغم أن المخرج هاني خليفة يؤكد أنه لم يواجه مشكلات في تجربته الأولى، موضحا أن المنتجين كانوا على ثقة كبيرة به بعد أن عمل مساعدا في عدد كبير من الأفلام، إلا أنه يوضح في الوقت نفسه أنه بعد نجاح التجربة الأولى تتولد ثقة المنتجين في المخرج فيزداد الطلب عليه أما إذا فشلت فلا بد أن هذا المخرج سيظل جالسا في بيته إلى الأبد. هاني خليفة تخرج في معهد السينما قسم إخراج سنة 1993 ولما كنا لم نر بعد أول أفلامه «سهر الليالي» الذي يقوم ببطولته كل من منى زكي وحنان ترك وماجد المصري وخالد أبو النجا وغيرهم، إلا أنه يكفي أن نقول أنه تعرض لكثير من المشكلات ولكن هاني تمكن من تجاوزها، وهو ما قد ينم عن مستوى معقول للفيلم! تلك كانت هي المشكلة، لكن كيف يراها سيناريست كبير بحجم «عبد الحي أديب». أديب قال: هناك نوعية من الأفلام لا تطرح موضوعا بقدر ما تجعل المشاهد يعيش في حالة معينة وليس موضوعا قائما بذاته.. فإذا كانت رومانسية تجعل المشاهد يعيش في جو رومانسي أو كانت من نوعية أفلام الرعب تجعل المشاهد يعيش في جو الرعب. وهو نوعية من الأفلام تقدمها السينما الأمريكية مثلا وتجد سوقا رائجة لها.. والسينمائيون الذين يقدمونها في مصر يلجأون إليها من باب التقليد لأننا اعتدنا في حالة نجاح سينمائي في شكل معين أن يقلدها الآخرون بلا وعي غالبا فتكون النتيجة أن تدور الأفلام كلها في إطار مماثل.. والأزمة الحقيقية تكمن في هذا التقليد للسينما الأمريكية. واعتقد أنها مجرد موجة سينمائية وسوف تختفي مع نوعية جديدة تظهر بعدها ولما كان هذا النمط ـ يضيف عبد الحي أديب ـ هو الرائج سينمائيا، ولما كان الكتاب والمخرجون المتحققون سيرفضون أن يغامروا بأسمائهم وتاريخهم وبقدموا تنازلات من أي نوع، فإن المنتجين يلجأون لصغار الكتاب ولمن يكتبون أولى تجاربهم، وكذلك الوضع بالنسبة للمخرجين الجدد الذين لا يستطيعون الرفض، أو تكون تلك الفرصة الوحيدة المتاحة أمامهم للظهور. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: