الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 تنتشر بين اهالي بلدة آرالسك الكازاخستانية نكتة متداولة مفادها أنه: «لو أن كل شخص من الذين يأتون الى هنا لدراسة بحر الآرال جلب معه دلو ماء، لكان البحر قد امتلأ الآن». سكان البلدة ليس لديهم عموماً الكثير من الاشياء التي تثير الهزل، لكنهم قد يكونون على حق في تداول هذه الدعابة التي تلامس جرحاً عميقاً في موطنهم، فمنذ ان بدأ بحر الآرال بالجفاف في الستينيات، ودعت أرالسك شاطئها وميناءها وصناعة اسماكها، مع تدفق سيل لا ينقطع من العلماء الاجانب الذين يأتون ليهرشوا رؤوسهم ويفكروا ملياً في واحدة من أكبر الكوارث التي صنعها الإنسان في العالم. لكن لم يكن هناك أي نقص في الافكار او التعاطف، لكن حتى الآن لم يستطع أحد تدبر أمر إعادة البحار الى ماضيه الوفير. والآن بعد مرور قرابة أربعة عقود من الزمن في الصحراء، بزغ للنور أخيراً شيء ربما تنفرج له اسارير اهالي آرالسك. ففي الشهر الماضي، بدأ فريق دولي من المهندسين بالعمل على مشروع هندسي طموح لكنه مثير للجدل بتمويل من البنك الدولي، الذي يطمح الى ايجاد حل جذري ودائم لمشكلة بحر الآرال. حتى عقد الستينيات، كان بحر الآرال رابع أكبر بحيرة في العالم، في تلك الأيام كان يغطي مساحة تماثل ايرلندا. كان يغذي صناعة صيد اسماك مزدهرة، وكانت الارضية الرطبة تدعم تنوعاً هائلا في الحياة البرية، يتضمن العديد من الاصناف الفريدة التي لا توجد في اي مكان آخر في العالم. يعتبر هطول الامطار في هذا الجزء من اسيا الوسطى خفيفاً نسبيا، لذلك فإن بقاء وازدهار بحر الآرال كان مرتبطاً بنهرين رافدين: أموداريا ـ الذي يعني النهر الأم ـ في الجنوب وسيرداريا ـ النهر الأب ـ في الشمال. قبل الخمسينيات كانت البحيرة تدار من قبل دولتها الجغرافية الطبيعية، وتستمد مياه النهرين بقنوات محدودة لري زراعة متدنية المستوى. لكن هذا الوضع تغير عندما اصدر الزعماء الشيوعيون في موسكو اوامرهم بزراعة محصول واحد هو القطن على مساحة 70 الف كيلو متر مربع على الدلتا ـ وهي منطقة تقاسمها كل من كازاخستان، اوزبكستان، وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمنستان. ومعروف ان نبات القطن شديد الامتصاص للماء،ولذلك كانت الطريقة الوحيدة لتوفير ما يكفي من الماء لري المحاصيل وبحلول عام 1988، كانت المنطقة باسرها تتخللها شبكة بطول 700 الف كيلو متر من اقنية الري التي تأخذ المياه المتجهة الى بحر الآرال وتصبها مع جرعات قوية من مبيدات الحشرات في حقول القطن. لكن اقنية الري ومساراتها كانت رديئة التصميم. وعلى سبيل المثال فإن المياه المحولة الى قناة كراكوم التي يبلغ طولها 1370 كيلو متراً ينتهي بها المطاف الى بحر قزوين وليس الى بحر الآرال. وكانت الاقنية نفسها متصدعة ومفتوحة مما سمح بتسرب وتبخر كميات كبيرة من الماء. ولم يكن مفاجئاً ان بحر الآرال بدأ بالانكماش لينقسم في نهاية المطاف الى جزءين: الآرال الجنوبي مقاسمة بين اوزبكستان وكازاخستان والآرال الشمالي في كازاخستان. مع تراجع المياه لمسافة تصل الى 75 كيلو مترا في بعض الاماكن، خلفت وراءها ارضا قاحلة مالحة محشوة بالمبيدات الحشرية القاتلة التي جلبها النهران. المناخ اصبح قاسيا للغاية، بشتائه المتجمد وصيفه اللاذع، وعواصفه الجافة الضارية التي تنشر الغبار السمي في انحاء الدلتا. واليوم يعتبر معدل وفيات الأطفال الرضع في المنطقة من بين اعلى المعدلات في العالم، تشيع امراض الرئة والسرطان فضلا عن وبائي السل والتفوئيد اللذين تفشيا على نطاق واسع بين السكان. كما ان الانخفاض في مستوى البحر اثر ايضا على الحياة البرية المحلية. فمع الجفاف التدريجي للأراضي الرطبة، تركت الاسماك والطيور بدون مأوى او ملاذ. وفي غضون ذلك تسبب ارتفاع نسبة ملوحة المياه في إبادة العديد في اصناف العديد من اصناف الاسماك التي لم تكن توجد سوى في بحر الآرال، وهو ما ادى الى تدمير نظام ايكولوجي فريد ومع اقتصاد المنطقة. فقوارب صيد بلدة ارالسك تقبع الآن كالاشباح في صحراء كانت في يوم من الايام ميناء يعج بالنشاط والحيوية. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي، ورثت منه كل من كازاخستان واوزبكستان كارثة بيئية وانسانية، لكنهما لا تملكان المال اللازم للتعامل مع هذه الكارثة. وبحلول مطلع التسعينيات كان التفكير الجماعي المسهب في المشكلة قد افضى إلى نتيجتين. اولا، ان نهر افوداريا يجلب قدراً قليلا جدا من المياه لدرجة انه بحر الآرال الجنوبي على الرجح سوف يواصل انكماشه ويجف كلياً في نهاية المطاف. ثانيا انه بالامكان انقاذ الآرال الشمالي، لكن فقط بتوفر استثمارات ضخمة وجهد دولي مشترك على مستوى المسئولية. وبلغت الامور الذروة، عندما اخذ عمدة ارالسك الامر على عاتقه وأمر بتكديس كوم هائل من الرمال على عرض المضيق الذي لايزال يصل بحر الآرال الشمالي بالجنوبي. فان الهدف من ذلك منع المياه الثمينة الآتية من نهر سيرداريا في التسرب الى الارال الجنوبي، حيث سيكون مصيرها الضياع. وبرغم ان السد انجرف واعيد بناؤه مرات عديدة قبل ان يتم التخلي عنه في عام 1999، إلا انه اثبت ان بمقدور سد جيد زيادة منسوب المياه في بحر الآرال الشمالي وخفض مستوى الملوحة وايجاد مربي اسماك مستديم. واستحوذ ذلك على استحسان واهتمام البنك الدولي الذي وافق في يونيو 2001 على قرض بقيمة 64 مليون دولار لبناء سد أكثر ديمومة مع منظومة كاملة من الحواجز الاصطناعية للتحكم بتدفق المياه على طول نهر سيرداريا. ودفعت حكومة كازاخستان 21 مليون دولار بقية تكلفة استكمال المشروع. منح العقد للمستشارين موت مكدونالد المستقر في لندن وتيملسو، في تركيا، وبدأ العمل على المشروع في شهر ابريل الماضي. وتتلخص الفكرة العامة في جعل نهر سيرداريا يلبي مختلف احتياجات الناس، وترك ما يكفي من المياه لإعادة ملء بحر الآرال الشمالي. لكن هذه ليست بالمهمة اليسيرة. فعرض النهر يصل الى 150 متراً في بعض الاماكن والحواجز الاصطناعية يجب ان تكون هائلة ـ والسد الذي يفصل بحر الآرال الشمالي عن الجنوبي سيبلغ طوله 127 كيلو متراً. وسينحصر جزء كبير من المشروع في اصلاح وترميم بُنى موجودة اصلاً. فعلى مدار الثلاثين سنة الماضية ادى خفض ميزانيات وكالات موارد المياه الوطنية الى تدهور اوضاع سد شاردارا وكل الخزانات الأخرى على طول نهر سيرداريا. وسيتولى المشروع ترميم وتقوية وإذا لزم الأمر إعادة بناء جميع هذه البنى التحتية. والجزء الوحيد في المشروع الذي سيتم بناؤه من نقطة الصفر هو الحاجز الهائل الذي سيفصل بحر الآرال الشمالي عن شقيقه المتضائل بشكل دائم، وسيعيده إلى مجده السابق. ويعتقد مايك هاي، مدير المشروع المكلف من قبل مكدونالد، انه سيكون بالامكان موازنة مستويات المياه في الآرال الشمالي ما بين 39 و42 متراً في غضون عشرة اعوام، أي أعلى بعشرة امتار مما هي عليه الآن. ويقول تريفور تانتون، وهو باحث في جامعة ساوثمبتون البريطانية قام بتمثيل معرض بحر الآرال حاسوبيا ان هذا الهدف واقعي. لكن الحاجز الضخم والسدود والخزانات ليست سوى جزاء صغير من برنامج من الاعمال الجارية في انحاء حوض بحر الآرال بمشاركة منظمات من مختلف انحاء العالم، على غرار الجمعية الدنماركية للحياة البحرية والتي تتعاون مع منظمة محلية لتوفير التدريب والمواد اللازمة لاصطياد السمك المفلطح في الآرال الشمالي، وهذا النوع من السمك جلب إلى الآرال في عام 1979 لقدرته على التكيف مع مستويات الملوحة العالية. ويأمل القائمون على هذا المشروع بايجاد مربى مائي قابل للحياة عندما يرتفع منسوب البحر. ثمة مشروع آخر تعمل عليه وكاله إدارة الموارد الطبيعية يهدف الى تدريب الحكومات المحلية على استخدام احدث البرمجيات لمراقبة كيفية استخدام المياه. وهناك فرق اخرى تعمل على تحسين اساليب ري القطن في انحاء المنطقة، رغم ان بعض الخبراء يقولون ان الحل الجذري الوحيد لمشكلة المياه في المنطقة هو الاستعاضة عن القطن بمحاصيل اخرى اقل استهلاكاً لمياه الري. وفي ظل اجواء التفاؤل والجدل والتشكيك المحيطة بالمشروع فإن الزمن وحده هو الذي سيظهر ما اذا كانت هذه المحاولة الجادة لانقاذ بحر الآرال سوف تنهي مشاكل المياه في المنطقة. وبالنسبة لأهالي ارالسك الذين انتظروا طويلا لفعل شيء على ارض الواقع، فإن ادنى توقع للعودة في يوم من الايام الى حياتهم الطبيعية حدث كبير يستحق الاحتفال والتهليل. علي محمد