الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 ـ فعلها كاظم الساهر وتزوج! الخبر كان مفاجئا، ولم تكن هناك مقدمات تشير بإمكانية حدوث ذلك! كان كعادته هادئا، وإلى حد ما كان فرحا بشفائه شبه الكلي من آلام الرقبة، وكان يتحدث عن تفاصيل بعض أغنياته القادمة، فيما يحاول أن يحيط البعض الآخر بشيء من الكتمان، وكنا نظن أن ما يخفيه خلف هدوئه عملا فنيا جديدا! لم يكن أحد يعرف ما ينوي عليه كاظم، فالجميع فوجئوا بالخبر، حتى الاصدقاء المقربين، لذلك أول سؤال طرحته عليه حين التقيته عن سبب هذا التكتم الشديد فأجاب: أردت أن أكون أنا وحدي صاحب القرار الأول والأخير، كما أردت أن أفاجئ الجميع بخبر الزواج، وهنا أحب أن أوضح شيئا مهما جدا أحرص عليه في حياتي الشخصية فأمي قالت لي نصيحة، تربيت عليها منذ صغري، قالت لي: «سرك أنا أمك لا تقلي إياه»، همك خليه لنفسك واحتفظ به وهم الآخرين خليه أكتر من همك وسر الآخرين خليه اكتر من سرك وحافظ عليه. أمهاتنا على طيبتهن لم يتعلموا ولم يدرسوا لكن عندهم كل الحكمة فعلا ومن أمي تعلمت انه إذا كان عندي هم فإنني اسجنه مع نفسي، وإذا أردت اتخاذ قرار مصيري أن أتخذه وحدي من دون أن أورط أحدا معي في المسئولية! ـ ولماذا لم تعلن الزواج، أو بصيغة أخرى هل هذا الهدوء يليق بزواج كاظم الساهر؟ ـ لا أخفي عليك أنني كنت أتمنى الاحتفال بزواجي بشكل أسطوري، لكن هل يجوز أن أفعل ذلك في ظل تلك الظروف التي تمر بها بلدي العراق الآن؟! ـ كيف أقيم حفلا واحتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية للعراق قائم؟ ـ ألا ترى معي أن جمهورك سيغضب منك حين يعلم أنك أخفيت عنه خبر زواجك؟ ـ أنا من أجل عيون جمهوري اجلس ساعات احضر أغنياتي وأحرق أعصابي، لكي أقدم له أعمالا تمتعه وأعتقد أنني قدمت له مجموعة قصائد ومجموعة أعمال اعتقد أن الموسيقيين يضعونها في مقارنة مع أعمال قديمة عظيمة وأعمال عالمية وهذا يسعدني. لقد قدمت حوالي «200» أغنية إلى الآن والفضل في ذلك أولا وأخيرا لجمهوري الذي كثيرا ما هّون عليّ الأزمات التي تعرضت لها وجعلني أقاوم، وشجعني أن أعمل أكثر، لكني لا احب أن تكون الأمور الشخصية في الصورة وأحب أن أتخذ القرارات الحياتية الخاصة في صمت. ـ حدثنا إذن عن زوجتك؟ ـ زوجتي كانت بطلة قصة حب منذ سنوات مضت، وهي نصفها أسباني «الأب» ونصفها الآخر عربي «الأم» وربما كان هذا سبباً إضافياً لتأجيل إعلاني نبأ الزواج خاصة في أجواء مشحونة بالتوتر الذي يسود المنطقة. ـ وماذا عن عش الزوجية؟ ـ أسسته في العاصمة الفرنسية باريس لكني للأسف لا أستطيع أن أقضي مع عروسي كل الوقت، نظرا لانشغالي وسفرياتي المتواصلة، لذلك أصبحت باريس هي محطتي الأساسية ونقطة انطلاقي في كل الأوقات التي لا أرتبط فيها بحفلات أو تسجيلات غنائية هنا وهناك. ـ ولماذا اخترت العاصمة الفرنسية لإقامتك مع زوجتك؟ ـ اولا لأنها تحب ذلك، وثانيا لأنني في عاصمة النور باريس امشي في الشوارع كثيرا، امشي يوميا ما يزيد على الست ساعات، فأنا أحب الشوارع البعيدة والخالية. ـ الشوارع الباريسية تخلو من الجمهور الذي سيلتف حولك إذا رآك تمشي في شوارع العواصم أو المدن العربية، أليس كذلك؟! نعم، وهذا ما أفتقده بالفعل، وهذا ما يجعلني احب أن أمشي في شوارع مصر ولبنان، فأنا أحب مشاكسات جمهوري، وحين أكون في القاهرة أخرج من بيتي وأذهب مثلا إلى أحد الفنادق الكبرى أو إلى النادي سيرا على قدمي ولا احب أن اركب سيارة وكم أكون سعيدا حين أستمع هذه الكلمات التي يسمعوني إياها في التاكسيات والأتوبيسات. ـكاظم، الحرب الاميركية على العراق باتت وشيكة، ونحن نعلم أن أسرتك تقيم بالعراق، فهل أنت مطمئن عليهم؟ ـ كيف أطمئن عليهم في وضع هكذا؟!.. أنا في منتهى القلق ولذلك أرسلت في طلب حضور والدتي من العراق لتعيش في شقتي بالقاهرة، وبهذا الشكل فقط أستطيع أن أكون مطمئنا عليها إذا بدأت الحرب الاميركية على العراق. ـ قلت أنك ستحضر والدتك لتقيم بالقاهرة، فماذا عن بقية أفراد الأسرة؟ ـ أنا أمام مأساة حقيقية، أو لنقل مأساة إغريقية فأفراد أسرتي يتجاوز عددهم الخمسين، وبهذا الشكل فأنا لا أملك نحوهم شيئا، وأسألك أنت: ماذا تفعلين لو كنت مكاني؟ ملحوظة: ينبغي أن نشير هنا الى أن «كاظم» رفض تماما - وبشكل قاطع - الحديث عن أية تفاصيل تتعلق بزوجته الأولى «ابنة عمه» وما اذا كان قد حدث انفصال بينهما.. أم لا، واكتفى بالقول إنه يرتبط بشدة بولديه، ولا يستطيع تصور ابتعادهما عنه لأي سبب. ـ ولما كان من الصعب إنهاء الحوار من دون أن نتحدث عن عمل فني جديد، قررت أن يكون السؤال الأخير عن آخر مشروعات «كاظم» وأهمها في رأينا المشروع الأوبرالي الضخم الذي علمنا أنه يعد له منذ فترة، سألناه عنه فقال: إن هذا المشروع حلم قديم يراودني منذ زمن بعيد والحمد لله ظهرت بشائر تحقيقه، فقد وقع اختياري علي أسطورة «جلجامش» لأقدمها وهي أسطورة عراقية قديمة واتفقت مع صديقي الشاعر كريم العراقي علي تحويلها إلى أوبرا وبدأ كتابتها بالفعل لكنه انشغل فاتصلت بالأستاذ عبد الرازق عبد الواحد وهو من الشعراء العراقيين المعروفين جدا، لكن المشروع مرّ مرة أخرى بحالة من السكون إلى أن عاد «كريم» وتحمس له من جديد وكتب بدايات رائعة جدا من فرط فرحتي بها فكرت أن أقدمها على شكل لوحات أولا بأول وحين ينتهي العمل ككل أقدمه كأوبرا كاملة، فما رأيك؟ كان من الطبيعي أن أبدي رأيي للمطرب شديد التميز، ولما كنت أعتقد أن هذا الرأي لا يعني القارئ في شيء فضلت عدم كتابته. القاهرة ـ «البيان»: