الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 كنت أتمنى أن أبدا الحوار معه من أحدث مسرحياته: مسرحية «في عز الضهر» التي يبدأ عرضها على المسرح القومي قريبا،لكني لم أكد أجلس أمام عميد الدراما العربية، حتى رأيته يطلق زفرة تنم عن ضيق شديد! في البداية ظننت أنه مستاء ـ كعادة المبدعين ـ من عدم استقبال المشاهدين لمسلسله الأخير أميرة في عابدين، بالشكل الذي يرضيه، ومن حملة الهجوم غير المبررة التي شنها البعض عليه، غير أنه أكد أن استقبال المشاهدين للمسلسل أرضاه جدا، وأن الهجوم الذي تعرض له لا علاقة له بالعمل من قريب أو بعيد بل تصفية لحسابات سياسية، الأمر الذي يجعله يستاء قليلا، ويشفق كثيرا على خصومه الذين خلطوا بين العام والخاص. وبهذا الشكل وجدتني أدخل للحوار من سؤال عن سبب ضيقه، ولو شئت الدقة لقلت اكتئابه، فلم ينتظر اكتمال السؤال وقال: أنا فعلا مكتئب، ولدي شعور بالزهق والقرف، وأعتقد أن ذلك شعور طبيعي في مثل هذا المناخ العام الذي نعيش فيه، فهناك أزمة اقتصادية وأزمة سياسية، والمؤسف أن هذه الأزمات أثرت على السلوك الفردي، وأصبح هناك نوع من الانهيار القيمي، فإذا أضفت إلى ذلك مشكلات العولمة والنفوذ الأميركي الظالم وغطرسة الإدارة الأميركية سواء في تعاملها مع العراق أو مع دول المنطقة بشكل عام واللعب في منابع النيل وعربدة شارون التي فاقت كل التصورات ومحاولة تقسيم السودان، وأزمة التعليم، فماذا بقي إذن لكي لا يصاب المرء بالاكتئاب والضيق؟! إن الحياة لم تعد كما هي، والناس تغيرت، والنفوس تلوثت. ـ أفهم أن يدفعك ذلك إلى محاولة تقويم تلك الأوضاع لا إلى الاستكانة والاكتئاب واليأس! ـ للأسف الشديد لعنة وقرف الحياة والحالة العبثية والشعور بأنه لا جدوى من أي شيء يدفعانك، إلى الاستهانة بكل شيء وجيلي شهد تحطم الآمال والأحلام، وإن كان لا ينبغي أن نعمم، ولكنك تعيش وكل نواحي الحياة لا تشجع على الحلم أو الحياة. ـ وأنت كمبدع، أليس لك دور؟ ـ كل ما أستطيع أن أقوم به مجرد محاولات طوباوية رومانسية في الفراغ الخارجي، ولكن استقراء التاريخ الذي يقول إن مراحل التردي والاضمحلال لها نهاية، تجعلنا نثق في غد قادم، تستقيم فيه الأوضاع. ـ أميرة في عابدين إذن كان محاولة للوصول إلى صيغة تحقق الأمنية؟ ـ ربما، فالمسلسل ـ ببساطة شديدة ـ يتحدث عن قدرة الإنسان على النهوض من كبواته وعثراته، مادام قد توافرت لديه العزيمة والإرادة، علما بأن جذور الإنسان هي التي تساعده على النهوض من كبواته، جذور الإنسان هي في حقيقة الأمر الوقود الذي ينتشله من دوامة الألم لشاطئ الأمل، صدقيني، فكلما كنت وثيقة الصلة بجذورك كان وقوعك صعبا إن لم يكن مستحيلا، والجذور هنا بمعنى إيمانك وأخلاقياتك وتقاليدك وأهلك وناسك وأصدقائك، فكلما ارتبطت بهذه الجذور كان وقوعك صعبا. إنني أعتبر هذا المسلسل عرضا لموضوع مهم جدا في مواجهة نوبة الارتداد للخلف التي تسير في مجتمع اليوم، وهذه حسنة تكفيه وتحسب له، من وجهة نظري. ـ الهدف نفسه كان هو هدف امرأة من زمن الحب، والبعض ربطوا بين المسلسلين، وقالوا بوجود تشابه بينهما، فما تعليقك؟ ـ الهدف كما قلت واحد، لكن الذين أشاعوا وجود تشابه بين المسلسلين، أو أنهما مسلسل واحد يريدون تصفية حسابات مع سميرة أحمد أنا ليس لي دخل بها، فالفرق كبير بين امرأة تعيش في مدينة من مدن الصعيد في عزلة، وأخوها يكلفها برعاية أبنائه فتواجه عالم العاصمة الذي لم تكن تعرفه، أين التشابه بينها وبين أميرة التي ينهار عالمها، الذي كانت تعيش فيه داخل سطح المجتمع فلا تجد إلا الأصول التي خرجت منها حتى تلجأ إليها من جديد؟ أوجه الشبه أن هذه هي سميرة أحمد وتلك كانت هي، بل إن أحدهم قال إن أميرة هي أبله حكمت في ضمير أبله حكمت مع أنني أستطيع أن أكتب كل يوم عن إنسان يواجه مشكلة، وحتى لو كنت أقلد نفسي فما العيب؟ أما كلامك عن الهدف الواحد فهو يسعدني، وأتمنى أن تدور كل أعمالي القادمة حول الهدف ذاته. ـ لكن الزمن، قد يدفع الإنسان إلى تغليب قيم على أخرى، لتحقيق الهدف ذاته، أليس كذلك؟ ـ ليست هناك قيم ومبادئ تتعارض مع أي زمن.. الناس هي التي تتغير وتتعارض مع الزمن.. صدقيني.. فالإنسان الذي يتمسك بمبدأ أو قيمة هو في حقيقة الأمر يتمسك بقيمة حقيقية مضادة لتيار الزمن. ـ ألهذا السبب تمسكت بأجواء الحارة في الستينيات في المسلسل: أغاني عبد المطلب، وكارم محمود، ومحمد قنديل، ولافتة معلقة مكتوب عليها سحر للآلة الكاتبة؟ ـ ستجدين أيضا في الحارة نفسها الضرب بالسكاكين وتدخين البانجو، أما عن الأغاني القديمة فأعتقد أن إحدى واجباتي هي إنعاش ذاكرة المشاهد، وليس معنى ذلك أنني مازلت نائما في الحارة القديمة، بل أنا أسير على طريق حارة نجيب محفوظ. ـ لكن ألا ترى معي أن الفن ينبغي أن يكون معايشا للحياة التي نعيشها؟ ـ الفن لا يسجل اليوم، فهو ليس صحيفة يومية.. يجب أن يكون رصدا بعديا وليس موازيا، ورغم هذا فالأغنيتان اللتان قدمتهما فتاة الإعلانات تنتميان لأغاني اليوم، ولكني أرصد الأساسيات، ولا أقوم بعمل مسح، ولكن الأغاني كموسيقي تصويرية لما أريد، أما لافتة الآلة الكاتبة، فقديمة ـ في المسلسل ـ لا أحداث تتبعها، وحتى المصور قال إنه لا يجد عملا ولجأ للمخدرات لأن الناس ذهبت إلى أصحاب محلات التصوير الفوري، وهكذا يجب أن نتمعن في التفاصيل. ـ في سياق كهذا هل يجوز لنا أن نتحدث عن المشكلات التي تعرض لها المسلسل قبل تصويره؟ ـ أفضل ألا نتحدث فيها، فأنا لا أريد تجديد معارك قديمة انتهت وسبقت عرض المسلسل، وكان محمد فاضل طرفا فيها، ويكفي أن أقول أنني لا أكتب تحت الطلب، وانني لست ترزيا يأتيني سين من الناس ليطلب مني عملا، فأفصله له، ولكن أنا أكتب العمل وحين يطلبه منتج أعطيه له لأنني كاتب محترف، وكون ما عندي أعجب سميرة أحمد، أو أي ممثلة أخرى، فليس معنى ذلك أنني أُفصل لها، هذا فقط ما أردت أن أوضحه بشأن المشكلات التي حدثت والتي قد تحدث. ـ نأتي إذن لعملك المقبل الذي عرفنا أنه سيكون بعنوان أيام في السيالة والذي تدور أحداثه في حي السيالة الموجود بالإسكندرية، فهل هذا صحيح؟ ـ لا، فقد أجلت كتابة هذا المسلسل، وأكتب الآن كناريا وشركاه، وهو رحلة إنسانية تناقش ما إذا كان الإنسان يستطيع التخلص من ماضيه ويحيا حرا من غير أن تطارده أخطاؤه القديمة، أم لا؟ ـ وماذا عن فيلم الإسكندراني؟ ـ كان من المفترض أن يتم تصويره منذ فترة، لكن تأجل تصويره لانشغال مخرجه على عبد الخالق في فيلم يوم الكرامة. ـ وهل تعتقد أنه سيحقق نجاحا تجاريا حال عرضه؟ ـ الأفلام الناجحة على مستوى الشباك اليوم هي موجة ستأخذ وقتها في إطارها.. وهي إدانة لما يحدث في مصر وتؤكد أن شيئا قد حدث للتذوق الفني في مصر، وأعتقد أننا نحتاج لفترة ليست قصيرة حتى يعود التوازن إلى السينما المصرية. ـ يبقى أن أسألك عن مسرحية «في عز الضهر» التي ستعرض قريبا؟ ـ هي مسرحية إنسانية في المقام الأول فهي تناقش مشاكل الشباب الذي أعتبره العمود الفقري للبلاد وللمستقبل، وكيف أن هؤلاء الشباب هم ضحايا لأخطاء وخطايا الآباء، وذلك من خلال عمارة بمدينة الإسكندرية يسكنها مجموعة من النماذج البشرية وتملكها الحاجة زينة التي تلعب دورها سميحة أيوب، وتقوم بتأجيرها للمصطافين كل عام في شهور الصيف، بالإضافة إلى من يقيمون في هذه العمارة إقامة دائمة، وتدريجيا يتم كشف المستور في بداية المسرحية ويتفجر الموقف الدرامي بالنسبة لسكان العمارة فنرى شخصيات ونماذج بشرية سيئة من تاجر مخدرات إلى بواب وسمسار أعراض بشرية إلى زوجة خائنة إلخ إلخ، في التكشف والتعري أمام المشاهدين. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: