الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 بداية نحن لا ننصب انفسنا أوصياء على ذائقة الجمهور اذ ليس بالضرورة ان ما يعجبنا قد يأتي على هوى المتفرج لكن من حقنا ان ننوه عن احجام الجمهور وابتعاده عن متابعة السينما الراقية التي تلعب دورها في تهذيب النفوس وانشغاله بسينما «الاكشن» على طول الخط، هكذا خلت قاعة العرض الا من قلة لا تتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة تابعت فيلم «تملك»، هذا الفيلم الذي نعتبره في غاية الروعة من حيث قصته واداء الممثلين وفنياته العالية وحرفية القائمين عليه وفي مقدمتهم كاتب السيناريو و«المونتير» الذي احسن التعامل مع الرؤية الاخراجية فكان المونتاج معبرا حقيقيا عن فهم كامل لمعنى ان تكون اللقطة في مشهد يحافظ على وحدة المكان مع الرجوع «فلاش باك» الى زمن ماض يختلف تماما مع زمن حاضر من حيث الشخوص والملابس والاكسسوارات، غير ان الحدث المشابه هو القاسم المشترك الوحيد الذي يربط ما كان مع ما هو كائن، ولكني نوضح ما نقول علينا ان نتوقف مع محطات قصيرة من احداث القصة المتشابكة والتي لن يتسع المكان لأن نسهب في سردها، حيث يأخذنا الفيلم الى منتصف القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1859 حيث عاش شاعر بلاط الملكة فكتوريا.. «راندلف هنري اش» قصة حب مع الشاعرة «كريستابل لاموت» وتركا خلفهما مجموعة من الرسائل المتبادلة، وبعد مرور أكثر من قرن على وفاتهما تقع مخطوطة في يد «رولاند مايكل» الذي يعمل في مكتبة لندن ليبدأ البحث عنما يدعم وجهة نظره بوجود هذه العلاقة التي لم يكتشفها احد من قبل، ولذلك يستعين بحفيدة «كريستابل» الآنسة «موديايلي» ويتجه الاثنان نحو فك الرموز المتشابكة الى ان يصلا الى الحقيقة كاملة، واثناء بحثهما ومن خلال قراءة الاشعار التي كتبها كل من «آش» و«لاموت» تنشأ علاقة بين الاثنين وفي كل مكان شهد على قصة حب الأولين ابتداء من غرفة نوم «كريستابل» والفندق الذي اقامت فيه لمدة اسبوعين مع «آش» يعيش كل من «رولاند» و«مود» نفس القصة والاحداث، من هنا تأتي شهادتنا في حق الفيلم، فعملية الربط بين زمانين مختلفين والاحتفاظ بوحدة المكان تبدو عملية في غاية الصعوبة، فما بالنا وان عملية دمج الصورة «اللقطة» لتعطي نفس المعنى؟، يقف «رولاند» وبجانبه «مود» في مكان وقف فيه «آش» مع «لاموت»، يخلع «رولاند» ملابسة ليسبح حيث الكهف، كادر اللقطة يبرز الاثنين مع مساحة المكان، «زووم» على وجه «رولاند» الضاحك، ثم تتجه حركة الكاميرا رأسا الى الشاطئ حيث تقف «لاموت» لتعود الاحداث الى الزمن الماضي. هذا المشهد يتكرر طوال مدة عرض الفيلم لكن بطريقة مشوقة لا يمثل منها المتفرج وهو الواقع تحت سيطرة حدثين منفصلين زمانا متشابهين مضمونا الى درجة الربط المقصود بين خوف «لاموت» من افتضاح امرها بين اوساط مجتمع متحفظ يدفع النساء الى علاقات مثيلة، وخوف «مود» من الرجال فترفض فكرة الزواج وتكتفي بالعلاقات العابرة، وهذه رسالة نفهمها على نحو يشكك في قدرة المرأة على ادارة شئون حياتها العاطفية ويرجع مسئولية المرأة عن ذلك في ظل تفتح المجتمع وتفهمه لمثل هذه الامور، اما عن اداء الممثلين فقد كانت جوانيت بالترو الحائزة على جائزة الاوسكار عن دورها في فيلم «شكسبير عاشقا» فقد كانت متمكنة من ابعاد الشخصية خصوصا وانها اخذت من شخصية «لاموت» الكثير على اعتبار انها حفيدتها وفيها شيء من طباعها، ولذلك يقع العبء الاكبر على عاتقها ليخرج الفيلم بهذه الصورة المبهرة، وعموما هناك الكثير مما يقال عن الفيلم وفنياته المتكاملة لكن بقي ان نشير الى جماليات الحوار التي فرضتها المفردات الشاعرية وعمق معناها لتقول بأن الفيلم أكثر من جيد ويستحق المشاهدة من قبل الجميع، وهو من بطولة هارون ايكهارت، جيري نورثام، جنيفر ايل، ومن اخراج نيل لابوت. عز الدين الاسواني