السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 نتابع في هذه الحلقة تاريخ السينما العالمية لمؤلفه ديفيد روبنسون حيث توقفنا عند حوامل الكاميرات التي كانت مزودة برأس متحرك في عام 1901، وان الصورة التي نحصل عليها بالتحريك بهذه الطريقة تعرف الآن باسم اللقطة البانورامية. كذلك حركة الكاميرا للأمام او للخلف «المتابعة» اقترابا من او ابتعادا عن الجسم الذي يصور كان قد تم التنبؤ بها بالفعل في عروض فانوس الفنتسماجوريا في نهاية القرن الثامن عشر. وعندما استخدمت كاميرا متابعة في 1901 على يد جورج ميلييه فقد كان ذلك للغرض نفسه الذي استخدم من اجله الفانتسماجوريا القديم، ألا وهو خلق تأثير سحري بتكبير وتصغير الصورة (الرجل ذو الرأس الكاوتشوك). ومن الطريف في هذا السياق الاشارة الى ان المشاهدين البدائيين، الذين لم يشاهدوا افلاما قط من قبل، غالبا ما يعجزون عن استيعاب المتابعة للامام على انها اقتراب من الجسم المصور وما يشعرون به فحسب هو ان الصورة تضخمت فجأة وحتى من قبل ميلييه، عرفت السينما في تسعينيات القرن التاسع عشر لقطات مثيرة للمتابعة بتثبيت الكاميرا على مقدمة عربة متحركة اثناء التصوير.الى جانب هذا جاءت بعض الاكتشافات في مجال التصوير مرتبطة بالفيلم السينمائي ومقصورة عليه وحده. في 1896 اكتشف احد مصوري لوميير وهو يصور في حمامات مينيرفا بميلانو انه لو جرى التصوير والكاميرا مقلوبة رأسا على عقب فانه يمكن عرض الحدث بالمقلوب. كذلك حيلة التبديل ـ ايقاف الكاميرا لحين تغيير المشهد ثم تشغيلها من جديد ـ والتي تعد اساسية في معظم اعمال الحيل السينمائية، كانت قد اكتشفت منذ وقت مبكر هي الاخرى، حيث لجأ اليها في عام 1895 احد مصوري اديسون ليعطي تأثيرا مقنعا بقطع الرأس في فيلم «اعدام ماري ستيوارت» اذن، لقد استوعبت المفردات البصرية للفيلم قبل 1900، اما فكرة البناء، او الاعراب، فكرة ان جوهر السينما هو تجاور اللقطات في تواصلية معبرة، فقد بدأ تقديرها شيئا فشيئا. كما رأينا، كانت الافلام الاولى محض صور متحركة، كل واحدة منها تمثل لقطة مفردة لمشهد او حدث مفرد. كما كان مخزون مفرداتها مشابها لذلك الخاص بالصور التي تباع للاستخدام في الستريوسكوب الذي لاقى اقبالا جماهيريا خاصا في الستينيات ثم مرة ثانية في التسعينيات من القرن التاسع عشر. ربما كانت مناظر واقعية حقيقية، ربما نكتة بصرية مفردة (ثمة فيلم انجليزي، «هيا.. اسرع»، قدمه دبليو. آر. بول في 1898، مأخوذ مباشرة من شريحة ستريوسكوب يحبها الجمهور، مأخوذة بدورها من اغنية كوميدية مستوحاة من تصوير زيتي قصصي هو ذاته مستوحى من لوحة فينوس بالمعرض الدولي لعام 1862»، كما قدم تقدم هذه الصور احيانا لوحات تمثيلية ساكنة للأزياء. وفي بعض نماذجها الاكثر غرابة ربما قدمت اعادة ممسرحة لاحداث محلية بارزة مثل اغتيال الرئيس ماكينلي، محاكمة درايفوس، او بمزيد من الطموح والاستعانة بنماذج مصغرة.. ثورة البركان بيليه او غرق السفينة مين. لم تكن ثمة محاولات مقصودة للخداع في هذه الاعمال القائمة على اعادة تقديم وقائع بعينها: فقد كانت ببساطة معادلا لانطباعات الفنانين عن اخبار الحوادث التي كانت تظهر مصورة في جرائد «ذي ايلاصتراتيد لندن نيوز» أو «ليلاصتراسيون» أو الصحف اليومية الاقل أهمية، قبل ان تنتشر طباعة الصور بأنصاف الدرجات اللونية. على ضوء بعض نماذج من المسرح والمصورات المسلسلة في المجلات وعروض الستريوسكوب، التي كثيرا ما كانت تضم مجموعات في موضوع واحد، لم يكن صناع السينما مطالبين بجهد ابداعي كبير لكي يقدموا أعمالهم في صورة مسلسلات هم ايضا. وهكذا، وفي عيد الفصح من عام 1898، قام عارضان اميركيان متنافسان بتقديم عملين عن «الام المسيح» عشر لوحات تمثيلية سينمائية او اكثر اتبعت الطريقة الدقيقة ذاتها التي قدمت بها سلسلة ستريو سكوب شهيرة في الموضوع نفسه، والتي كانت متداولة منذ ستينيات القرن التاسع عشر.. شرائح ملونة يدويا برهافة ومعبأة بنظام دقيق كل اثنتي عشرة في صندوق. وجاءت اللوحات السينمائية على المستوى نفسه من الدقة والجمال، ثم بعد عام واحد استخدم المخرج الفرنسي جورج ميلييه اساليب مشابهة لتقديم قصص اخرى دنيوية، مثل اعادة تقديم «قضية درايفوس» و«سندريللا»، «جان دارك» في اعمال من عشرة مشاهد. وسرعان ما اصبحت هذه الطريقة اسلوبا عاما لتقديم الافلام القصصية. وان ظلت كل لقطة تمثل مشهدا منفردا، مستقلا باطار مناظره الخاصة ومداخله ومخارجه وبدايته ونهايته. الرابط الوحيد بين اللقطات هو الاتساق المنطقي والزمني، تماما كذلك الذي يربط مشاهد مسرحية أوصور شريط القصص المصورة بالمجلات. أول خطوة مهمة نحو مفهوم للمونتاج كما نعرفه ـ نحو اكتشاف تركيب او بناء مميز للفيلم السينمائي ـ جاءت، على ما يبدو، مع ادوين بورتر (1870 ـ 1941) في فيلمه «حياة رجل اطفاء أميركي» الذي انتج في نهاية 1902 او بداية 1903. كانت الحرائق واعمال الاطفاء موضوعا محببا لصانعي الافلام الاوائل كما كانت من قبل لصانعي عروض الفانوس السحري. كما انه قبل شهر تقريبا من فيلم بورتر كان المخرج الانجليزي جيمس ويليامسون «1855 ـ 1933» قد صنع فيلم «حريق!» الذي سار بطريقة مشهد اللوحة التمثيلية الساكنة خطوة اقرب الى فكرة المونتاج. اما فيلم بورتر فهو مونتاج، حيث استطاع عن طريق تصوير مشاهد عشوائية لحرائق ورجال اطفاء بالاضافة الى بعض مشاهد أخرى من عنده ان يبنى فيلما دراميا. كان قرار بورتر ببناء فيلم روائي من لقطات مصورة سلفا قرارا غير مسبوق. ان هذا يفيد ضمنا أن مغزى كل لقطة ليس بالضرورة قائما بذاته، بل متغير وفقا لربطها بلقطات اخرى.