السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 لعل أول ما يلفت انتباه المتابع للأعمال الفنية التاريخية هو النص كونه يحمل وجهة نظر في احداث بعينها ولن يكون محايداً على طول الخط، اللهم الا اذا كان عملا موثقاً ومنزهاً عن الميول الشخصية التي تخدم مصالح معينة او توجهات بعينها، اما الشيء الثاني فهو يتعلق بالفنيات وأولها الديكور والادوات والملابس ولغة الحوار واشياء اخرى تفرضها الرؤية الاخراجية ومدى تطابقها او اقترابها مما هو حادث في تلك الحقبة الزمنية، هذا المدخل يفرض نفسه علينا ونحن نشرع في تناول القيمة الفنية لفيلم «عصابات نيويورك» وكما هو ملاحظ فإن عنوان الفيلم يأخذنا مباشرة إلى حيث البدايات وكيفية تطور عمليات السطو والنصب والسيطرة على الاشخاص والمناطق وفرض «الاتاوات» على الافراد والمجموعات الخارجية على القانون او المستسلمة على حد سواء، ولكي نلملم اهم ما جاء في الفيلم سوف نشير فقط إلى ان احداثه تدور في عام 1846 ومحاولة سيطرة «اولاد البلد» الاميركيين الاصليين على منطقة النقاط الخمس التي تعج بمختلف الجنسيات المهاجرة والباحثة عن لقمة العيش وكيف انها تؤثر في حياتهم وتشاركهم فرص العمل القليلة بل وتحميلها الجزء الاكبر من نشأة اسلوب العصابات الساعية إلى اراقة الدماء، فالقصة تسوق لنا شخصيات مختلفة وبلداناً متعددة مثل الصين وايرلندا وانجلترا والزنوج من افريقيا، كل هؤلاء يحملهم الفيلم المسئولية ويعطي المبررات «لأولاد البلد» بأن يفعلوا كل شيء لحماية موطنهم، وهذه اول سقطة للفيلم، اذ ان الجميع يعلم ان الزنوج والافارقة تم استعبادهم في اوطانهم ومن بعد بيعوا وارغموا على العيش في دول اوروبا واميركا مثل الخدم، ولم يكن انذاك مفهوم الهجرة معمولاً به كما هو الحال الآن، ولذلك فإن كتابة النص لم تأت محايدة كما توقعنا تماماً. فنياً يعتبر الفيلم ناجحاً بكل المقاييس، فعلى الرغم من ان الاحداث تدور في زمن ماض لا يحتمل استخدام تقنيات العصر الحديث على جميع الاصعدة الا ان الديكور استطاع ان يأخذنا في رحلة مشوقة إلى عوالم مثيرة وتمكن من اسرنا تماماً في لوحة معمارية في غاية الروعة سواء كان ذلك في المشاهد الخارجية او الداخلية، فلا فرق في طبيعة المناظر التي اخذت في الاسواق او ساحات المعارك وبين التصوير الداخلي في الحانات والبيوت وحتى في مقر الحزب الديمقراطي، غير ان الملابس هي الاخرى اكملت ما قام به الديكور وجاءت متناغمة ليخلقا معا صورة جميلة لا تنسى بسهولة، الشيء الوحيد الذي يؤخذ على الفيلم إلى جانب اغراق القصة هو هذا الكم الهائل من المشاهد الدموية التي امعنت في القسوة، واذا كانت الادوات المستخدمة هي التي فرضت ذلك فإن نزول الأدوات الحادة مثل الفأس و«البلطة» وبترها للأعضاء في مشاهد مقززة قد لا تكون على قدر احتمال المشاهد، اضافة إلى ان ملامح الوجوه التي قامت بايصال المعنى كاملاً تغني عن الاغراق في هذه العمليات المخيفة، ولذلك فإن اول نصيحة نقدمها للجمهور هي عدم اصطحاب الاطفال لمشاهدة هذا العرض. الفيلم من بطولة ليوناردو دي كابريو، دانييل داي لويس، ومن اخراج مارتين سكورسيز. عزالدين الأسواني