السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 من الكتابة القصصية الى التمثيل ومن ثم الاخراج الدرامي التلفزيوني، هكذا تشكلت محطات حياة الفنان حاتم علي الفنية والابداعية، فقد كان من اوائل الفنانين الذين تخرجوا من المعهد العالي المسرحي، واتجهوا الى الاخراج الدرامي، محققاً حضوراً لافتاً جعل منه احد الاسماء المعروفة في الدراما السورية بسبب ما يتمتع به من اجتهاد ومثابرة. اخرج العديد من الاعمال الدرامية التلفزيونية التي حققت انتشارها الشعبي كالزير سالم والفصول الاربعة وصقر قريش وصلاح الدين الايوبي.. وكان لافتا ميل الفنان الواضح الى التجريب سواء في الكتابة الدرامية او في الاخراج والتمثيل والكتابة الادبية مما أعطى تجربته غنى، وبعد ان عرض له في رمضان عملان دراميان احدهما اجتماعي «الفصول الاربعة ـ الجزء الثاني» وثانيهما تاريخي هو صقر قريش التقيناه للتعرف على رأيه في واقع الدراما السورية، والى تفاصيل تجربته الفنية وقضايا الدراما العربية عموما: ـ كنت من اوائل الفنانين السوريين الذين مارسوا مهنة الاخراج الدرامي وحققت حضورك في ذلك، ثم بدأ عددا آخر من الفنانين يمارس هذه المهنة الى جانب التمثيل فكيف تنظر الى هذه التجربة من زاوية تجربتك أنت؟ ـ ظاهرة انتقال الممثلين للوقوف خلف الكاميرا هي ظاهرة ليست حكراً على الدراما السورية وحدها انما هي ظاهرة معروفة في كل الصناعات التلفزيونية والسينمائية العالمية واعتقد انه من حق الجميع ان يجرب ومن حق الجمهور اخيرا ان يحكم، استطيع ان اتفهم اعتراضات المخرجين الآخرين على هكذا ظاهرة على اعتبار انها بشكل أو بآخر يمكن ان تكون منافسات لانها مصدر رزق لمكان عمل ولكن من حيث المبدأ وكما قلت يمكن اعتبارها ظاهرة صحية، شخصيا انا اعتبر الانتقال بين الفنون هو مسألة تقنية، في البدء كانت الموهبة اما امتلاك ناصية تقنيات كل فن على حدة فأمر يمكن تحصيله من خلال التجربة نفسها، لدينا بالطبع قوانين في كل النقابات المهنية تحاول ان تحمي المهنة من الدخلاء وبالتالي لا يمكن لنقابة المهندسين على سبيل المثال ان تسمح لمقاول او لعامل بناء ان يتحول فجأة الى مهندس والامر نفسه ينطبق على نقابة الاطباء، لكن الامر عندما يتعلق بالمسألة الفنية فإنه يحتاج لاعادة تقييم ودراسة، وكما انه لا يمكن لك ان تصدر قوانين تمنع شخصاً ان يكتب القصة القصيرة او الرواية والشعر لانه لا يحمل شهادة كلية الآداب فهذا الامر نفسه ينطبق على المجال الفني فكثير من ممثلينا الكبار سواء في سوريا، او في الوطن العربي او العالم قد لا يحملون شهادات اكاديمية في مهنة التمثيل، كذلك الامر ينطبق الامر على المخرجين وهذا التداخل بين هذه المهن هو أمر وارد فقد شاهدنا الكثير من كتاب السيناريو يحاولون ان يجربوا ويخرجوا ما يكتبونه بأنفسهم وايضا شاهدنا كثيرا من التجارب العالمية لممثلين قفزوا فجأة على مهنة الاخراج رغبة في تحقيق طموح شخصي ومحاولة لاحتلال مساحة اكبر للتعبير عن المشروع الخاص. كما قلت لك اعتقد ان الحكم الاخير هو الجمهور نفسه ومن هنا يمكن لنا ان نلحظ استمرار مثل هذه التجارب أو انحسارها. ـ تنوعت الاعمال التي قدمتها حتى الآن بين الدراما الاجتماعية والدراما التاريخية بالنسبة لك الى اي حد يمكنك اختيار الاعمال التي تود اخراجها؟ ـ اعتقد ان هناك عوامل تحدد للدراما السورية اتجاهاتها، هذه الاعمال مزدوجة داخلية وخارجية. داخلية لها علاقة بطبيعة الظرف الاجتماعي والسياسي وخارجية لها علاقة بمتطلبات السوق وحاجات التمويل ثم لا تنس بالطبع ما نسميه بالمزاج العام الذي يمكن تحسبه دائماً من خلال مواسم العروض الفنية، عندما نلحظ تغيراً او تلحظ شركات الانتاج او الفنانون عموماً تغيرا في المزاج العام باتجاه نوع من الانواع، فإن هذا لابد ان يلقي بظلاله على خطة العمل القادمة، ودائما الخطط تأتي كما اعتقد عشوائية ومحصلة لاجتهادات فنانين ومصالح شركات انتاج اكثر من كونها تخضع لدراسة علمية للسوق ولاحتياجاته وايضا لطبيعة واحتياجات المتفرج السوري. ومن هنا تلحظ غلبة نوع على آخر في موسم ما. في النهاية اعتقد ان مسيرة اي فنان هي كفاحه من اجل ان يصل الى مرحلة يستطيع بها ان يفرض خبراته الفنية والفكرية واعتقد انني من الاشخاص الذين يحاولون جاهدين اعادة الاعتبار لمهنة الاخراج وتحريرها من سطوة مديري الشركات والمنتجين لأنني اعتقد ان مهنة الاخراج تحديداً هي التي استطاعت ان تجلب للدراما السورية سمعتها الجيدة، وهي المنوط بها كما اعتقد تطوير هذه الدراما. ـ فيما يخص مسلسل الزير سالم فإنه رغم النجاح الذي حققه جماهيريا عند عرضه إلا ان كاتب النص ممدوح عدوان اعلن انه كان يفضل ان يخرج العمل المخرج هيثم حقي، فهل اراد الكاتب ان يربط نجاح العمل به، ام ان هناك اسبابا اخرى؟ ـ اعتقد الشخص المؤهل للاجابة عن السؤال هو الشخص الذي اطلقه، وهذا ليس تنصلاً من الاجابة ولكنني فعلا لا اعرف ما الذي يرمي اليه، بالتأكيد فيما لو اخرج هيثم حقي الزير سالم لكانت النتيجة مختلفة لانه امر طبيعي ان يعيد المخرج كتابة النص الذي بين يديه، وهذا يحيلنا الى اشكالية العلاقة بين المخرج والكاتب وما اقصده باعادة الكتابة ليس الاضافات التي يمكن ان يجريها المخرج على النص من قبيل اضافة مشهد او حذف مشهد أو تعديل جملة حوار، ما اقصده هو ان السيناريو التلفزيوني لا يحيا إلا من خلال عمل المخرج وبالتالي فهو ليس له اي وجود سابق على لحظة تنفيذه، وهنا يكمن الاختلاف ما بين السيناريو والنص الروائي او المسرحي او الشعري، وكما اعتقد في الدراما التلفزيونية كما في المسرح مفردات الخطاب الفني قد تطورت الى درجة كبيرة بحيث اصبح الحوار هو جزء من الخطاب بمعناه الواسع والذي اصبح يضم بين دفتيه ما نسميه بالسينوغرافيا والفضاء والاضاءة والديكور والملابس.. كل تلك الاشياء هي مفردات الكتابة الفنية وبالتالي هي ادوات المخرج، انا اعتقد ان الزير سالم حقق نجاحات جيدة وكنت محظوظاً عملت على نص متماسك كنص ممدوح عدوان فيه اسئلة راهنة على مستوى عالٍ من الاهمية، اضافة الى احتوائه على مجموعة من الشخصيات التي تعيش صراعات مغرية وجذابة لي كمخرج الى جانب احتواء النص على فكرة صادقة، فكرة لا تساير التاريخ ولا تهادنه على ما فيه من اختلافات وتشويهات، بل تنحاز الى الحقيقة وتثير الكثير من الاسئلة وبطبعي اميل الى اعمال من هذا النوع. ـ قدمت اعمالاً تاريخية كثيرة، لكن الكثير منها لم يحقق النجاح المطلوب فأين تكمن اسباب نجاح أو فشل هذه الاعمال برأيك؟ ـ اعتقد انه لدينا مشكلة في العمل التاريخي نحن جميعا كمخرجين وكتاب مدعوون الى حلها واحدة من تجليات هذه الاشكالية هي عزوف الجمهور عموماً عن متابعة الاعمال التاريخية وفي محاولة متواضعة لحل بعض هذه الاشكاليات تابعت العمل في مسلسلات تاريخية اخرى كصلاح الدين وصقر قريش. ان اعمالنا التي تستنفد التاريخ تبدو باردة تماماً كالمادة التي تناقشها وهي اضافة الى ذلك مثقلة بالوعظ، مثقلة بكليشهات ينبغي تجاوزها لها علاقة بطريقة التمثيل والاخراج حيث يميل التمثيل الى التفخيم ويميل الاخراج الى اجترار اشكال ووقفات.. تنسخ نفسها، ويزداد بالتالي اغتراب هذه الاعمال عن جمهورها. ـ انت ككاتب قبل ان تكون ممثلاً ومخرجاً اين حضور الرؤية الادبية في عملك الاخراجي وكيف حاولت ان تستثمرها في هذا العمل؟ ـ المرء عادة يستثمر كل تجاربة في كل عمل يقوم به، فما بالك في عمل كمهنة الاخراج التي هي قائمة اصلاً على استغلال جهود الآخرين فالمخرج عمليا هو الذي لا يفعل اي شيء سوى الجلوس على كرسيه خلف المينتور، ولكنه في الوقت نفسه هو الذي يفعل كل شيء انه مطالب باستغلال كل ما تحمله هذه الكلمة من معان سيئة وغير سيئة في استغلال وسرقة اكثر ما يمكنه من الآخرين. انه لا يقوم مثلاً بصنع الاضاءة ولكنه هو من يسرق من مدير التصوير افضل ما لديه، انه لا يكتب النص، ولكنه في النهاية يضع توقيعه على العمل وربما يصبح توقيعه اكثر اهمية من توقيع صاحب المشروع الذي هو الكاتب، وبالتالي فهو يحظى بلقاءات صحفية وتلفزيونية اكثر بكثير من الاحتفاء الذي يحظى به المؤلف. انه يسرق جهود هذا المؤلف، ويعيد تركيبها ويمررها ويعيد صياغتها على هواه انطلاقا من السلطة الممنوحة له انه باختصار لا يفصل الملابس التي يرتديها الممثلون ولكنه يحاول ان يسرق جهود مصمم الملابس والامر نفسه يتكرر مع كل عناصر العمل الفني. اعتقد ان مهنة كهذه تحتاج الى كثير من الخبرات الحياتية والنفسية وتحتاج الى رؤية ما وتحتاج ايضا الى نضج فكري وهذا كما اعتقد هو ما يمكن ان يميز مخرجاً عن آخر. ـ هناك رؤيتان في الاخراج الدرامي الاولى تركز على موضوع الحوار في العمل والثانية على الصورة باعتبارها لغة بصرية جديدة تتناسب مع طبيعة التقنية المقدمة من خلالها، فأين انت من هاتين الرؤيتين؟ ـ هذا موضوع يطول شرحه في لقاء كهذا كما انني اعتقد ان مثل هذا النقاش ليس حكراً على الدراما السورية هي مسألة فنية شائكة ومطروحة منذ زمن طويل، واعتقد انه ليس من حق احد ان يدعي بأنه هو من قاد الثورة ضد تخلف اللغة التلفزيونية، اللغة التلفزيونية بحد ذاتها تطورت، ليس فقط نتيجة الافكار التي يملكها المخرجون وانما ايضا نتيجة لتطور الدراما التلفزيونية نفسها حيث تم اختراع الكات الصغيرة والخفيفة القادرة على تحقيق احلام وطموحات المبدعين كما انني اعتقد ان واحدة من ميزات الدراما السورية هو هذا البحث في الشكل وهو بحث قائم منذ فترات طويلة وبدأه مجموعة من المخرجين الذين كانوا قد تخرجوا حديثاً من المدارس السينمائية في اوروبا والاتحاد السوفييتي سابقاً وعادوا الى سوريا ليبدأوا تجاربهم البسيطة التي اسست فيما بعد لخروج الدراما التلفزيونية السورية من الاستدويوهات الى الشارع. هذا الانتقال لم يكن انتقالا شكلانيا لانه عندما تخرج الكاميرا الى الشارع فإن ذلك يتطلب من تقني الصوت على سبيل المثال بذل وتحصيل خبرات مختلفة للسيطرة على الجو العام. كما يتطلب من مدير التصوير ان يطور ادواته كي يستطيع ان يسيطر على الضوء الطبيعي وهو يحتاج ايضا من الممثل طريقة اخرى مختلفة في الاداء لانه اصبح اكثر قرباً من الحياة نفسها، وهو يحتاج قبل كل ذلك الى طريقة مختلفة في الكتابة لا تنتقل من مكان مغلق الى مكان مغلق آخر، بل صار باستطاعة السيناريست ان يلاحق بطله ويلاحق موضوعه عبر الحياة نفسها مع كل ما تحمله من اشكال معاصرة وبحرية اكثر. كل ذلك بالطبع ارتقى باللغة التلفزيونية وجعلها قريبة جداً مما نسميه باللغة السينمائية وانا اعتقد بأنه ليست هناك لغتان لغة تلفزيونية ولغة سينمائية، وهذا يعني فصلاً نظرياً لا اساس له في الواقع لأن اللغة المستخدمة هنا وهناك هي نفسها فاللقطة لها نفس المصطلح وللمشهد نفس المكونات اما نقاط الاختلاف فتكمن في طريقة التفكير وفي طريقة تناول المادة الفنية والتعامل معها. بالطبع كان هناك اشكالية وهي ان جهاز التلفزيون له طبيعة تكاد تبدو للوهلة الاولى عصية على البحث بخلاف المسرح والفنون الاخرى. فالتلفزيون يتوجه الى شرائح واسعة وبالتالي فهو شعبي إلا انه جهاز اعلامي مهم. وبالتالي فهو له ضوابط رقابية اجتماعيا وسياسيا ورغم ذلك بقليل من التحايل وكثير من الجهد استطاع الفنان السوري ان يطوع هذا الجهاز وان يجرب من خلاله تطوير ادواته، وان يقدم مستوى فنيا وصل الى مستويات متطورة وجديدة لكن في مراحل اخرى ربما الاغراق في هذا البحث الفني قادنا الى الوقوع في فخ الشكل وبالتالي الى ثرثرة من نوع آخر هي ثرثرة الصورة. ان النص او المادة المشتغل عليها هي التي تقدم للمخرج طريقة تناولها او الحلول الاخراجية وبالتالي لا يجوز لاحد منا ان يأتي بحلوله الاخراجية من بيته ليفرضها على المادة التي يعمل عليها. انا واحد من المخرجين الذي يضع نصب عينيه هدفاً حيوياً هو ترجمة هذه المادة بأبسط السبل الممكنة الى صورة بسيطة ولكنها مغرية وفنية