الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 علاقة نجيب محفوظ بالسينما، تعرضت لها كثير من الكتب والدراسات وكذا الرسائل الجامعية، ذلك لأن السينما المصرية نهلت من معين رواياته وقصصه العديدة من الافلام كما ان محفوظ نفسه قد كتب سيناريوهات غير قليلة لافلام عن اعمال أدبية لكتاب آخرين. اذا كان كل هذا يمثل عالم نجيب محفوظ السينمائي.. لكن ماذا عن «السينما في عالم نجيب محفوظ»؟.. لا نجد أيا من الدراسات في هذا المجال رغم ان ادب محفوظ يتخلله الكثير من الاشارات الواضحة عن السينما.. وهذا مادعا الباحث مصطفى بيومي الى ان يدرس موقع «السينما في عالم نجيب محفوظ» هذا عنوان كتابه الذي صدر عن مكتبة الإسكندرية بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد محفوظ الحادي والتسعين (ديسمبر 2002) باشراف الناقد سمير فريد وتنفيذ ومتابعة الناقد ابراهيم الدسوقي احد مؤسسي جامعة الفن السابع بالاسكندرية. يتناول الفصل الأول من الكتاب جمهور السينما في أعمال محفوظ.. بداية من الجمهور العام.. فإن كثيرا من شخوص محفوظ يذهبون الى السينما بشكل فردي للتسلية والهروب من الوحدة والفراغ وقد تكون السينما وسيلة لتضييع الوقت واصطياد الفتيات رواية «ميرامار» وفي الثلاثينيات كانت الأسر الاستقراطية تذهب بكامل هيئتها الى السينما الأب والام والابنة الشابة.. وكانت السينما تتحول الى طقس اجتماعي للاحتفال بالعيد. من الجمهور العام الى تخصص اكثر الاطفال فقد كان الاطفال في العشرينيات.. يذهبون الى السينما لمشاهدة افلام شارلي شابلن، واحيانا كانت تنشب المشاجرات بينهم تعصبا لهذا النجم أو ذاك كما يذكر في رواية «المرايا» كان هناك انجذاب شامل لسحر السينما، حيث تتداخل فيها الحقيقة والخيال ولا شك ان محفوظ قد استمد هذا من ذكريات طفولته، كما يذكر رجاء النقاش في كتابه عن «محفوظ». أما في مرحلة الشباب فقد كانت الغالبية العظمى منهم يذهبون الى السينما كل خميس وكانت النجمة السينمائية الشهيرة ماري بيكفورد تداعب خيالات الشباب المحروم من الحب الحقيقي ـ اليوم المخصص للسينما يتعرض لمزاحمة من فحيح الحرمان والاحتياج الجنسي ـ كما يذكر محفوظ في رواية «قشتمر». السينما والواقع المصري عنوان الفصل الثاني الذي يناقش فيه مصطفى بيومي ثلاثة قضايا من خلال قراءته لأدب نجيب محفوظ اولها السينما والثقافة حيث نظر محفوظ الى السينما كتهديد للثقافة.. أقرب الى الثقافة السطحية الاعلامية وسيلة ترفية اكثر منها اداة ثقافة ووعي هكذا نجد في مناقشات أبطال رواية «المرايا» لكن مقابل هذا التعامل السطحي مع السينما نجد في حوارات شخصيات الشيوعيين الذين يتعاملون مع السينما بوعي وإسقاط سياسي، ونظرة تعادل بين السينما والمسرح، كما الجريدة السينمائية ذات الطابع الوثائقي ـ فائدة ملموسة في المعرفة السياسية، وبمرور الزمن تصبح السينما جزءا من المناخ الثقافي العام. الفصل الثاني عن السينما وثورة يوليو ـ صورت اعمال محفوظ الروائية ـ السينمائية ـ الافكار الثورية التي توافقت مع شعارات يوليو ـ كما قدمت الشخصيات، وماحدث من صراع بين الوفدي والثوري كما نجد في رواية وفيلم «السمان والخريف». أما في الفصل الثالث: «السينما ومجافاة الواقع» يطرح الباحث تساؤلا.. هل نجحت السينما في أعمال محفوظ في التعبير عن الواقع الذي يعيشه الناس؟ ـ يقدم الاجابة من رواية «قشتمر» حيث يرصد المراهقون التباين الكبير بين الحياة الحقيقية والحياة المختلفة التي تقدمها أفلام السينما، الحب الذي يعرفونه ويكابدونه يختلف جذريا عن ذلك الذي يشاهدونه على الشاشة. مايبدو في قصة «تحت المظلة» التي تعتمد في روايتها وبنائها على التشكيل السينمائي، من غرائبية وخيال، لا تفسير له الا انه كله مشهد سينمائي لا علاقة له بالواقع الفعلي.. علاقة هشة تربط السينما المصرية بالحياة التي تعبر عنها.. ذلك لانها تجافي الواقع الذي يعيشه العاديون من البشر ويشاهدون على الشاشة واقعا اخر. لذلك تتشكل عن السينما صورة نمطية مرادفة للأكاذيب والخيالات والاوهام والمصادفات والحلول السوية السهلة لمشكلات مستعصية معقدة هكذا قرأ الباحث السينما المصرية عند محفوظ! شخصيات سينمائية.. عنوان الفصل الرابع وفيه يتناول المؤلف عناصر العمل السينمائي في روايات محفوظ التوزيع والانتاج، والتصوير والنقد والتأليف، المخرجون، الممثلات، الممثلون.. قبل ان نتعرض له يجب ان نذكر ان محفوظ مارس العمل السينمائي، واختلط بالوسط بكل عناصره، كما كان قريبا منه حينما عمل بالرقابة.. وأن رأيه من خلال اعماله الأدبية يتضمن ادانة واضحة، وتركيزاً على السلبيات. في قصة «دنيا الله» يظهر الموزع والمنتج متحكمين في صناعة السينما وهما القادران على فرض مايريدان من شروط لضمان النجاح التجاري المادي دون النظر الى القيمة الفنية والفكرية ويتحول مندوب شركة تأمين الى الانتاج السينمائي! في رواية «السمان والخريف» نجد المخرجين والمنتجين هم القادرون على الارتفاع بداعرة الى سماء النجومية السينمائية! في «حديث الصباح والمساء» نجد من يمارس العمل الانتاجي مدفوعا بأسباب نسائية لا علاقة لها بالفن أو الإيمان بوظيفة السينما واهميتها. في رواية «الحب تحت المطر» يقدم محفوظ شخصية مصور سينمائي، مثقف سلبي، لا يؤمن بعمله، يقنع بحياته الخاصة المليئة بالملذات الحسية دون اهتمام بما هو جدي خارج نطاق الذات المقدسة. في عالم نجيب محفوظ صحفيون متخصصون في الكتابة الفنية.. يقدم نماذج منهم بقدر كبير من الادانة والسخرية.. في رواية الشحاذ.. صحفي مشرف على القسم الفني بمجلة يرى ان وظيفة الفن هي التسلية ـ في «ثرثرة فوق النيل» ناقد فني معروف.. يساوم منتجا سينمائيا على صندوق ويسكي.. وناقد فني أخر لا ينقد الا مجاملة لصديق أو هجوما على عدو أو لابتزاز قدر من المال. زميلة له تفكر في مشروع مسرحية ترسم شخصيته كوغد كبير، يقيم أسسه الجمالية على المنفعة المادية فلا يفكر في قول الحق الا اذا خانه الحظ وعند ذاك ينقلب هجاء ساخرا بلا رحمة..!! لا يتسع عالم محفوظ لنقاد السينما الحقيقيين الجادين!! ولكن محفوظ في «المرايا» يقدم شخصية تكشف عن المناخ السينمائي السائد قبل 1952 فهو يجمع بين الكتابة والتمثيل والدراسة العلمية المتخصصة. الكاتب السينمائي هو الحلقة الأضعف في العملية الانتاجية. حتى اذا كان الكاتب جيدا.. فإن قصصه تفسد وتشوه لأن المحيطين به من صناع السينما التجارية.. منتجين ومخرجين ونجمات شباك يتدخلون ويشوهون بقسوة. يقدم محفوظ بمنظوره الاتجاه الغالب على الاخراج بشهادة سلبية من خلال تعرضه لثلاثة مخرجين سينمائيين.. أولهم يلح على وجود نهاية ساخنة، ثانيهم يصفه بالجهل والشهوة العمياء وتنتهي حياته بمأساة واقعية! وثالثهم من الناحية الفنية مخرج ناجح سريع الانجاز.. ولكنه يتحول الى مراهق متصاب! شهادة سلبية اخرى لمحفوظ هذه المرة عن الممثلات.. في «السمان والخريف» ـ لا تحول الدعارة والأمية بين ريري والاحاطة المستفيضة بعالم السينما وخبايا النجوم، تطمح الى العمل في السينما.. في سباق روايات محفوظ ممثلات متفاديات الأهمية والشهرة، المشترك بينهن هو سيطرة التفاهة وغياب الوعي والانهيار الاخلاقي وضياع الايمان الجاد بالفن السينمائي ورسالته.. من قراءته للأدب المحفوظي يستلخص بيومي أهم ملامح شخصية النجم السينمائي عبر عدة محاور رئيسية: رؤية عبثية لا مبالية غرور ونرجسية. قد تبدو الصورة من خلال نظرة محفوظ في أعماله الأدبية سلبية، لعل محفوظ قد كون فكرته من خلال الممارسة والتعامل، ولا شك هناك نواح ايجابية.. يبرر الباحث شهادة محفوظ الفنية بأنها تكشف عن كثير من الاخطاء والعيب والمثالب من واقع حالة السينما المصرية وان أدب محفوظ يمثل واقعا موجودا ولا يفتعل واقعا ورديا مزيفا غير حقيقي. السينما في عالم نجيب محفوظ بداية مشروع طموح يعده الباحث عن السينما في الأدب المصري يدرس فيه الموقع الذي تحتله السينما في كتابات عدد من أبرز الأدباء المصريين يحيى حقي، يوسف أدريس، فتحي غانم، احسان عبدالقدوس، عبدالرحمن الشرقاوي، عبدالحميد جوده السحار، يوسف السباعي، محمد عبدالحليم عبالله، يوسف الشاروني، بهاء طاهر، علاء الديب، وهو مشروع مفيد لدارسي الأدب والسينما معا. القاهرة ـ فوزي سليمان: