الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 الكبير قدرا ومقاما وسنا وتاريخا، حزين جدا لأن أحدا من الوسط الفني لم يزره وهو في فراش المرض. غاندي الوسط الفني وسيد الأدوار المعقدة وشيخ الممثلين يعاني الآن من المرض والوحدة! فهل يستحق ذلك؟! قال لـ «البيان» ان الدنيا تغيرت وأصبحت المادة هي كل شيء، وأكد أنه يعتبر نفسه الآن يعيش في زمن غير زمنه، غير أن كل هذا الكلام لم تكن فيه قسوة الجملة التي قالها بمنتهى البساطة: سددت فاتورة حسابي وأنا الآن مجرد منتظر. ولم يكن المرض فقط هو الذي دفع الفنان محمد توفيق لقول ذلك، بل أشياء كثيرة نراها من حولنا تتسيد الموقف في الساحة الفنية، وتجعل من معارضة كلامه محض تهوين من حجم المشكلة، ليس في الواقع ما يدعمه! صاحب المشوار الفني الممتد لأكثر من 78 عاما وصاحب العديد والعديد من الأدوار الصعبة في أكثر من 50 مسرحية و120 فيلما وعشرات المسلسلات التلفزيونية والإذاعية، تخرج على يديه مئات الممثلين طيلة عشر سنوات كان خلالها يقوم بتدريس فن التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية. والمولود في طنطا عام 1908، وبدأ يعشق التمثيل في المدرسة الابتدائية، وتعلم قواعده وأصوله على يد الفنان أحمد علام بالمدرسة الثانوية الملكية (الخديوية فيما بعد) فاجأني حين أكد أنه قرر بإرادته أن يلتحق بمدرسة التجارة العليا، فلما طلبت منه تفسيرا لذلك أوضح أنه كانت لهم أراض كبيرة في طنطا استولى عليها ديوان الملك بوضع اليد وأن أسرته دخلت في منازعات قضائية مع الملك انتهت بعدم امتلاكهم سوى الستر ولهذا اختار كلية مجانية تقدم إعانات مالية وكتباً رخيصة للدارسين بها. غير أنه في العام 1935 سافر إلى المملكة المتحدة ودرس التمثيل هناك بمعهد لورانس أوليفيه ووقتها كان عمره 28 عاما. لمحمد توفيق أعمال كثيرة متميزة لكننا حين سألناه عن أحب الأدوار إليه لم يتردد لحظة واختار أدواره في أفلام (لك يوم يا ظالم) و(عفاريت الأسفلت) و(الأخ الكبير)و(لك يوم يا ظالم)، وإذا كنا نتفق معه في روعة تلك الأدوار وعظمتها، إلا أن أقواها على الإطلاق دوره في لك يوم يا ظالم والذي لا نبالغ لو قلنا انه لا يستحق عنه أقل من أوسكار. أما دوره في (عفاريت الأسفلت) فكان معجزا للغاية، ففي هذا الفيلم الذي تم إنتاجه قبل ست سنوات على الأكثر رأينا محمد توفيق يجلس في (طشت) نحاس وهو عاري تماما في (عز البرد) الساعة الثانية صاحبا وسط أستوديو الأهرام، فيما كانت سلوى خطاب تصب فوقه الماء البارد. وهي مغامرة لا يقدم عليها شاب في العشرين من عمره، فهل نملك غير التأكيد على كلامه حين نسمعه يؤكد أنه ما زال في قمة لياقته الفنية وأنه لن يموت إلا أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح؟! ورغم ذلك فهو يؤكد أنه لا يستطيع ـ وفق تعبيره ـ أن يتطفل على مكتب أي منتج مفسرا بذلك عدم إسناد أي عمل له منذ فترة طويلة، ومشيرا إلى أنه تغلب على ذلك بتعاونه مع طلبة معهد السينما بالتمثيل في مشاريع تخرجهم. في سياق كهذا، ربما يكون منطقيا أن أسأله عن السن التي ينبغي على الممثل فيه أن يعتزل، فكانت إجابته هي: المفروض أن تكون شهادة وفاة الممثل هي نفسها شهادة اعتزاله. في غير ظروف المرض يستيقظ الكبير مبكرا ويصلي الفجر ثم يتناول طعام الإفطار ولو كان عنده عمل يذهب إليه، وإذا لم يكن يبقى جالسا بين الحوائط الأربع! ولمحمد توفيق أبناء ثلاثة أكد لي أنه يحمد الله أنهم لم تكن لهم علاقة بالفن! أكبرهم حسام مهندس ديكور وخبير أثاث، يمتلك ورشة ويعمل فيها بنجاح، و(منى) وهي زوجة لدبلوماسي عربي كان زميلا لها في الجامعة، أما ابنته الثالثة فمتزوجة في المنصورة من رجل أعمال ناجح. لم يمتلك سيارة ولا شقة تمليك وليس له رصيد في البنك، والأكثر من ذلك أنه يؤكد أن افضل وجبة عنده هي طبق الفول صباحا والزبادي مساء! ولما كانت كل هذه الأمور معروفة عنه، فقد قررت أن أداعبه وأنقل إليه ما يقوله البعض عن بخله! وعندئذ ضحك وقال: هذا ليس صحيحا بالمرة، وكل ما في الأمر هو أنني إنسان صريح وأعتز بنفسي وبكرامتي، إلى أقصى درجة ولذلك فأنا لا أقبل سيجارة من أحد ولا أقدم سيجارة لأحد، ويكفيني أنني أعرف ربنا وأتقيه. قلنا انه صاحب التاريخ الكبير، وقلنا انه صاحب المشوار الممتد لأكثر من 78 سنة، لكننا لم نقل انه حصل على ألقاب عديدة يفخر بها أي فنان. وفي حين نجد كثيرين وكثيرات يطلقون على أنفسهم من أنفسهم ألقابا، ويحاولون بشتى الطرق أن ينتزعوا لتلك الألقاب شرعية، فإن الفنان الكبير وشيخ الممثلين وصاحب الألقاب الممنوحة له ممن يملكون حق منح الألقاب يؤكد أن أحب الألقاب لديه هو لقب تيفة الذي كان أصدقاؤه ينادونه به، ولما كان هؤلاء قد رحلوا، فإن توفيق يعلن أنه يتشوق كثيرا إلى أن يناديني أحد ب(يا تيفه). أسأله عن رأيه في الساحة الفنية الآن فيجيب: الآن في استطاعة أي شخص أن يعمل بالفن حتى لو كان من دون موهبة، هل تصدق أن سائق التاكسي اليوم قال لي: (أنا عايز امثل وابقى فنان يا أستاذ). وليس مستبعدا أن أراه في مسلسل أو فيلم! ولا يكتفي بذلك بل بشيء من الإنصاف يضيف: لدينا ممثلون ممتازون في مصر، ولكن للأسف لا يوجد ممثل واحد فنان، والخط الفاصل بين الحرفة والإبداع لم يتجاوزه أحد بعد، وأصحاب الوجوه والأسماء اللامعة ليسوا أكثر من محترفين صنعتهم بلا فن. وفي نهاية جلستي معه وجدتني أسأله: هل أنت راض عن مشوارك الفني يا أستاذ؟ وكانت مفاجأة بالنسبة لي على الأقل أن أسمعه يقول: بالطبع لا، فأنا عندما أسترجع الماضي أصاب بنوع من الإحباط، فقد كانت لي طموحات كبيرة، لكني لم أحقق حتى نصفها، ولكن ما دمت حياً فسأسعى لتحقيقها، وربنا يعطيني طول العمر. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: