الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 عندما افتقدنا فننا المحلي وأغرقتنا المحطات بشخصيات كرتونية بعيدة عن ثقافتنا وعندما قدم والت ديزني فيلم «أمير من مصر» مشوها الحضارة المصرية من وجهة نظر أعدائنا ارتفعت أصوات منع عرض هذه الأعمال أكثرنا من الحديث عن السلبيات والآن لم يسمع صوت يشير إلى الإيجابية التي تحققت بتقديم بدائل نجحت في أن تزيح ما نرفضه، لا نقول أنها بلغت حد الكمال ولكنها تمتلك عوامل تقدمها وتتحسن عملا بعد آخر، وتخلق تجاوب أطفالنا وشبابنا مع أعمال مستمدة من تاريخنا مركزة على ثوابتنا وقيمنا كما يحدث الآن في أعمال التحريك المصرية لعرائس زينب زمزم من الصلصال. النجاح الكبير الذي حققته د. زينب زمزم في تقديم عرائس منحوتة بالصلصال دون التأثر فقط بمدرسة التحريك الأمريكية بل بالانفتاح على غيرها من مدارس فن التحريك الأوروبية في المجر والتشيك وروسيا، والنجاح الأكبر بالعمل في اطار مؤسسي بفريق عمل من المبدعين الشباب في كتابة السيناريو وتصميم العرائس ونحتها، بفناني تحريك غير مقيدين بأسلوب واحد بل يجربون كافة الأشكال للوصول لأسلوب يجمع بين البساطة والاتقان الفني في كل عناصر العمل من ديكورات وعرائس، النجاح في تحريكها السينمائي وتنوع أحجام اللقطات واضاءتها بفنية وظلال موحية، المونتاج وشريط الصوت المتنوع والغني بمؤثراته وموسيقاه من ابداعات مؤلفين شباب كل هؤلاء المبدعين تقودهم المخرجة د. زينب زمزم لانتاج فن التحريك بعرائس الصلصال نجح في جذب ليس فقط الأطفال بل الكبار أيضا، هل أضاف فن التحريك باستخدام عرائس الصلصال الى الموضوعات المختارة ؟ وما سبب انجذابنا كبارا وصغارا للعمل رغم معرفة غالبيتنا للأحداث وتفاصيلها كما تروى في الأحاديث والقرآن والسيرة النبوية العطرة، ولنسمع آراء المختصين في الفنون التشكيلية الذين سعدوا بتحقيق ما طالبنا به دائما من تقديم فن مستمد من تراثنا وتاريخنا الحضاري، فخري الليثي حجاج المدير الفني لفيلم يوسف شاهين «حدوتة مصرية» مصمم الديكورات والملابس يقول: «يكتسب العمل السينمائي هنا سحر عرض الأعمال النحتية ذات الأبعاد الأربعة بتأكيد البعد الرابع «الحركة» وتقديمها برؤية شخص آخر يتحرك بنا على الأعمال النحتية التي كان من المفترض أن نقوم نحن بهذا الدور الذي لا يتيسر لنا كثيرا فكم مرة ذهب بعضنا لمعارض النحت واستمتع بالتلقي المباشر لهذا الفن الجميل.يضاف الى ذلك ما لفن الصلصال الملون من حرية اضافية في الخلق والابتكار يتحقق بالتفرس فيها ومشاهدتها بدقة ومتعة اضافية، فاذا ما أكسبناها الحركة تضاعفت المتعة ثلاث مرات وأهم ميزة لاستخدام فن التحريك بالصلصال أنه يبتعد بنا عن التطابق حين يعرض لفترة زمنية من تاريخنا المقدس ويستدعيها دون أن تكتسب ملامح مؤكدة تجرح أو تشوه الصورة التي يجب أن تبقى على قداستها في ضميرنا الجمعي . فمن المعروف أننا نحب أن نعرف الكثير عن الصحابة، نستدعيهم في ذاكرتنا بشخوصهم المتخيلة كما نستدعي الأحداث التي مروا بها وصنعت أمجادنا، نستحضر الأماكن التي شهدت أفعالهم وحين نستبدل الشخصيات بممثلين من لحم ودم وأماكن تأخذ صفة التواجد كما يحققه العمل الحي «السينما التمثيلية» فانها تثبت كصورة بديلة وتمحو الأصل من مخيلتنا ويصبح اعادة تمثيل الأحداث مسخا وتشويها وخيانة لما حدث بالفعل، ولكن أن تقوم عجائن من الصلصال بأدوار شخصيات من التاريخ الاسلامي واعادة بناء الأحداث في ديكورات متخيلة يضع مسافة تبعد بما نشاهده عن المطابقة والاستبدال، ولا يمنعنا في نفس الوقت من استدعاء هذه الشخوص وتلك الأحداث ولكن بطريقة فنية فنستمتع بجلبها من خلال هذا الفن دون أن نخدش قداسة الشخصيات أو نشوه المواقع، وهو ما لا يمكن تجنبه حين يقوم ممثلون وسط ديكورات تحاول الايهام بالواقع وبملابس وخيل حقيقية تقتحم حصونا كل هذا بدلا من الشخصيات المكتسبة في سرائرنا بسحرها الخاص، فتجرح هذا السحر وتخدش قداسته حين يصبح شكل وصوت «نور الشريف» بديلا عن شكل وصوت «عمر بن عبد العزيز» الذي لا يدخر لنا التاريخ شكله أو صوته كما أنه لا توجد المراجع المؤكدة عن شكل الملابس و لا الأماكن التي عاش فيها.أما في هذا العمل «السيرة النبوية والمبشرون والمبشرات بالجنة» بعرائس الصلصال فاننا نتابع الأحداث من خلال بدائل فنية تحمل تعبيراتها على الوجوه والأجساد المنحوتة، ويتحول الصوت بالاخراج الاذاعي الذي يبتعد هو الآخر عن المطابقة لا سيما أن المخرجة تستعين بعدد كبير من المعلقين من الرجال كسمير حسني وأشرف عبد الغفور وفاروق نجيب والفنان محمد السبع ومن النساء سميرة عبد العزيز والفنانة القديرة أمينة رزق وغيرهما، بهذا الأسلوب الفني صورة وصوتا نصبح وكأننا نشاهد الحدث منعكسا على صفحة السماء أو على سطح الماء الساكن أو الرقراق أو الهادر بالحركة المدروسة التي يقوم بها فنانو التحريك بتوجيهات المخرجة د. زينب زمزم. العمل بهذه الطريقة لا يسمح لنا بالاستغراق الى حد الاندماج مع الشخوص والأحداث والأماكن ونكون قد استدعينا ما نحب دون أن نخدش ما هو مكنون وعزيز وغال في تاريخنا الانساني. وبشكل خاص سمح أسلوب العمل بالاختصار في التعبيرات ـ اليد لها أربع أصابع فقط ـ والأعداد والأماكن التي تختزل الى وحدة واحدة تسمح بتحريك منحوتات الصلصال حولها وبينها ـ ديكور الكعبة والسوق والصحراء بنخيل قليل، كل هذا الاختزال يقربه من الفن ويبعده عن المطابقة، وهذا الاختصار اكتسب صفته الفنية الخالصة تمنعنا من طرح الأسئلة عن مدى مطابقة ما نراه بما هم في تصورنا عنه وتجعلنا نرحب بهذا العرض الفني له.ومن الغريب أن الملابس والعمائم بطرزها المختلفة أتت ببساطتها أقرب الى الزمن الذي تعبر عنه في اللون والملمس من حيث التقشف ولم تسقط في بهرجة لم تكن موجودة في ذلك العصر سواء في الخامات أو الزخارف كما يحدث في المسلسلات التمثيلية ـ يقال عنها الدرامية ـ كذلك سهل التنوع في ملامح الشخصيات رجالا ونساء وأطفالا وكذا الحيوانات سواء الخيل أو الأغنام وكذا الأفيال، وهذا العديل في النسب الفعلية بين العناصر وبعضها البعض جاء لصالح العلاقة الفنية بين الأشكال التي كانت أقرب الى الرمز ولا تهدف بأي شكل من الأشكال الى المطابقة. استخدم الفنانون خامة «الفوم» مع اعطائها تأثيرات متنوعة لتعبر عن الخشب أو الحجر، واستخدمت أنواع رقيقة من الأقمشة لبعض الملابس وبعضها الآخر كان من الصلصال أيضا، تأثيرات المياه باستخدام فن التحريك الذي بلغ قمته مع قطرات الدموع اللؤلؤية. الحلول الفنية للمعارك، اللقطات القريبة لحوافر الخيل وأقدام البشر، استخدام الموسيقى التي كانت تعتمد أحيانا على آلة واحدة مثل الساكسفون أو القانون، تقديم كل هذه العناصر المختصرة أفاد التلميح بالشيء وليس تقديمه كنسخة مطابقة ماض لا ندركه تماما.ساعدت المؤثرات الصوتية من رياح وخرير مياه وصهيل خيول في اضافة تأثيرات قوية وخاصة مع المزج الصوتي الجيد للمونتير سمير ضياء الذي قدم مونتاجا متماسكا ساعده التنوع في أحجام اللقطات بابداع المخرجة د.زينب زمزم ومخرجها المنفذ سعد هنداوي الذي عرفناه مخرجا مبدعا للأفلام الروائية القصيرة، هنا يقوم بدور هام كمخرج منفذ لأعمال تحريك تخص ثقافتنا وتراثنا ومعه مدير التصوير نزار شاكر وقبلهما كتاب السيناريو لينا الكيلاني، علاء الكيلاني، حافظ الابياري، عادل الحلفاوي، وقام بتصميم الشخصيات كل من حمدي عبد العال وعلي عايش وقام بالتحريك كل من أحمد الضوي وأشرف ديهوم ورشا مجدي ومحمد فرج. فريق يكون مدرسة نجحت في تأسيسها زينب زمزم كما نجحت قبلها الرائدات في تأسيس فن السينما الروائية المصرية. أغنية العناوين متميزة بكلماتها ولحنها الذي أداه وألفه طارق فؤاد وكانت اللقطات المصاحبة جميلة وبشكل خاص لقطة الدفوف العامة وتفصيلتها القريبة، والأجمل الاحتفاظ بنفس اللحن مع تغير الكلمات لتناسب الأجزاء المختلفة للعمل «السيرة النبوية». تميزت الحلقات جميعها وأكثرها جمالا في عيون فريق العمل حلقتا الهجرة وعام الفيل، في عام الفيل بلغت الحركة وتصميم شخصية أبرهة مع الحدث وتفاصيله درجة عالية من الاتقان لعبت فيه المؤثرات الصوتية مع الموسيقى دورا كبيرا في التعبير عن الحدث الذي نعرف تفاصيله ولكن ما يجذبنا اليه الايحاء به.وفي حلقة الهجرة سمعنا طلع البدر علينا كما لم نسمعها من قبل حيث تم غناؤها بشكل يجمع بين الفطرة والجمال واستطاعت مؤلفة الموسيقى «ايمان صلاح الدين» أن تصاحبهم لاحقا بايقاع يتناغم مع الكلمات وأدائها. استطاع الفنانون أن يعبروا ببساطة وجمال عن الأحداث وأن يخلقوا الأجواء التي توحي بالعمل و لا تجعلنا نتساءل عن واقعيته بل نتقبله كبديل فني عن أحداث نثق في حدوثها من تراثنا الديني. بجانب الحلقات الدينية قدمت زينب زمزم أفلاما عرائسية حصل بعضها على جوائز في مهرجانات محلية وننتظر نجاحا أكبر مع الفيلم الطويل من التراث الفرعوني الذي يعد له حاليا. القاهرة ـ صفاء الليثي: