الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 لم تكن السينما بعيدة عن هذه القضية وقد حفلت السينما العالمية روائية وتسجيلية بنماذج عديدة برؤى مختلفة، ولم تتخلف السينما العربية والمصرية حيث قدمت نماذج اثارت الجدل ،وقد قام منذ عامين مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بتنظيم ندوة عن السينما وحقوق الإنسان عرضت ونوقشت فيها مجموعة من الافلام، بإشراف الباحث هاشم النحاس ومؤخرا قام مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء وهو عضو الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، والمؤسسة الدولية للإصلاح الجنائي، وعضو مراقب باللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بتنظيم عروض ولقاءات عن السينما المصرية وحقوق الإنسان عرضت خلالها حتى الآن ثمانية أفلام مصرية تتناول بصفة عامة تعذيب المسجونين وبصفة خاصة معاملة المسجونين السياسيين. وقد أعد الأوراق البحثية وناقش الافلام الباحث السينمائي الدكتور ناجي فوزي،وهو ضابط شرطة كبير سابق عشق السينما ودرس أكاديميا جوانبها الفنية، فهو قريبا ـ إذن ـ من الموضوع المثار،وفي نقاشه لفيلم وراء الشمس إخراج محمد راضي يعتقد في البداية مقارنة بينه وفيلم الكرنك اخراج على بدر خان 1976 الذي كان أول أفلام السلسلة بأن كلا منهما يتناول نفس الفترة تقريبا ما قبل حرب 1967 وإذا كان فيلم الكرنك يشير إلى أن فساد مراكز القوى وأسلوب تعاملها مع المواطنين هو وراء الهزيمة، فإن فيلم وراء الشمس يبدأ بمطالبة أحد قادة الجيش المصري بالتحقيق في سبب هذه الهزيمة أي أن فيلم الكرنك يبدأ بالاسباب ـ الفساد ـ وينتهي إلى النتيجة ـ الهزيمة، وفي المقابل فإن وراء الشمس يبدأ من النتيجة بحثا عن أسبابها ـ ويقدم تفاصيل التحقيق في الهزيمة من خلال عمل فني ذي طابع سياسي محض وهو يقترب من روح فيلم الكرنك بما يحمله من مضمون سياسي أولا وما يقدمه من صور الاخلال بحقوق الإنسان وكل من الفيليمن ينتمي إلى السينما السياسية وينطلق من فكرتي حرية التعبير وحرية الإنتماء السياسي وكل منهما يستند إلى نفس الخلفية الفكرية وهي هنا خلفية سياسية. تتقابل الأحداث في الفيلمين.. خاصة في مسألة الاختفاء القسري ففي الكرنك يقتاد طلبة الجامعة إلى جهة أمنية غير معلومة ويختفي طلبة وأساتذة،وفي فيلم وراء الشمس تبحث زوجة طالب جامعي عنه في السجون المدينة ولا تجده. ويتفق الفيلمان في استعراض أنواع التعذيب البدني التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون: الجلد بالسياط، والتعليق من الاقدام مع الجلد،وإطلاق الكلاب المدربة لنهش أجسام المسجونين ومنع الطعام والشراب، والتعرض لإكراه معنوي بالضغط الذهني والعقلي أو التهديد بالاغتصاب ويتجاوز فيلم وراء الشمس فيلم الكرنك في عرض مظاهر الإرهاب والتعذيب التي تقوم بها أجهزة الأمن القمعية ضد المواطنين. وبينما لا يتعرض فيلم الكرنك إلى فكرة الفساد الأخلاقي المصاحب للفساد السياسي فإن فيلم وراء الشمس يتعرض لها بوضوح ويتعرض إلى فساد الذمة: الإستيلاء على المال العام وتهريبه للخارج، كما يشير إلى فساد ذمم بعض الوزراء وإلى الاتهامات سابقة التجهيز التي تأخذ المواطن بالشبهات. أما في فيلم إحنا: بتوع الأتوبيس إخراج حسين كمال 1979 فإننا نلتقي بحالة تختلف كل الاختلاف عما شاهدنا في الكرنك أو وراء الشمس بطلاه ـ ليسا ناشطين سياسيين بل مواطنان عاديان اشتبكا في شجار مع محصل تذاكر بأتوبيس، ويذهبون إلى قسم الشرطة الذي كان لسوء حظهم يخرج بحركة غير عادية بسبب القبض على عدد كبير من الأشخاص منسوب إليهم الاشتراك في مؤامرة لقلب نظام الحكم ويحدث خلط ينتهي بإدراجهم ضمن المقبوض عليهم ..ويرسل بها إلى المعتقل وتتعرض لكل ألوان التعذيب يختفي أثرها نحن هنا أمام موقف عبثي حدث بالصدفة وينتهي فيه التعذيب إلى حد الجنون. وتشترك الأفلام الثلاثة في النهاية وهي ثورة المعتقلين على جلاديهم والمذبحة الدموية التي تحصدهم بفرض قمع هذه الثورة، الا ان فيلم احنا بتوع الأتوبيس هو الوحيد الذي يخلو من الاشارة الى الانتهاكات غير الاخلاقية التي يمكن أن يتعرض لها المسجونون أو ذويهم والذي يقدم عملا فنيا جادا لكل مراكز القوى من خلال الكوميديا السوداء. فيلم المزاج اخراج علي عبدالخالق 1997 ـ يتناول موضوع سجون النساء واحوال السجينات ويلاحظ الدكتور ناجي فوزي ان المرأة كمسجونة ظهرت في أكثر من فيلم مصري ـ مثل الاتهام لماريو فولبي 1943 والمتهمة لبركات 1942 والسجينة رقم 17 لعمر جميعي 1942 والقاتلة لحسن رضا 1949 ونساء خلف القضبان لنادية حمزة 1986 والسجينات لأحمد النحاس 1988، ويلاحظ ان كثافة ظهور المسجونات على شاشة السينما المصرية تتناسب مع فكرة انخفاض حجم اجرام المرأة عن حجم اجرام الرجل وقضية فيلم المزاج الرئيسية هي الفساد في سجن النساء الوحيد في مصر وهو سجن القناطر الخيرية من خلال استعراضه وجوه هذا الفساد داخل مجتمع السجن، وربما أن الفيلم وندوته يقامان في لقاء لمركز حقوق الانسان لمساعدة السجناء فإن الباحث ينشر تقرير المركز حول أحوال المراة داخل السجون المصرية في اشارته الى ماحدث في الفيلم من انتهاكات لحقوق المرأة السجينة وفيلم الصرخة اخراج محمد النجار الذي قدمه وناقش البرنامج حقوق الإنسان من زاوية أصحاب الاحتياجات الخاصة، تحديدا المصابون بداء الخرس أو الصم والبكم ويرى الدكتور ناجي فوزي ان اهتمام السينما المصرية بذوي الاحتياجات الخاصة وهو ما نلمسه في أفلام السينما الاوروبية والاميركية هو اهتمام قاصر ولو انه اشار الى افلام مثل السبع بنات لعاطف سالم 1967 وبطل للنهاية لحسام الدين مصطفى1963 والفرقان لمحمد خان 1993 وليلة ساخنة لعاطف الطيب 1996 ويناقش فيلم الصرخة قضية حقوق الإنسان من خلال تعرض شاب معوق أصم أبكم اتهم باغتصاب فتاة، ويتعرض لاهدار حقوقه الانسانية ليس من قبل الشرطة أو المحكمة بل من خلال شخصيات خارج هذه الهيئات السلطوية ورغم ترحيب النقاد بالفيلم فكرة وإخراجا فقد أدان كثير منهم نهايته وعن انتقام الصامتين الصم والبكم مما يفقد التعاطف معهم. يجدر التساؤل بعد هذا..هل ساعدت هذه الافلام وغيرها إعادة النظر فيما يتعرض له المسجونون وخاصة السياسيين منهم من سوء المعاملة؟ وهل ساعدت على إيجاد رأي عام يدافع عن حقوق الإنسان؟ وهل وصلت رسالتها؟! القاهرة ـ فوزي سليمان: