الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 يحاول الفنانون السوريون تجديد الالوان الدرامية التي يصورونها على شاشة التلفزيون، وضمن هذا التوجه ثم تصوير المسلسل التاريخي الجديد «نساجة ماري» تأليف المحامية ناديا الغزي وسيناريو وحوار جمانة نعمان، واخراج عصام موسى، وانتاج التلفزيون السوري. وقد نسجت المؤلفة ناديا الغزي دراما قصتها من مصادر تاريخية لمختصين في تاريخ الشرق القديم، ومن رقم وألواح اثرية، اكتشفت في مملكة ماري التي كانت قائمة على ضفاف نهر الفرات قبل الميلاد، وسبق ان صدرت القصة ضمن مجموعة قصصية بعنوان «حكايا صلصالية لنساء ميتات». جرائم من الشرق القديم، وفيها ثلاث حكايات «احبك يا ابيلا، نساجة ماري، ارملة توت عنخ آمون». وتعود حكاية «نساجة ماري» الى عام 1700 قبل الميلاد. وطبعا لعب الخيال دوره في نسج خيوطها، كما قامت كاتبة السيناريو بنسج الخيوط الدرامية للتلفزيون. وقد تم تصوير المسلسل في منطق وادي قنديل شمال مدينة اللاذقية، حيث لاتزال المنطقة تحتفظ بطبيعتها الفطرية، وقد بنيت عليها منشآت مملكة ماري ويمحاض ومعبد حيث، وغيرها من الديكورات التي تقرب اجواء العصور القديمة الى عيون المشاهدين. وفي زيارة لموقع التصوير التقينا اسرة المسلسل، وتحدث المشاركون فيه حول انطباعاتهم عنه. القيم والطقوس بدأ المخرج عصام موسى حديثه الينا عن اجواء ومحاور المسلسل، فذكر ان «نساجة ماري» يعالج قيما انسانية، وقضية الموت والحياة، وصراع الانسان مع الطبيعة القاسية، ويؤكد قيم النبل والتضحية والاخلاص والعدالة، كما يؤكد على وجود صراع ازلي قديم بين الخير وبين الشر، ويلاحظ تبادل الثقافة والخبرات بين الشعوب، من خلال حكاية مكتوبة على رقم اثري، وفي مصادر متعددة في مملكة ماري القديمة. وتدور الحكاية حول امرأة تفقد زوجها فتكافح وحيدة للعيش مع ابنتها بكرامة وتتبنى طفلاً يدعى «حمو ايبو» يعيش معهما، لكن ابنتها معراة عشتار تغار منه، وتقدم له عشباً ساماً فيصاب بالجنون، وعندما تكتشف فعلتها، يدعون عليها، فتتقدم الأم وتعترف انها فعلت ذلك لتدرأ العقاب عن ابنتها، وتقدم الأم الى المحاكمة، ويحكم عليها بالقاء نفسها في نهر الفرات، وفق تقاليد ذلك العصر. ويتضمن المسلسل تفاصيل الحياة اليومية وطقوس وعادات وتقاليد المملكة. ـ الى اي حد تتوافق الحكاية مع الوثيقة التاريخية؟ ـ تمت العودة الى المصادر التاريخية المتاحة، لتغطي اجواء ذلك العصر، لكننا لا نقوم بعملية توثيق وانما نقدم دراما تستند الى حكاية قديمة، ونقدم الطقوس الدينية والعادات حسب فهمنا لما اخذناه من المصادر وبشكل درامي يتناسب مع طبيعة النص والزمن المعاصر. ـ ما هي حدود الخيال في نسج الحكاية وتصويرها في عمل تلفزيوني؟ ـ بالتأكيد مسلسل «نساجة ماري» ليس فانتازيا تاريخية وهو مستمد من مرجع تاريخي، ولكن طبعاً يجتهد المؤلف وكاتب السيناريو والمخرج في تقريب صورة ذلك العصر الى المشاهد وهذا الاجتهاد يحدث حتى في الدراما الاجتماعية المعاصرة وسيزول هذا الاشكال عندما سيرى المشاهد اجواء درامية غير مألوفة ولم تلحظها الدراما التلفزيونية من قبل. ـ وماذا عن عملك كمخرج؟ ـ لكل عمل تلفزيوني خصوصية في اظهار الاحاسيس والصراع، وبالتالي له مناخه وايقاعه الخاص، وقد بنيت الايقاع الداخلي للعمل بناء على معطيات الاحاسيس المكتوبة، اي بما يتوافق مع طبيعة النص، وليس من خارجه، وابحث عن الحلول الاخراجية التي تساعد على تحقيق هذا الايقاع. وتقوم بدور نساجة ماري الفنانة سلاف فواخرجي حيث تتمثل تلك المرأة المكافحة المخلصة.. وقد قالت عن دورها دوري في «نساجة ماري» ناراما، دور خاص لامرأة خاصة وقد احببت هذا المسلسل واديت الشخصية بمشاعر الغبطة، لاننا نادرا ما نرى مسلسلاً يقوم على شخصية رئيسية نسائية، واشعر ان الشخصية التي أؤديها قريبة مني.. فهي شفافة وطموحة ومكافحة، وعندها حب للتجربة، وتنذر حياتها لابنتها رغم كثرة المآسي والمعاناة في حياتها، وربما كانت هذه المعاناة دافعاً لها لتبقى قوية، وتقف على قدميها حتى آخر لحظة. ـاذن اعجبك في الفترة التي تدور فيها اجواء المسلسل؟ ـ الفترة جميلة جداً وغنية جدا، ولأول مرة يتطرق لها عمل تلفزيوني والاجمل ان هذه الفترة موضوع دراستي الجامعية، لذلك استمتعت بها كثيرا، والآن اقوم بالتحضير لتقديم رسالة ماجستير في علم الاثار بجامعة دمشق، وبهذا تضاعف سروري، ولاسيما انني ارى ان هذه الفترة من الفترات التاريخية المهمة، وعملت انعطافاً في تاريخنا، اذ تؤكد ان سوريا بلد حضارة وفيها اشياء غنية ثقافيا وحضاريا ولعبت ممالك ماري وايبلا واوغاريت دوراً حضارياً يشهد به المؤرخون وتؤكده الآثار المكتشفة. إياس.. حارس المعمل ويشارك في تجسيد شخصيات المسلسل الفنان الشاب اياس ابو غزالة الذي يؤدي وظيفتين وقد تحدث عن دوره فقال: ـ دوري ضمن المسلسل حارس معمل النسيج الذي تعمل فيه بطلة الحكاية وفي الوقت ذاته احد كهنة المعبد القديم. وألعب هنا شخصية ايجابية تجسد القيم والمشاعر الانسانية النبيلة واحاول ان اصل الى صيغة توضح هذه الشخصية بكل صفاتها. ويتابع اياس حول مضمون المسلسل قائلاً: العمل جميل مكتوب بلغة جميلة ويتطرق الى مرحلة تاريخية سبق ان قرأنا عنها ولم نشاهدها في الدراما التلفزيونية، ونكشف في المسلسل عادات وتقاليد وطقوس مملكة ماري ونكتشف فيها الفن الحضاري والانساني ومختلف النوازع البشرية. وتؤدي الفنانة الشابة لونا حسن دور صديقة البطلة وهذا اول دور تلعبه على الشاشة بعد تخرجها من المعهد العالي للفنون المسرحية.. تقول لونا: امثل في نساجة ماري دور خاشيرا.. فتاة في مقتبل العمر.. لطيفة مرحة.. تملك روحاً طفولية، تعمل في معمل النسيج وتتعرف على ناراما، وتقوم بينهما صداقة قوية، وتتعلق بابنتها معراة عشتار. وتضيف حول خصوصية الدور: دوري له خصوصية نابعة من خصوصية المسلسل، فهو يحكي عن تراثنا القديم الجميل، ويسعدنا ان ننقل هذا التراث الى شاشة التلفزيون. وقد سررت كثيراً عندما عرض عليّ الدور، ولاسيما انه التجربة الاولى واعمل وانا مرتاحة نفسيا، واشعر انني اعمل شيئاً واتمنى ان تكون النتائج جيدة. ويوجد تقاطع بيني وبين الشخصية التي امثلها، هي نشيطة، وذات علاقات اجتماعية وتتميز بالحيوية والحركة، حتى يقال «عند خاشيرا الخبر اليقين». بالطبع يحتاج المسلسل التاريخي الى ملابس خاصة تناسب الفترة التي تدور فيها الاحداث، وتقوم بهذه المهمة في «نساج ماري» المهندسة سهيلة ابراهيم التي تحدثت عن عملها فقالت: نحاول في هذا المسلسل ان نضع اللباس المعقول، لنعطي الصفة العامة لاجواء المسلسل، فالازياء في الحضارات القديمة تختلف باختلاف البيئة، وفي نساجة ماري.. نلاحظ ان البيئة نهرية، وبالتالي هناك سمة للباس، مثلا ان يكشف جانب من جسد الانسان، وقد عدت الى بعض الوثائق المتعلقة بأزياء ماري، وحاولت ان تكون قريبة منها، لكن لبعض الاعتبارات المعاصرة، لا نستطيع ان نطبق اللباس القديم بحذافيره وتفاصيله، وايضا نتدخل في الالوان لان الالوان قديماً لم تكن متنوعة. وذكرت المهندسة سهيلة انها مسرورة في هذا العمل، لان المخرج اعطاها مساحة جميلة للمبادرة كما ان الجهة الانتاجية وبالتعاون مع ادارة الانتاج وفرت من المتطلبات ما هو متاح. وتشارك في المسلسل الروسية نالتايا شنشكوفا وهي تعيش في سوريا منذ سنوات بحكم زواجها من سوري وكانت قبل قدومها الى سوريا تعمل في استديو موسفيلم الشهير بموسكو و«نساجة ماري» هو اول عمل لها في الدراما السورية. وتقول بلغة عربية مفهومة انها حاولت وضع خبرتها في العمل، وعادت الى بعض المراجع، وتعاونت مع اسرة المسلسل ليأتي العمل متكاملاً، وقد استقت معلوماتها عن ماري من مكتبة في موسكو فيها مراجع عن مختلف الحضارات. ويتحدث مدير انتاج المسلسل مصطفى الحكيم عن عمله، حيث اعادنا الى بداياته مؤكداً اهمية التعاون الذي تم مع المخرج والجهة الانتاجية فقال: تم تقديم النص الى التلفزيون السوري كمشروع عمل تاريخي يحكي عن فترة تاريخية قديمة وكان من الممكن ان يكون مكلفاً من الناحية الانتاجية بدرجة كبيرة، اذ يتضمن بناء ديكورات ممالك ومعابد وبيوت ريفية ونظراً لاننا نعرف مسبقا وجود مواد مناسبة تملكها الهيئة اقترحنا استغلالها هي والموقع الذي بنينا فيه الديكورات مما خفض التكلفة الانتاجية وبذلك يمكن ان نعتبر عملنا في مسلسل نساجة ماري تجربة انتاجية تستحق ان تؤخذ بعين الاعتبار عند تنفيذ مسلسلات مماثلة في المستقبل. ويرى مصطفى الحكيم ان التنظيم المسبق للعمل، والتعاون الودي بين اسرة المسلسل، وتفهم الجهة الانتاجية لطبيعة العمل، كل ذلك يساهم في توفير اجواء ايجابية للعمل واظهاره بالشكل المناسب. ويضيف ان المال الكثير لا يعني بالضرورة انتاج عمل جيد، وحسب التجربة يمكن صنع مسلسل جيد بامكانات عادية، ولكن طبعاً وجود تمويل مناسب ضروري لانجاح العمل.