الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 ابو بكر سالم احد الفنانين الذين يقدمون خلاصة تجربة نصف قرن في معترك الفن والابداع، فمنذ خمسينيات القرن الماضي وابو بكر لا يزال منافسا قويا وعنيدا لكل الاجيال التي سبقته او جاءت بعده، قدم في مختلف المراحل الاغنية العاطفية والوصفية وابدع فيهما غاية الابداع. كما كان في الاغنية الوطنية فارسا متفردا، لم يترك بلدا عربيا الا وغنى لأمجاده، وعلى مستوى القصيدة كان أول من غنى من شعر ابي القاسم الشابي حين اطرب وأبدع بأغنيته الشهيرة «الصباح الجديد»، وعلى مستوى التعاون مع الفنانين الاخرين كان السباق في اعطاء الحانه لعدد كبير من الفنانين العرب بداية بالفنانات نجاح سلام وهيام يونس ورويدا عدنان مرورا بوردة وأصالة ووليد توفيق وأصيل ابو بكر وعبدالمجيد عبدالله وغيرهم. ويعد أبو بكر احد عباقرة الغناء العربي فهو بحر كبير من الابداع والعطاء يمتد بين اجيال الماضي والحاضر ورائد من رواد الاغنية في الخليج والجزيرة العربية، اصيل وعاشق للتراث، حافظ أمين لايقاعات نغم الجزيرة، بل هو علامة فنية ابداعية في ساحة الغناء والموسيقى العربية. هذا هو ابو بكر سالم المولود في مدينة تريم في محافظة حضرموت تربى ونشأ على تربتها الخضراء شاديا ومغنيا واستطاع ان يحفر اسمه على جدران الطرب والموسيقى، ثم جاءت عدن بسواحلها الذهبية ورقة وطيبة ناسها لتمثل له مرحلة ذهبية من حياته، وكان بصوته الفريد ونهجه الجديد في استلهام التراث الموسيقي الحضرمي واحدا ممن قدموا للجمهور العربي غناء عربيا اصيلا. في هذا الحوار الذي امتد لساعات طويلة تحدث الينا عن مشوار حياته الفنية والمحطات التي تعتبر علامة مميزة لمشوار امتد لأكثر من 50 عاما، وبداية طرحنا عليه السؤال التالي: خلال مشوارك الطويل في مجال الغناء والموسيقى خضت اكثر من تجربة في التوزيع الحديث للغناء الحضرمي ثم الغناء الصنعاني.. كيف تقيم هذه التجربة وهل في نظرك تقبلها الجمهور؟ نجحت في الامتحان مثل هذه التجارب لا تأتي من فراغ انما هي ثمرة جهود جاءت بعد سنين طويلة من الخبرة ومعرفة ما يمكن ان يقدم وان يتقبله الجمهور، واللون الغنائي الحضرمي بايقاعاته المتميزة ومفرداته الشعرية هو لون يستحق فعلا المغامرة وقد قمت بمزج هذا اللون الجديد على اذن المستمع العربي بقالب اوكسترالي وبتوزيع موسيقي حديث وكان الهدف انتشال هذا اللون الغنائي العريق من رواسب الغموض والاندثار وفي المرحلة الثانية عملت على تطوير اللوان الغنائي الصنعاني وقدمت سبع اغان تراثية ايضا بتوزيع موسيقي حديث واعتقد ان كلا التجربتين نجحتا وتقبلها الجمهور وتفاعل معها. ـ يلاحظ من خلال اعمالك القديمة والجديدة اهتمامك الكبير بالتراث ما علاقتك بالموروث الشعبي؟ ـ اذا اردت الحقيقة فان الفنان لا يمكن ان يطور نفسه اذا ابتعد عن تراثه ومنطقتنا معين نابض وزاخر بالتراث ما قام به الاولون جسد عشقهم للغناء لذا قدموا فنهم دون شوائب مما جعله اصيلا وجميلا بالرغم من انه لم يصل لعدد كبير من الناس وبالنسبة لي فان لغتي مليئة بمفردات الموروث الشعبي وانا واحد من ابناء هذه المنطقة الخليج والجزيرة العربية الذي يرى بأن عليه مسئولية اخراج مثل هذه الاعمال للنور وكل ما قدمته سابقا وما اعمل عليه الآن يصب في هذا الاتجاه. ـ هل هناك نية لتجديد بعض اعمالك القديمة؟ ـ كثير من الاغاني القديمة التي قدمتها في مرحلة الستينيات من القرن العشرين ارى انها جاءت في زمن لا يمكن ان يتكرر واعترف ان بعض هذه الاعمال الغنائية جاءت نتاج استعجالي للشهرة والآن اختلف الامر لقد أصبحت اكثر مسئولية لذلك احرص كثيرا على اختيار المفردة الشعرية والجملة الموسيقية وصرت اصبو الى الكيف وصقل الكم والماضي ما هو الا ذكريات اهفو اليها كلما هزتني نسائم الشوق وارى انه لا فائدة من تجديد اغان مر عليها اكثر من 30 سنة. ـ لنقف امام محطة من محطاتك الغنائية القديمة ما هي الاعمال التي كتبتها لغيرك؟ ـ كثيرة هي الاغاني التي الفتها وتغنى بها غيري واتذكر البعض منها وليس كلها ومنها «يا ساهر الليل وقلي باتوب» للفنانة هيام يونس وأغنية «من نظرتك يازين» للفنانة نجاح سلام و«ليلة» لنازك و«يا حبيبي يا خفيف الروح» لفدوى عبيد و«تقول انسى» للفنانة ليلى شفيق ويلاحظ ان جميع الفنانات من لبنان وكان هذا ثمرة تعاون اثناء اقامتي هناك وتوالى بعد ذلك التعاون مع الفنانة وردة والفنان الراحل طلال مداح وعبدالمجيد عبدالله وأصيل ابو بكر وذكرى وأصالة وغيرهم. ذكريات بيروت ـ بمناسبة ذكرك لبيروت متى كانت اول زيارة لها؟ ـ كانت اول زيارة في عام 1961 حيث التقيت عددا من فناني وفنانات لبنان كما سجلت لتلفزيون بيروت مجموعة من الاغاني من ضمنها دويتو مع الفنانة ليلى شفيق وكانت فرقة الصديق عبود عبدالعال القاسم المشترك في كل الاغاني التي سجلتها بصوتي او بصوت غيري من الفنانين وظللت ازورها الى عام 1967 بعدها انقطعت عن زيارتها لأكثر من سبب وعندما استقرت الاوضاع هناك قمت بزيارتها مؤخرا وكان ذلك بعد ثلاثين سنة من الفراق وتركت هذه الزيارة انطباعا جميلا في نفسي حيث التقيت اصدقائي الفنانين واعدنا ذكريات تلك السنين. نكسة الأغنية ـ بصراحة ما هو رأيك بالأغنية العربية في الوقت الراهن؟ ـ حاليا ليس هناك بوادر تفاؤل فمازالت الاغنية العربية تهرول نحو الابتذال الرخيص وكما قلت توجد اليوم ظاهرة غير صحية في الساحة الغنائية العربية اصحابها ليس لهم علاقة بالغناء والموسيقى. ـ في نظرك هل ستنتهي هذه الظاهرة؟ ـ لا توجد بوادر تفاؤل وانما في المستقبل قد تكون هناك حلول عملية فأمام هذا الكم الكبير من مؤسسات الانتاج الفنية والفضائيات التي اصبحت منتشرة في كل مكان لا أعتقد اننا سنعثر على الحل ببساطة. ـ نريد رأيا اكثر وضوحا.. هل توجد نكسة في الاغنية العربية؟ ـ الأغنية العربية اعادتنا للخلف مائة سنة واصبح معظم ما يقدم معادا ومكررا وبصراحة اكثر ما نسمعه اليوم بعيدا عن الذوق العام وفي اعتقادي أن الجميع يتحمل مسئولية هذا التراجع. ـ اذن من يعجبك من الاصوات الغنائية الموجودة في الساحة الآن؟ ـ هناك أصوات كثيرة تشدني مثل عبدالمجيد عبدالله وعبدالكريم عبدالقادر ونبيل شعيل وأصيل ابو بكر وراشد الماجد وذكرى وانغام وعبدالله الرويشد. ـ ومن أصوات الفنانات الخليجيات؟ ـ لا شك نوال وأحلام. ـ نريد رأيك بالفيديو كليب هل أنت مع أو ضد؟ ـ المسألة ليست مع أو ضد فالقضية هنا مسئولية ما يمكن ان تقدمه وتوجد أعمال صورت بطريقة الفيديوكليب تستحق المشاهدة لأنها تحمل فكرة جملية ورؤية فنية فيها ابداع وتحديث وبالمقابل هناك اعمال غنائية صورت للاستهلاك فقط وتغطية ساحة بث هذه الفضائية او تلك وشخصيا كان اخر تصوير لي في اغنية «سرقت النوم من عيني» للشاعر الاماراتي احمد بن ظاهر وعملت رؤية تصور سهر الحبيب وشجنه وعرضت بشكل جيد مزج بين الكلاسيك والدراما كان محورها المرأة من بداية التصوير حتى نهايته اما الطرف الاخر وهو الرجل لم يكن موجودا وانما باشارة رمزية «طاقية» يكتب عليها عنوان تظل الحبيبة تذهب اليه وتنتقل من مكان الى آخر ولكن دون جدوى وينتهي بها الأمر الى حالة اقرب الى اليأس بأنها لن تراه وتنتهي فعلا الى فقدان من ظلت تبحث عنه. ـ هل لنا برأي صريح حول ابنك أصيل أبو بكر؟ ـ تحدثت في هذا الامر كثيرا وقلت ان اصيل موهبة غنائية حيث شق طريقه بنفسه ودوري جاء متأخرا اي بعد انطلاق أصيل بألحانه ثم بغنائه وأنا لا أبخل برأي أو نصيحة لأصيل أو أي صوت موهوب فالفنان الذي يجد انه قادر على امتاع جمهوره بصوته وأعماله الغنائية عليه ان يشق طريقاً شاقاً. حوار: جميل محسن