السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 لفترات متعاقبة حمل المطرب السعودي محمد عبده القاباً عدة منها «فنان العرب» و«عندليب الجزيرة» والقابا حازها، بسبب صوته الذي يعد من اجمل الاصوات الغنائية العربية، كلقب «شخصية العام 1990». يتميز محمد عبده بقدرته على التعامل مع جميع الطبقات اللحنية، ونغمته الشجية في حنايا أوتاره الصوتية، واستطاع خلال مشواره الفني الطويل ان يمنح نفسه قدرة على الاستمرار في طريق النجاح والعطاء الفني المتجدد وبالرغم من تعرضه للكثير من العقبات والتحديات إلا انه تجاوز كل المحن والصعوبات ولم يستسلم لقناعته بأن طريق الفن الاصيل دائما محفوف بالمصاعب والمخاطر، وخلال فترة تعرفي اليه ومرافقتي له لاكثر من عشرين يوما في احدى زياراته لدولة عربية وجدت ان ابا عبدالرحمن شديد الحرص على تقديم الجيد والاصيل والمحافظة على مستواه الفني الذي ضحى من اجله بالكثير واذكر انه في احدى حفلاته شعر بالخوف لانه سيغني امام جمهور يعتبره من افضل الجماهير العربية الناقدة وطلب مني حينها ان اشاركه في اختيار اغانيه لهذا الحفل باعتباري قريبا من الجمهور الذي تفاعل وظل يطلب منه الاغنية تلو الاخرى حتى وقت متأخر من الليل.. انه مطرب حريص على الانتقاء والاختيار لذلك خرجت معظم اغانيه جميلة ورائعة بل وبديعة في الحانها ومفرداتها الشعرية، ان مطرباً كمحمد عبده يعد بحق واحدا من افضل المطربين العرب في القرن العشرين وواحداً ممن حافظوا على مستواه ومكانته دون تأرجح بين الصعود والهبوط. الابحار معه في طريق ومشوار مليء بالعطاء المتفرد والمتميز، يجعلك تتوقف امام اهم محطاته الفنية وكان لابد من اجراء هذا الحوار الذي ينقلنا الى عالم هذا المطرب الذي لايزال فيه محلقا، وبدايتنا معه كانت من المحطة الاولى: ـ الفنان محمد عبده كيف لمع اسمه، ومتى بدأ في تحقيق حلمه؟ ـ البداية في عام 1957 عندما كنت اقدم الاناشيد في المدرسة، ولكن بعد مرور ثلاث سنوات التحقت بالمعهد الصناعي بجدة وخلال اربع سنواع 1960 ـ 1964 هي فترة الدراسة التي امضيتها بحثا عن تعلم مهنة تقيني العوز والحاجة خاصة انني من أسرة فقيرة جاءت من جنوب السعودية، في هذه المرحلة بدأت اهتم بالغناء والموسيقى واقوم بين وقت وآخر بتقليد عدد من الفنانين السعوديين المشهورين انذاك امثال سعيد ابو خشبة، محمد علي سندي، طارق عبدالحكيم، طلال مداح، ولكني حقيقة لم اتأثر بشخصية دون غيرها وادركت ان علي البحث عن طريق خاص يميزني عن غيري ووجدت في الالوان الغنائية السائدة وقتها وخاصة الغناء المحلي السعودي «الحجازي» طريقا للتميز والتفرد عن غيري وفعلا اجدت وبرعت في هذا النهج الجديد الذي اخترته لنفسي، وفي العام 1964 وبعد ان وجدت ان الانطلاق نحو آفاق ابعد قد يساعد كثيرا على تحديد هويتي الفنية، فكرت في السفر الى خارج السعودية، وكانت اول محطة اتجه اليها هي بيروت وهناك مع الشاعر الراحل طاهر زمخشري والموسيقي الراحل عمر كدرس، شكلنا ثلاثيا في الكلمة واللحن والاداء وقمت بتسجيل مجموعة من الاغاني منها «حصلت عيني من سنين» و«يا ساربة خبريني» و«قوم ياسامعة بها» وكانت مصاريف هذه الرحلة على نفقة الاذاعة السعودية. ـ اذن بيروت هي محطتك الاولى، فما هي المحطة الثانية التي كانت وجهتك اليها؟ ـ المحطة الثانية رحلتي للكويت وهي اول محطة خليجية وسجلت لاذاعة الكويت مجموعة من الاغاني الجديدة والتي اعتبرتها نقطة انطلاق كبيرة لي كمؤد وكملحن ومن الاغاني التي سجلها «هلا يابوشعر ثاير» «الحب الكبير» واثناء توقفي في هاتين المحطتين قمت باحياء عدة حفلات كانت ناجحة بشهادة الكثير ممن حضر هذه الحفلات او من قبل الكتاب والصحفيين، وبالرغم من هذا النجاح إلا انني كنت انظر الى ما هو ابعد من ذلك. التمثيل ـ ماذا تقصد.. المزيد من النجاح والتحليق في عالم الغناء؟ ـ اجل كانت هناك محطة ثالثة وهي محطة ضرورية لاستمرارية النجاح وتأكيد هويتي الفنية، وهذه المحطة التي غيرت الكثير من طريقة الاداء واختيار ما هو أجمل واضافت لي اشياء كثيرة وكانت القاهرة وهي محطتي الثالثة وقمت بزيارتها أول مرة في عام 1969. ـ ماذا سجلت في القاهرة، وهل اضفت الى جانب موهبة الغناء موهبة اخرى؟ ـ في زيارتي الاولى قمت بتسجيل بعض الاغنيات ولاسباب لم تظهر هذه الاغاني، ثم كررت الزيارة في عام 1971 وهناك ولأول مرة اقوم مع المنولوجست السعودي حسن دردير بتصوير المسلسل الاول والاخير لي «اغاني في بحر الاماني» وسجلت في هذا المسلسل «يامركب الهند» و«ياعيني الحنان» وغيرهما من الاغاني التي سبق وقدمتها واشتهرت في وسط الجمهور الخليجي، اما زيارتي الثالثة فقد كانت العام 1973 وهي زيارة مختلفة كلياً حيث اصبحت فناناً معروفاً في الوسط المصري، ولاول مرة اشارك في البرنامج المشهور «اضواء المدينة» وهذه المشاركة هي امنية كل فنان عربي يريد الانطلاق نحو آفاق الطرب والمغنى، وقدمت في هذا البرنامج اغنيتين هما «أيوه» و«في أمان الله» الأوفياء ـ هذه الشهرة الكبيرة والواسعة قامت على اساس الموهبة، ولكن كان لابد من وجود اشخاص لهم فضل تنميتها وصقلها وتقديمك للساحة الفنية؟. ـ هذه حقيقة واي فنان في بداية طريقه كان عليه ان يجد من يقف معه ويمكنه من تسلق سلم النجومية، واحمد الله انني وجدت الكثير من الاصدقاء والفنانين الذين سبقوني بالخبرة والتجربة، ومن هؤلاء اسماء بارزة في الوسط الفني منهم من تغمده الله برحمته ومنهم من امد الله في عمره ومنهم الموسيقي الراحل عمر كدرس والشاعر الراحل طاهر زمخشري والشاعر ابراهيم خفاجي والموسيقار طارق عبدالحكيم ولكن يبقى الشخص الاول الذي كان له تأثير علي سمو الامير عبدالله الفيصل الذي غنيت له (يا عيني هلي واستهلي وهاتي) و (هلا يابو شعر ثاير) كذلك سموالامير خالد الفيصل الذي له تأثير مباشر علي في حياتي ويعود له الفضل في تعليمي الغناء النجدي بمفرداته الشعرية النبطية وكيف اقدمه بلغة راقية فكنت اجلس الساعات الطويلة لاردد على سموه كيفية لفظ الكلمات ونطقها السليم، ومن المواقف الطريفة التي ارعبني فيها سموه انه عندما ارادني لاغني في منطقة عسير ارسل لي رجالا من الشرطة ليحضروني دون علمي او الى المكان الذي سأنقل اليه ولم اشعر الا وانا واقف امامه وهو يضحك من هذا الموقف الجميل. ـ لنتحدث قليلا عن الاوسمة والالقاب التي حصلت عليها؟ ـ كل الشهادات التقديرية والاوسمة لا تعد شيئا امام تقدير الجمهور وحبه لي، حقيقة نلت المئات من الأوسمة ومثلها من الشهادات التقديرية واحتفي بي في العشرات من حفلات التكريم واول تكريم عربي اسعدني كثيرا كان من الرئيس اليمني الراحل ابراهيم الحمدي وشعوره الوطني بانني قدمت الرسالة الفنية بصدق وامانة كذلك حصولي على وسام الدولة للثقافة من تونس واطلاق اول لقب لي باعتباري فنان العرب وهو اللقب الذي اطلقه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. لا للفيديو ـ انقطاعك لفترة عن الغناء وصفتها بمرحلة التقييم والاختلاء مع النفس .. هل حققت ذلك؟ ـ الاجابة نعم وهي مرحلة لتقييم كل ما قدمته للجمهور ودراسة متأنية لما اريد ان اقدمه مستقبلا وكشفت هذه الفترة عن اشياء كثيرة كانت غائبة عن عيني كما اعطتني مزيدا من الوقت للاهتمام بأولادي ورعايتهم، وايضا متابعة بعض اعمالي الخاصة واعترف انني عندما عدت الى الساحة الفنية كنت قد ادركت جيدا ما الذي يريده الجمهور واعتقد انني وفقت في ذلك. ـ انت من الجيل القديم وتعيش اليوم مرحلة جديدة من طريقة الاداء والكلمة وانتشار الفيديو والسينما كليب .. كيف تقيم الفن قديما وحاضرا؟ ـ التقييم هنا يحتاج الى متابعة جيدة لكل ما يقدم في الساحة الفنية ولكن دعني اكون اكثر تحديدا في طرح ما اريد قوله، هناك فرق بين الجيل الماضي والجيل الحاضر نحن تربينا ونشأنا على اساس سليم يقوم باكمال مابدأه الاولون من الفنانين والمبدعين، جيل اليوم يسابق الزمن ويلهث وراء النجومية السريعة والكسب السريع، وأتمنى أن تكون هناك وقفة من البعض ليقيم نفسه فرسالة الفن ليست شهرة ومالا فقط، بل هناك حاجات انسانية واجتماعية يجب الاهتمام بها، أما موقفي من الفيديو والسينما كليب فمازلت عليه، فأنا لا أصلح لهما واغنياتي طربية أكثر من كونها أغان راقصة، ولا أعتقد في الوقت الحاضر أو في المستقبل البعيد انني سأخوض تجربة كهذه. موقف لا ينسى ـ محمد عبده فقد خلال الفترة الماضية صديقين من أعز أصدقائه.. ما التأثير الذي تركاه في نفسه؟ ـ أجل فقدت الفنان والصديق والأخ طلال مداح والموسيقار وصديق العمر عمر كدرس، والحقيقة بقدر ما تركاه من فراغ في الساحة الفنية، فقد فقدنا اثنين من ابرز المبدعين الصادقين في مجالنا والمجال الانساني، وعلاقتي بهما تجاوزت الصداقة الى مفهوم أعمق، وأعترف بأنني حزنت لفقدانهما أشد الحزن، وحالياً لا أملك سوى الترحم عليهما، وأتمنى ان نعيد أعمال هذين المبدعين بشكل أفضل بحيث لا يسييء لتاريخهما الطويل، وهناك أكثر من جهة لتقوم بذلك. ـ في محطتنا الأخيرة ما الذي تغير في أبي عبدالرحمن اثر الموقف الأخير في دبي الذي أدى الى الغاء حفلك الغنائي؟ ـ في الجانب الانساني والوطني فلا شيء تغير لديّ، فالفنان لا ينفصل عن مجتمعه وقضاياه، وسوف اواصل رسالتي في هذا المجال مع الحرص على ألا يتكرر الموقف الذي حصل في دبي، ومساهماتي في الأعمال الخيرية والتطوعية سوف تستمر لكونها أنشطة انسانية ومن صميم الرسالة الفنية وواجب على الفنان ان يقدمه للمؤسسات الانسانية تماماً كما يحصل الأمر في الواجب الوطني. حوار: جميل محسن