الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 في هذه الحلقة نتواصل مع الكاتب ديفيد روبنسون مؤلف كتاب تاريخ السينما العالمية حيث يستعرض استمرار مسارح اراضي المعارض في بريطانيا حتى عشية الحرب الأولى، وفي فرنسا لوقت اقل حيث ادى ظهور دور السينما الثابتة ما بين عامي 1905 و1906 الى كساد نشاط العارضين الجائلين او الى دفعهم للعمل من خلال دار العرض الثابتة بمالها من مكانة محترمة. أما أميركا، بمقاطعاتها، الأكثر اتساعا ومجتمعاتها الزراعية الألين تحديدا، فقد كان لها تقليد مغاير لتقاليد اوروبا فيما يتعلق بأراضي المعارض، ومالت للانتقال المباشر من مسارح قاعات الموسيقى الى دور السينما. هذا الانتقال المباشر الى نظام دور العرض السينمائي الثابتة ساعد عليه اضراب حفلات المنوعات في 1900 حين واصلت بعض مسارح المنوعات عملها ببرامج تتكون من الافلام فقط. كانت الصور المتحركة، في الولايات المتحدة، قد رأت الضوء لأول مرة (والكلام هنا على سبيل المجاز) في اروقة عرض صندوق الدنيا، والتي تحولت فيما بعد الى قاعات لعروض الكاينتوسكوب، وكانت خطوة منطقية ان يتم تقفيل الرواق مع وضع شاشة بأحد طرفيه لخلق دار سينما صغيرة، وقد افتتحت اول دار عرض على هذا النحو، دار «المسرح الكهربائي»، بمعرفة توماس تاللي في لوس انجلوس سنة 1902، مما ادى الى تحويل العديد من الأروقة والمحلات الصغيرة الى دور سينما ذات خمسة سنتات. ومن 1905 بدأت دور السينما الثابتة تتكاثر في العالم كله، في أميركا، حيث اثبت الفيلم السينمائى جدارته باعتباره وسيلة تسلية للطبقات العاملة، افتتح اول نيكلوديون، في 1905 في بيتسبرج. (هذه التسمية التي تشير بدهاء الى المستوى الاجتماعي الاقتصادي والايحاءات المتعلقة بالمسرح على السواء قدر لها ان تصبح اسما نوعيا لدور السينما الاولى). وخلال ثلاث سنوات كان هناك عشرة آلاف دار بهذا الشكل في الولايات المتحدة. في فرنسا، حيث افتتح اول دار سينما ثابتة على يد الاخوين لوميير في 1897، بدأ الحماس لبناء مثل هذه الدور فيما بين 1905 و1906، وفي انجلترا كان هناك قاعة ثابتة تعمل يوميا «دايلي بايوسكوب» منذ 1904، كما تم تحويل العديد من القاعات والمسارح القديمة مثل «بالهام امباير» وفي 1908 تم بناء اول دار مخصصة كلية للعروض السينمائية وهي قاعة «سنترال هول» الصغيرة في كولن بلانكشاير. وفي روسيا وصل الامر بعد 1905 الى وضع تشريع حكومي للحد من انتشار دور السينما في المدن الكبرى وذلك بفرض حد ادنى للمسافة بين الدار والاخرى. لقد أثر استحداث اشكال جديدة للعرض وزيادة طول مدة العروض وتعظم اعداد المشاهدين تأثيرا واضحا على هيكل الصناعة. في مستهل عمر السينما كان العارضون يشترون الافلام من المنتجين، شراء نهائيا، بسعر ثابت للقدم، هكذا ببساطة. كما كان هنالك ايضا، ولا مفر، سوق نشط للافلام المستعملة والتي كانت اسعارها تتراوح تبعا لعمر الفيلم وحالة الصورة. ولانه قد اصبحت هنالك دور ثابتة للسينما وصار لدى الجمهور الاستعداد لمشاهدة برنامج أو اثنين أو حتى سبعة برامج متنوعة في الأسبوع الواحد. لم يعد شراء الافلام شراء نهائيا مجديا من الناحية الاقتصادية، وبدأت الخطوات الاولى نحو نظام تأجير الافلام المعمول به الى الآن. ثم أخذت عملية تبادل الافلام تنمو في كل مكان به دور عرض وكان تأجيرها يتم باسعار متفاوته وفقا لعمر النسخة ولنطاق حقوق العارض في استخدامها. خلال سنوات قليلة للغاية من العرض الأول للأخوين لوميير اصبحت السينما تجارة بالغة الضخامة بالفعل. وكان أكثر المنتجني الاوائل في انجلترا وفرنسا مصورين متحمسين أو اشخاصا ممن اعتادوا التنقل من حرفة الى اخرى أو صناع ادوات عملية، وكانوا يقومون بعمل افلام صغيرة في احواش بيوتهم بتكلفة هزيلة، في حدود جنيه واحد للفيلم، غير انه سرعان ما ازاحهم عن الطريق رجال آخرون استطاعوا استشعار مدى اهمية احتكار هذا الشكل الجديد من وسائل التسلية. ولعل ابرز هؤلاء شارل باتيه «1863 ـ 1957» الذي أنشأ في فترة لا تزيد كثيراً عن عشر سنوات امبراطورية واسعة كفلت لفرنسا سيطرة شبه كلية على السينما العالمية في سنوات ما قبل الحرب، لا تزال بعض آثارها باقية في معظم دول العالم الى اليوم. بدأ باتيه، وهو ابن جزار في الاصل، عمله في مجال الفن بعرض فونوجراف اديسون في المعارض المفتوحة، ثم راح يعمل في تسويق الفونوجرافات والكانتوسكوبات المقلدة. وبتعاملات قاسية لا تعرف الرحمة مع عملائه ومنافسيه على السواء، وبحظ طيب واتاه باستثمارات عريضة، سرعان ما نجح باتيه في تصنيع المعدات والشرائط الخام ومن ثم انتاج الافلام في ستوديوهاته بفينسين التي كانت أكبر وافضل الاستوديوهات تجهيزا في عصره. كان هذا هو اول نموذج في مجال السينما لمؤسسة تمارس الاحتكار الرأسي الشامل، حيث استطاع باتيه السيطرة على الانتاج والتوزيع ثم على العرض ايضا من خلال بناء وامتلاك دور العرض. كما كان توسعه افقيا ايضا، حيث كان لمؤسسته وكلاء في كافة الاقطار التي تعرف العروض السينمائية، وهكذا عرف باتيه خلال الفترة من 1903 الى 1909 بوصفه الكيان المسيطر على صناعة الفيلم في العالم. وفي أميركا، ادى ازدهار النيكلوديونات الى دعم الانتاج وزيادته، الشركات القديمة مثل اديسون وفيتاجراف وبايوجراف، والتي ظهرت جميعها مع اولى بدايات السينما، اندمجت كل منها في مؤسسة جديدة أنشأت «مصانعها» في نيويورك وشيكاغو وفيلادلفيا، ولعل استخدام كلمة «مصنع» يشير الى طبيعة الافلام ومنهج التعامل معها في أميركا في مطلع القرن. كانت الافلام سلعا صناعية ذات حجم موحد، بكرة واحدة (زمن عرضها من خمس الى عشر دقائق) يتم انتاجها في خط انتاج منتظم بمعدل واحدة أو أثنتين اسبوعيا وفقا لحجم المصنع، وتباع ويعلن عنها بعلامات تجاربة مسجلة، وكان الانتاج يتم في سرية شديدة نظرا لمحاولة كل شركة انتحال افكار غيرها من الشركات بكل بساطة ورضى، كانت التكاليف متواضعة وباهظة كانت الارباح