الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 «شئ آخر جعلني أحب «زهرة الصبار» تلك المسرحية التي قدمتها عام 1968 كل هذا الحب غير فكرتها الجيدة ونجاحها الكبير هو شعوري الدائم بأني قريبة وشبيهة جدا بزهرة الصبار التي تتحدى العطش والجفاف والظروف الجوية الصعبة وكيف رغم كل شيء أن حياتي الصعبة المليئة بالمصاعب والأشواك والأهوال وصبري الطويل وقدرتي على تحمل كل هذه الظروف الشاقة تجعلني مثيلة لزهرة الصبار» كانت هذه كلمات سناء جميل التي تتمسك بها في وصف نفسها.. زهرة صبار كانت تعيش لكن مثل شجرة ماتت.. عاشت سناء حياة درامية وماتت في آخر فصولها.. قصة «سناء جميل» بدأت من الصعيد المصري من مدينة ملوي الصغيرة عام 1930 عندما جاءت الى الدنيا في نهاية شهر ابريل ببداية درامية فبعد سنوات قليلة توفي والدها يوسف عطاالله تاركا البنت الصغيرة «ثريا» الى والدتها التي فارقت هي الأخرى الحياة وعهدت بثريا الى شقيقها المتزوج في القاهرة فجاءت «ثريا» وهي لا تعرف الكثير من قاموس العاصمة سوى اسمها.. القاهرة واستفسرت عن المعنى فقيل لها أنها قاهرة.. تقهر من يعاديها.. وكان هذا أول دروسها.. فلم تعادها وقررت أن تصادقها وتحبها.. وأرادت أن تجول وتصول فيها لكن أخيها أودعها مدرسة داخلية هي مدرسة «الميردوديه» وهناك انعزلت مكتئبة عرفت الوحدة مجددا بعد أن كانت تريد الحياة.. عادت لتتأمل ما يدور حولها فوجدت متنفسها الوحيد تلك الحفلات التي كانت المدرسة تقيمها باستمرار فانغمست فيها طفلة وتفوقت على كل أقرانها مما أثار اهتمام من حولها الذين شجعوها على تنمية مواهبها الفنية فقررت الطفلة الصغيرة أن تصبح ممثلة وتمسكت بالقرار وأعلنت رفضها لأي ضغوط تثنيها عن هذا القرار فقررت التفوق دراسيا حتى تحصل على شهادة «التوجيهية» من المدرسة الفرنسية وأيقنت أن اللغة الفرنسية التي تجيدها يمكن أن تكون عائقا أمام هدفها الفني فقررت اتقان اللغة العربية أيضا لتكون سلاحا لها اذا ما أرادت أن تعارك من أجل حلمها.. وعرفت أيضا أن شقيقها المتزمت الذي رفض من قبل أن تنفتح شقيقته على العالم بالحاقها مدرسة داخلية سوف يرفض التحاقها بالمعهد العالي لفن التمثيل العربي - المعهد العالي للفنون المسرحية حاليا - فقررت الالتحاق سرا وقررت أن تقوم بما هو أكبر تغيير اسمها.. فاختار لها استاذها وعميد المعهد زكي طليمات اسم «سناء جميل». البداية عملت سناء جميل بالمسرح وهي لا تزال طالبة بفرقة المسرح الحديث التي أسسها زكي طليمات من خريجي المعهد وعملت أيضا في الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى.. تلك الفرقة الحكومية التي كان يشرف عليها أيضا زكي طليمات.. وكان زكي طليمات حريصا على أن تشارك الطالبة سناء التي تنبأ لها بكل مواهبها الفنية في عروضه رغم حداثة سنها فقد كانت أصغر عضوة في الفرقة.. ولكن مع البدايات انفضح أمر سناء وعرف شقيقها الخدعة التي ساقتها شقيقته عليه فطردها الى الشارع غير مبال بما سيحدث ورفض مجرد فكرة التصالح معها فوجدت نفسها مرة أخرى وحيدة لم ينقذها غير زميلها المخرج سعيد أبوبكر وزوجته الايطالية اللذان أصرا على أن تبيت معهما الى أن تحل مشكلتها وعندما علم طليمات بما حدث للفتاة التي تبنى موهبتها قرر تعيينها بالفرقة بمرتب قدره ستة جنيهات تضاف الى ستة أخرى مكافأة وقام بايداعها بيت الطالبات لكنها سرعان ما رفضت العيش في داخلية جديدة فقررت الاعتماد على نفسها واستأجرت شقة بوسط البلد وعملت في تطريز الفساتين حتى تتمكن من سداد ايجارها. وحين تخرجت سناء من المعهد عام 1954 كان زكي طليمات قد استقال من فرقة المسرح الحديث وكون فرقة جديدة هي الفرقة المصرية الحديثة وذهبت معه سناء لكنها لم تألف الوضع الجديد فانسحبت لتعمل في فرقة «اسماعيل ياسين» الخاصة وقدمت معهم باكورة أعمالهم المسرحية «حبيب كوكو» عام 1954 لكن سرعان ما دبت الخلافات بين سناء جميل الفنانة الموهوبة وزوجة الفنان اسماعيل ياسين صاحب الفرقة بسبب تغيب سناء عن عيد ميلاد ياسين ابن الفنان اسماعيل ياسين مما اعتبرته السيدة زوجة اسماعيل ياسين اهانة لها فانسحبت مرة أخرى لتعود الى فرقتها الأصلية. وجاءت فرصتها عام 1956 عندما تولى «أحمد حمروش» ادارة الفرقة القومية عقب اندلاع العدوان الثلاثي فقدمت تحت قيادته رواية «تحت الرماد» للمؤلف الاميركي جون شتاينبك ثم راحت تنتقل خلال سنوات أربع بين الشخصيات المصرية والأجنبية في العروض المقدمة فقدمت روايات «سقوط فرعون» و«الناس اللي فوق» و«عودة الشباب» و«زواج الحلاق» و«سلطان الظلام». السينما في السنوات الأخيرة من العقد الخمسيني جذبت أضواء السينما سناء جميل مثلما جذبت الكثير من أبناء جيلها فظهرت في مجموعة أدوار صغيرة في أفلام حكم القوي وطيش الشباب وشريط حياتي وياظالمني إلا أنها لم ترض شخصيتها الفنية القلقة على فنها ولم تكشف عن ذلك الجوهر الكامن في الأعماق منها والباحث عن تأكيد ذاته على شاشة السينما وفي فضاءات المسرح حتى وجدت أخيرا الدور الذي فجر كل امكانياتها الذي نقلها الى عالم النجومية وهو دور نفيسة في رائعة نجيب محفوظ الروائية «بداية ونهاية» وهو الفيلم الذي جاء ترتيبه سابقا ضمن أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية وهو أول أفلام نجيب محفوظ المنقولة اعدادا الى السينما واقربه الى عالمه الروائي وأكثر دور في هذه المرحلة أظهر مواهبها التي يقول عنها الناقد الدكتور حسن عطية: إن التمثيل عند سناء جميل موهبة ترتكز على احساس وجداني عال بالشخصية التي تقوم بها ومدعم بالدراسة المتعمقة لتكتيك الممثل بشكل أكاديمي وعبادة لابد من ممارسة طقوسها كاملة بصدق خالص حيث تحول الفنان الى طاقة هداية وتثوير لمجتمعه وهذا ما فعلته سناء في دور نفيسة. أما الناقد السينمائي كمال رمزي فيقول عن نفس الدور. أن عددا لا يستهان به من الممثلين وصلوا الى أفضل مستوياتهم الابداعية بفضل شخصيات نجيب محفوظ الآتية من قلب الواقع والتي تنتابها في مسيرتها الحياتية، عشرات الانفعالات المركبة المتضاربة من أبرز هؤلاء الممثلين كانت سناء جميل والتي تحتل مكانة مرموقة لمعايشتها العميقة لدور نفيسة في بداية ونهاية لقد جسدت على نحو مرهف تعاسة الفتاة التي تتداعى وتنهار بسبب الفقر من ناحية ودمامتها من ناحية أخرى. نجحت سناء جميل بهذا الدور في الصعود الى القمة وحصلت به على الجائزة الثانية كأفضل ممثلة في مهرجان موسكو عام 1961 وعملت بكل جهدها على الاحتفاظ بهذا الموقع المتميز دون هبوط. ولأن التمرد إحدى سمات شخصيتها ظلت تبحث عن الدور المفجر لطاقة الابداع داخلها حتى التقت عام 1964 بشخصية الأميرة المتمردة شمس النهار في مسرحية توفيق الحكيم حتى قال عنها الكاتب والناقد رجاء النقاش في هذا الدور كانت سناء جميل كعهدنا بها فنانة مشرقة راسخة القدم تعرف كيف تسيطر على المسرح وتفرض سماتها الفنية الكاملة على جو المسرحية وعلى قلوب المشاهدين لقد كنت أخشى أن تسرق السينما هذه الفنانة الكبيرة من المسرح ولكن ها هي سناء جميل تحتل مكانها بجدارة وأصالة في المسرح المصري. الليلة يا عمدة الليلة يا عمدة من منا ينسى هذه العبارة الشهيرة التي تحولت على يد المتألقة دوما سناء جميل الى نشيد ترفعه النساء العجزى في وجه مجتمع ظالم.. من منا ينسى الزوجة الثانية الكوميديا الساخرة السوداء التي قدمها صلاح أبوسيف والذي رسخ قواعد سناء جميل في السينما مرة أخرى لتعود لتتوقف بعد ذلك الوقت عام 1968 عن السينما بعد أن رأت أن كل ما يعرض عليها يريد أن يستغل حضورها في هذا الفيلم ثم تعود مرة أخرى في الشوارع الخلفية لكمال عطية والمجهول عام 1980 للمخرج الراحل أشرف فهمي وفي المسرح قدمت مسرحية «نور الظلام» و«الحصان». ولأن الزمن لم يعد زمن المسرح الجميل فقد ابتعدت سناء عن الخشبة التي طالما أحبتها لتشارك على فترات في أعمال تنتقيها بنفسها في السينما فتقدم «نساء خلف القضبان» و«السيد كاف» و«إضحك الصورة تطلع حلوة» وتقدم في التليفزيون روائع أبرزها دورها في مسلسل «الراية البيضاء» ودور المعلمة فضة المعداوي وعباراتها الشهيرة «ولا ياحمو.. التمساحة يلا..» والحقيقة أن التمساحة الوحيدة هي سناء جميل التي انتقدت كل المساوئ الاجتماعية في «ساكن قصادي» و«خالتي صفية والدير». ومنذ سنوات بدأت سناء مرحلة نضال أخرى ولكن ضد المرض اللعين الذي كان له الكلمة الأخيرة ورحلت عن دنيانا بعد أن خلفت وراءها رصيدا ممتعا من الأعمال الجميلة التي سوف تظل كما هي في تاريخ ووجدان كل عربي. القاهرة - مكتب «البيان»