الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 قبل الدخول الى اجواء آخر فيلم من سلسلة افلام جيمس بوند يجدر بنا ان نسلط الضوء ولو قليلا على هذه الشخصية التي أسرت قلوب المشاهدين في مختلف انحاء العالم وينتظر اعماله عشاق الاثارة والمغامرات لعلمهم المسبق بنوعية الافلام التي يقدمها وعلى الرغم من ان هذه الافلام التي وصلت الى العشرين فيلما الا انها تشترك في عدة اشياء متشابهة ابتداء من الموسيقى وانتهاء بمشاهد الاثارة الجنسية، وبالطبع دخول «بوند» في مشاكل ومآزق خطيرة ليخرج منها سليما معافى ومنتصرا بعد ان يقدم فاصلا رائعا من آليات التخلص التي تعتمد على الذكاء والقوة في آن واحد، وكان اول تعارف بين هذا البطل الفذ «جيمس بوند» وبين الجمهور في عام 1963 من خلال فيلم «دكتورنو» عن قصة ايان فليمنج وسيناريو ريتشاد ماياياوم واخرجه آنذاك «ترنس يانج» وقام ببطولته النجم العالمي «شين كونرى» اول من جسد شخصية «بوند» وقد بلغت ميزانية الفيلم الاول 950 الف دولار مقارنة بميزانية اخر افلام السلسلة «مت في يوم آخر» التي بلغت 150 مليون دولار يتضح لنا مدى حرص الجهة المنتجة على تقديم بطلها في ابهى صورة حيث توفر له كل مقومات النجاح سواء من ناحية الاكسسوارات والملابس او من ناحية المعدات التي يستعملها الامر الذي جعل مشاهدة افلام «بونر» اجبارية لعملاء جهاز المخابرات السوفييتي السابق «كي جي بي» الذين سحرتهم اسلحة بوند المبتكرة غير ان مضمون افلام «جيمس بوند» لم يكن بريئا على طول الخط من الناحية السياسية ويتفق في ذلك مع الصورة العامة التي تجسدها الافلام الاميركية استنادا الى الهيمنة العسكرية على العالم بحجة الحفاظ على الامن العالمي وانقاذ الكرة الارضية من اعداء وهميين تارة، ومعروفين تارات اخرى، حيث نجد صدى الواقع يتردد بقوة استفزازية لا تقل وقاحة عما هو موجود بالفعل على ارض الواقع، ويؤكد هذا الكلام ما يقوله «روبرت وادا» الذي شارك «نوبل بوريفز» في كتابة قصة الفيلم معللا ان الجمهور ليس لديه فكرة كاملة عن اتجاهنا وقدرتنا على خلق ابداع من خلال مجموعة من القصص الاخبارية الحقيقية التي نراها يوميا على شاشات التلفاز او نستمع اليها عبر جهاز الراديو، ولذلك فان الافلام الثلاثة الاخيرة كانت اقرب الى الواقعية منها الى الخيال!! الحق ان المتلقي الواعي ليس بحاجة لان يسمع او يقرأ مبررات كهذه التي يسوقها كاتب العمل، اذ ان المجسد على الشاشة يكفي لفهم الصورة خصوصا عندما تأتي التحديات والاهانات على لسان افراد المعسكر المضاد وتقويلهم عبارات ومفاهيم فضفاضة مستقاة من الخطاب الغربي والاميركي، فهذه المرة وقع الاختيار على كوريا الشمالية المدانة بامتلاك اسلحة نووية لتدور احداث الفيلم على نحو لايخلو من تبني ذاك الخطاب بكل تفاصيله حيث تشكل كل من اميركا وبريطانيا تحالفا ثنائيا لمواجهة الارهاب تماما كما هو الحال في الواقع، واختصارا لقصة الفيلم نجملها في شخصية ملك الماس «غستاف غريفز» الذي يمتلك المركبة الفضائية «ايكاروس» القادرة على تحطيم وتدمير كل شيء على سطح الارض بمجرد توجيهها بواسطة جهاز تحكم محمول بحوزته، وهو بذلك يضمر معاونة حلفائه في كوريا الشمالية على توحيد الكوريتين ومن ثم مواجهة الولايات المتحدة، وفي الطرف المقابل نجد العميل البريطاني «جيمس بوند» بمساعدة المخابرات المركزية الاميركية متمثلة في «جايستوجانسون» يعملان سويا على احباط المخططات والقضاء على القوى المناهضة، وبالطبع تظهر شخصية «بوند» بالشكل المرسوم لها فنجد انفسنا امام رجل لا يعرف المستحيل ولديه قدرات خارقة تمكنه من النجاة من مواقف خطيرة وفخاخ ينصبها له الاعداء، وحتى لا نغرق في التفاصيل الكثيرة التي جاءت في هذا السياق على حساب بناء الشخصيات المقابلة وتهميشها بما لا يتفق مع القدرات الخارقة للبطل سنجد ان الفيلم قد وقع من حيث اراد النجاح في اخطاء قاتلة ربما تمر على المشاهد العادي ولا ينتبه اليها، فليس كافيا ان نرسم ملامح شخصية قوية ستؤثر في رسم خارطة جديدة للعالم بمجرد اعطاء معلومة عنها على لسان شخصية اخرى من خلال بضع كلمات قليلة دون اعتبارات للخطوات التي ادت في النهاية الى اكتمال عناصر القوة والهيمنة عند هذه الشخصية، اذ لم تقدم الاحداث خطأ موازيا يغوص في سبر اغوار شخصية «غريفز» المؤثرة بشكل مباشر على من حولها من شخوص اخرى كذلك الحال بالنسبة لشخصية «زاو»، اما الخائن الذي اوقع «ببوند» في كوريا الشمالية فلم يقدم الفيلم مبررات مقنعة سواء من حيث الكيفية التي وقعت بها الخيانة او من ناحية الشخصية التي فعلت ذلك، «فروست» الفتاة الجميلة التابعة للمخابرات البريطانية والتي تم تجنيدها للحصول على معلومات عن «غريفز» يفتضح امرها ويجندها «غريفز» لصالحه بعد ان يقوم بعملية غسل للمعلومات التي لديها ويوظفها الى جانبه يفاجئنا الفيلم بهذه المعلومة في لقطة واحدة حين تصوب «فروست» مسدسها ناحية «بوند» بدلا من «غريفز» فهذه الفتاة لم تظهر في الاحداث المؤثرة على الاطلاق بل ان مشاهد مشاركتها في الفيلم عموما لم تتعد الثلاثة أطولها لم يدم اكثر من دقيقتين، ولعل كثرة التنقلات بين دول العالم فرضت شخوصا اكثر، كل شخصية منها تحتاج الى مزيد من القاء الضوء عليها خصوصا اذا كان لها فعل مؤثرا واساسي في ادارة الصراع ومن هنا نجد ان القصة افتقدت الى كثير من الحبكة الدرامية ولم يسعفها السيناريو في معالجة الاخطاء بل زاد الطين بلة بانتقاله من مكان الى آخر وكأن احداث الفيلم في كل مرة تبدو وكأنها بداية جديدة لأحداث جديدة تتطلب لغة مصورة او حوارية لفهم المكان والاشخاص صحيح ان ايقاع الفيلم لم يهبط طول مدة العرض كون ان المواجهات والمفاجآت متتالية ومتسارعة حتى النهاية ولكن هذا لا يعني ان لا يتوقف المشاهد امام الاماكن والشخوص ليعرف اسباب اقحامها في القصة بهذه الصورة العشوائية، اللهم اذا كانت القصدية في تقديم مشهدية منقوصة الاهداف كمن يقول: هذا هو الموجود وعليك تصديقه. الشيء الآخر هو التأكيد على وسامة البطل واظهاره دائما في صورة انيقة حتى بعد الانتهاء من مواجهة مع النيران او السقوط من اماكن مرتفعة، ففي كل الاحوال نحن امام بطل لم يتسخ قميصه ابدا، ولم يسقط زر منه رغم كل حالات الاشتباك التي مر بها، اما من ناحية التقنيات فيجدر بنا الاعتراف بان هناك قدرة عالية على التعامل مع المتخيل واخراجه الى حيز الواقع بحنكة فائقة، ويسهل رصد ذلك في قصر الثلج التي تدور معظم احداث الفيلم داخله، ولان عناصر الاثارة متوفرة منذ البداية فمن الطبيعي ان تكون لغة الكاميرا محايدة حين تمر على الوجوه، فلا مجال للتركيز على التعابير وهناك اثارة حقيقية في الانتظار، وفي النهاية بقي ان تقول ان فيلم «مت في يوم اخر» اقترب من افلام الخيال العلمي وحاول نسج قصته على هذا الاساس حين اراد توظيف علم الجينات واستخدامه في عمليات التجميل القادرة على تبديل وجه شخص الى وجه آخر يصعب التعرف على شخصيته الحقيقية، وفي شق آخر دق الاوتاد على ارض الواقع واختار المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين ليقول لنا كل شيء يريده وعلى هذا النحو نرى ان اعتماد الفيلم على النجاحات السابقة اوقعته فنيا في مجموعة من الاخطاء السينمائية، الفيلم من بطولة بيرس بروسنان وهال بيري ومن اخراج لي تاماهورى. عز الدين الاسواني