الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 قامت الدنيا ولم تقعد قبل عرض مسلسل محمد صبحي «فارس بلا جواد» كما حدث نفس الشيء بعد عرضه!؟ المرة الأولى هللنا لصبحي ووقف الجميع يدافعون عن المسلسل، ويشيدون ببراعته وهو بالتالي ظهر على شاشات التلفزيونات ينادي يا عرب، الصهاينة يحاربون ابداعي الأميركان يقفون لي بالمرصاد.. احموني.. وبالفعل تم له ما أراد.. حيث نجح في تكوين رأي عام شعبي ورسمي وتقرر عرض المسلسل في موعده «شهر رمضان» بلا محذوفات رقابية، وفي المرة الثانية بعد ما تم له المراد.. «هاصت» الدنيا أيضا.. وقالت وزادت.. وحللت.. وقيمت مؤكدة ان الضجة التي قام بها صبحي وجر إليها أجهزة الإعلام، ما هي إلا زوبعة في فنجان.. وان الملفات تحمل مضمونا ضعيفا ومستواها متواضع للغاية.. بل ان البطل «حافظ نجيب» شخصية صعلوك ونصاب وهارب من عدة أحكام ولكن الفنان محمد صبحي اسبغ عليه صفات وتصرفات بطولية لا علاقة له بها. وفجأة هبطت العاصفة.. وسكت الجميع.. وبدأنا نشاهد مسلسلات أخرى ونتابع مواد فنية على شاشات التلفزيون..ما الحقيقة..؟ هل فشل محمد صبحي فعلا؟ هل باع لنا الترام؟.. هل كانت نواياه حسنة؟اسئلة صعبة، والإجابة عنها قد يجانبها الصواب، ولكن الحقيقة الماثلة أمامنا هي ان محمد صبحي كان في مقدوره ان يقدم حلقات فكاهية وهو قادر على الإضحاك، عملا ساخرا، يتناول فيه المشاكل اليومية أو الحياة الاجتماعية في مصر، ويسخر امكانياته الكوميدية لانتزاع الضحكات من المشاهدين، وقد فعلها من قبل في أعمال معروفة، مثل رحلة المليون، وعلي بيه مظهر وغيرهما.ويبدو انه لم يعجبه حال الكوميديا وما يحدث لها في السينما المصرية، فقرر التفرغ لعمل ضخم وطني.. يشد به أزر المواطن العربي ويحمسه للدفاع عن وطنه، ويستعرض معه ذكريات الماضي، بتقديم كم من التاريخ المصري منذ أيام المماليك ثم العثمانيين إلى أن صدر وعد بلفور المشئوم، أراد أن يقدم نموذجا للبطل الشعبي الذي يقاوم الاحتلال.. يستعيد به حكايات ومغامرات علي الزيبق الذي كان يقاوم المستعمر واستعان بالتنكر تارة والتخفي تارة أخرى وبالدهاء غالبا، إذن فهو حسن النية. ولكن كيف قدم هذه التوليفة؟ للأسف انه حاول ان يتعامل مع أسلوب «الحكي»، فيقدم البعد الاجتماعي للبطل الشعبي أو جذوره قبل ولادته، وظروفها، وما أحيط به إلى الأحداث. ولكن يبدو أن الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن، لم ينجح في توصيل الرسالة بسبب البناء الدرامي الذي اقترب من الاهتزاز، وكم المغامرات غير المنطقية والتصرفات الساذجة.. وكلها كانت في خدمة البطل الأوحد.أما الأحداث فهي مكررة ولا تتطور وما نشاهده بحلقة الأمس ربما نجده في حلقات أخرى. والرأي عندي ان السبب الرئيسي فيما حدث هو ان محمد صبحي جمع كل السلطات في يده، وذلك باعترافه في تتر العمل وينطبق عليه الجملة الظريفة التي كان يرددها.. فقد تولى إدارة محاور ثلاثة، المحور الاول في التأليف والثاني في الإخراج.. والثالث التمثيل، فهو بطل الحلقات الذي يلعب عددا لا حصر له من الشخصيات المتباينة، ومعنى ذلك انه تدخل في كل شيء ولم يتفرغ تماما لاختصاصه وهو التمثيل.اشترك في كتابة الحوار.. ورسم الشخصيات مع محمد بغدادي ومن المؤكد أنه كان يقوم بالتعديل حيث يعيد النظر في بعض الجمل أو المواقف. وبعد ذلك اشترك في الإخراج.. تحت مسمى رؤية تلفزيونية أي انه عقد جلسات مطولة مع المخرج أحمد بدر الدين، واتفق معه على كل الخطوط الرئيسية في تحركات الكاميرا وزواياها أما اختيار الممثلين، فلا شك انه تولى هذه المهمة بنفسه هذا بالإضافة إلى التعامل مع الجهة المنتجة للحلقات، وكل هذه الأعمال المذكورة.. قادر عليها.. لأنه فنان شامل «مثقف واع»، ولكن هذه المسئولية ملقاة على عاتقه وحده وبالتالي فلن يجيد في أي منها بالقدر الذي عهدناه في محمد صبحي.. صاحب المدرسة المتفردة في التمثيل، إلا انه لا يجب أن نغض الطرف عن ايجابيات في «فارس بلا جواد» وصاحبها محمد صبحي أيضا الذي صب عليه البعض جام غضبه. وتلك الايجابيات، هي الركيزة الأساسية في أي دراما في العالم.. والعنصر الفعال لأي عمل تلفزيوني أو مسرحي أو سينمائي.. وهي رسم الشخصيات، أي التكوين لكل شخصية.. والتعريف بأبعادها الثلاثة.. «الجسمانية والاجتماعية والنفسية»، فكل شخصية في العمل كانت مرسومة بعناية ودقة.. وكأن مبدعها عشقها وعرفها وعاش معها وغاص في أعماقها، ثم أطلق لها العنان،.. لها بريق خاص.. تحكمها الرابطة والتشابك بينها فلم أشعر أن إحداها هربت منه، أو شردت في اتجاه آخر، حتى الشخصيات التي لعبها صبحي كل منها تختلف عن الأخرى.. ولولا البراعة والدقة في رسم الشخصيات ما كان هناك مسلسل.. حيث غطت على الأحداث المفتعلة والتصرفات الساذجة. محمد صبحي قدم عدة شخصيات في المسلسل.. هي:فرحات.. الصحفي في جريدة المؤيد الذي ظل يلازم الإدارة الإنجليزية متنكرا يتعرف على أخبارهم وأسرارهم، لوتشيان.. النحات الإيطالي الذي صمم وجه القائد الإنجليزي هيجلز، ليتمكن من تهريب أحد المناضلين من السجون التي نصبها المحتل البريطاني، عباس الأعور.. وهو قواد في الكباريه بعين واحدة.. استطاع من خلاله ان يقتل أكثر من جندي انجليزي، منذر المحامي.. تنكر في هذه الشخصية ليتولى بنفسه استرداد حق حافظ من ميراثه عند «سينمار»، دقدق.. بائع الحلويات المتجول. سميث.. عالم الآثار الإنجليزي الذي خدع بعض الشخصيات اليهودية. بانفيه.. صحفي فرنسي.. تنكر في هذه الشخصية ليتمكن من حضور أحداث ومحاكمات دنشواي، بشارة السوري.. تخفى بهذا الشكل بعد أن مات صاحب الشخصية الأصلي، لكي يسحب أمواله من البنك وتسليمها لعائلته، هيجلز.. تنكر في الشخصية لكي يتمكن من دخول معسكر للإنجليز وتفجيره، عبدالقادر بن لقمان.. صحفي تونسي، تخفى في الشخصية لكي يثبت انه بارع في فن التنكر لكي ينجح في اجتياز اختبار التنكر في انجلترا، وأخيرا «حافظ» وهي الشخصية الرئيسية أو الثعلب، وهي نموذج للإنسان المصري على مدى العصور الذي يحاول أن يحافظ على كرامته دون أن يلجأ إلى القتل طوال أحداث الحلقات. أما الشخصيات الأخرى التي أحاطت بالثعلب فهي كالآتي: انورين «هناء الشوربجي» شخصية تركية متحجرة بتصرفاتها. حاذق باشا «عبدالرحيم حسن» شخصية متناقضة بين الحنان أحيانا.. والقسوة غالبا.. سيطرت عليه زوجته «انورين» مما اثر على الطفل، الذي التقطه من الطريق. ملك «ريهام عبدالغفور».. والدة حافظ في شبابها عانت صراعا بين الواجب العائلي وعاطفتها الجياشة تجاه حبيبها وزوجها والد حافظ. ريتشارد.. جميل راتب.. حضر إلى مصر من انجلترا للقبض على الثعلب في فترة لا تتجاوز اسبوعا، فقضى «11» سنة شخصية تتمتع بالذكاء والدهاء، وصراعها مع الشخصيات التي تنكر فيها حافظ. مارجريت «مها أبوعوف».. انجليزية.. تسيطر على كل من حولها.. مستبدة.. تشعر بذاتها، إلا ان حافظ ينجح في خداعها ويستولي على الكتاب الذي يحتوي على بروتوكولات حكماء صهيون.. وتحاول استرداده. الكونتيسة سيجريس «سيمون» اسبانية الجنسية من أم مصرية.. عاشقة لمصر وآثارها.. وقعت في غرام حافظ بدون أن تعلم انه «الثعلب»، أهداب «دنيا». من أسرة حافظ التركية التي استعانت به لإنقاذها من شقيقها سنمار. سعد حريقة ويوسف من الخلايا السرية التي تحارب الاستعمار. هكذا كانت الشخصيات ورسمها هي التي جذبت من شاهد الحلقات على مدى أيام رمضان وما بعده! اعتقد أن الفنان محمد صبحي صاحب نوايا حسنة، فقد اراد أن يقدم عملا جديدا عليه.. يجسد فيه البطل الذي يقاوم الاحتلال واختار من بين الشعب صعلوكا، له أخطاء وخطايا، ولا شك انه يملك حسا وطنيا قوميا، وكان بإمكانه ان يقدم مسلسلا فكاهيا يضحك به الناس في رمضان، ويسعدهم، ولكنه أراد أن يغير من جلده بهذا العمل! عن صحيفة «الأخبار» المصرية