السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 لم تبدأ سينما في أي بلد في العالم على يد المرأة إلا في حالة السينما المصرية، هذا ما يؤكده الباحث مجدي عبد الرحمن في تمهيده لكتابه التوثيقي رائدات السينما في مصر الصادر عن مكتبة الاسكندرية. فقد كانت البداية على يد سينمائيات مصريات اجتمعن في تصميم وعزيمة لتحقيق هدف أصيل هو أن يكون هناك فيلم مصري مئة في المئة، ويقدم لهذا تفسيره من منظور سياسي وإجتماعي، يرتبط بالنهضة الفكرية وإصلاح التعليم وأثر ثورة 1919 ووجود مناخ ثقافي ساعد على مشاركة الفتاة المصرية في الحياة الاجتماعية.. في ظل هذا المناخ تقدمت سيدات لعبن دورا أساسيا في فترة مبكرة من تاريخ السينما المصرية إستطعن أن يقدمن عديدا من الأفلام لم يجرؤ كثير من السينمائيين الرجال على القيام بإنتاجها.. ولكنهم قدموا كل عون ومساعدة لهن في طواعية وإعزاز وإحترام. الباحث مجدي عبد الرحمن معروف بدوره الرائد والدائب في أعمال الترميم للأفلام المصرية والبحث العلمي ومن خلال فعاليات المهرجان القومي للسينما المصرية في أعوام متتالية، إستطاع أن يزيل الغبار ويكشف عن جزء من كنوز تراث السينما المصرية بعد أن عالجه بطرق علمية. أولى رائدات السينما المصرية هي فاطمة رشدي (19081996) التي بدأت على المسرح و نقلها عزيز عيد نقلة كبيرة كأستاذ ومعلم إلى دنيا مليئة بالمعرفة فأصبحت الممثلة الأولى لفرقة رمسيس وبطلة لمسرحيات عالمية، ثم كونت فرقة خاصة بها، أنتجت وأخرجت فيلم الزواج 1933 أنتجت فيلم تحت ضوء الشمس إخراج وداد عرفي لكنه لم يعجبها وقامت بإحراقه ثم قامت ببطولة فيلم الهارب إخراج إبراهيم لاما في دور فتاة فلسطينية مكافحة وقد غنت في هذا الفيلم، ويبقى دورها في فيلم العزيمة لكمال سليم مخلدا لإسمها. الرائدة الثانية عزيزة أمير (19071952) التي مثلت في فرقة رمسيس وقامت بإنتاج وبطولة فيلم «ليلي» إخراج وداد عرفي ثم أخرجت فيلم «كفري عن خطيئتك» 1933 ويعطي الباحث مساحة لفيلم «ليلي» في فقرة عن سوسيولوجية المجتمع في فيلم ««ليلى»» حيث بدا أن السينما المصرية في بدايتها كانت بعيدة عن الأفكار الليبرالية والمرأة تبدو مهيضة الجناح وحيث تمثلت أزمة الفيلم الدرامية في خطيئة فتاة القبيلة. كان لدى المرأة شجاعة الإنتاج السينمائي وشجاعة الوقوف وراء الكاميرا وعلى طاولة المونتاج لكن لم يكن بداخل صدورهن جذوة التطلع للأمام وعشق للتفكير الحر. إلا أن هذا لا ينطبق على الرائدة الثالثة بهيجة حافظ وخاصة في فيلمي الضحايا و ليلي البدوية وبهيجة حافظ (19081983) حصلت على دبلوم في الموسيقى مما ساعدها على أن تضع الموسيقى التصويرية لأفلام وقامت ببطولة فيلم زينب الصامت إخراج محمد كريم. لم يبق من فيلم الضحايا 1935 الذي أنتجته إلا أجزاؤه الصامتة التي تم تصويرها 1932، ومن هنا يدق الباحث المخلص ناقوس الخطر من أجل الحفاظ على مايزال في الحوزة ويزيد فيقول: أي خجل يعتريني أكثر من أن أكتب عن فيلم روائي مثل «ليلى» معتمدا على قصاصات الصحف وكتابات النقاد وأنا لم أرى كادرا واحدا منه! وقد قامت بهيجة حافظ بإنتاج وإخراج فيلم ليلي بنت الصحراء عرض أول مرة 1937 ـ وفيه إتجهت إلى التاريخ المثل الأعلى والبطولة وقد تفوقت في تصميم الأزياء التاريخية، وقيل أن الفيلم شارك في مهرجان فينسيا.. كما قيل أنه سحب، وما تم الإتفاق عليه تاريخيا أن عنوان الفيلم قد تغير إلى «ليلى البدوية» في نسخة جرى فيها بعض التغيير بسبب زواج شاه إيران من شقيقة الملك فاروق. ففى مسيرة الرائدات إلى آسيا وابنة شقيقتها ماري كويني وأضاف إليهما الباحث اسم أحمد جلال الذي تزوج الثانية ليكونوا الثلاثي الفني جاءت آسيا إلى القاهرة من لبنان وعشقت السينما فقامت بتأسيس شركة سينمائية وأنتجت أول أفلامها «غادة الصحراء» وأشتركت معها ماري كويني في التمثيل والمونتاج والإدارة الفنية أنتجت فيلم «شجرة الدر» 1935 الذي يعتبر أول فيلم تاريخي مصري،وخاضت آسيا الصعاب لإنتاج الأفلام التاريخية والوطنية ذات الميزانيات الضخمة مثل «رد قلبي» و«الناصر صلاح الدين» وغيرها وقامت بطولة أفلام عديدة من إخراج أحمد جلال من بينها عيون ساحرة 1934. رائدة أخرى هي أمينة محمد التي قامت بالتمثيل في أفلام عديدة ثم قامت بأخطر تجربة في تاريخ السينما المصرية وهي تأليف إنتاج وإخراج وتمثيل فيلم «تيتاوونج» 1937، الذي تم عمله بطريقة الجهد المشترك لمجموعة المشاركين في الفيلم وقتئذ مع تأجيل الأجور، ويذكر أن الفنان عبد السلام الشريف صمم الديكورات ونفذها وساعدتها وجوه جديدة ـ وقتئذ ـ في الإخراج مثل كمال سليم وصلاح أبو سيف وأحمد كامل مرسى وحلمي حليم. وكانت قد تعاونت من قبل مع رائد السينما المصرية محمد بيومي فأنتجت له فيلما قصيرا عرض عام 1934 بإسم «ليلة في العمر» وقد جاءت من طنطا مع ابنة شقيقتها أمينة رزق وقطنا في روض الفرج، حيث أضواء المسارح والتسلية، وانضمتا لفرقة رمسيس، ليوسف وهبى حيث أصبحت أمينة رزق بطلتها الأساسية. إشتهرت أمينة محمد كراقصة حتى كانوا يطلقون عليها أمينة بيكر تشبها بالراقصة الأميركية السوداء جوزفين بيكر وعملت مع فرقة بديعة مصابني.. كان أول احتكاك لها بالسينما من خلال تمثيلها في فيلم «الحب المورستاني» إخراج ماريو فولبي 1937، سافرت أمينة محمد لأوروبا لمدة عامين، ثم تزوجت ضابطا أميركيا وأجادت اللغات الاجنبية من سفرياتها وقامت بالعمل مساعدة للمخرج سيسيل دي ميل أثناء تصويره فيلم الوصايا العشرة في (مصر حياة عجيبة حقا)!. إبنة شقيقتها أمينة رزق لها دور في الريادة السينمائية كمنتجة حيث شاركت في إنتاج فيلم «قبلة في لبنان» 1945 وفيلم ضحايا المدينة 1946 وتاريخها كممثلة في الافلام المصرية ممتد وثري. بين السطور اسم رائدة أخرى يذكرها الباحث مرة واحدة هي فردوس حسن التي نعرفها كممثلة مسرح وسينما وقد قامت بإنتاج فيلم «سعاد الغجرية» ـ وهو الفيلم الثالث في تاريخ السينما الروائية الصامتة. تبدو دقة الباحث في التوثيق برجوعه إلى المراجع من صحف ومجلات وكتب ولكنه في إعداده للكتاب كرر نفس المعلومات في أكثر من موضع، كما خرج عن الاطار الأساسي وعنوانه رائدات السينما في مصر إلى موضوعات عن رواد رجال مثل أحمد جلال وشقيقه حسين فوزي وعباس كامل وابنه نادر جلال، بل يفرد فصلا عن نيازي مصطفى أستاذ أفلام الحركة وأعماله في ستوديو مصر، وميراث أفلام المقاولات وفضلا آخر عن المسرح المصري يوسف وهبي وفرقة رمسيس ثم يوسف وهبى والسينما المصرية وإذا كان قد قدم قوائم توثيقية لأفلام عزيزة أميرة وفاطمة رشدي وآسيا وماري كويني وبهيجة حافظ وأمينة رزق وشخصية الأم، وشخصية المرأة الريفية والشخصية التاريخية النسائية، مما يدخل من قريب أو بعيد في إطار الموضوع الأساسي المطروح، فما الداعي إلى هذه الصفحات الكثيرة بقوائم أفلام ستيفان روستي وأحمد جلال، وحسين فوزي وعباس كامل، ويوسف وهبى ونيازي مصطفى؟!