الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 في البداية وقبل ان نغوص في اعماق قصة فيلم «الناقل» تجدر الاشارة الى قوة المبررات المنطقية التي يسوقها الفيلم وابتعاده عن فرض منطق الامر الواقع كما هو معروف في اللغة السينمائية حيث يختلط المتخيل بما هو ملموس وحبكة الفيلم استندت بشكل كبير على رسم ملامح الشخوص القائمة بالبطولة من دون ان تعطيهم ابعادا خارقة تستوجب وضع المشاهد امام صورة فنتازية غير موجودة في الحقيقة وهذه الجدية بالطبع فرضت احترام المتلقي لما يشاهده بغض النظر عن كون القصة تعتبر جديدة على ما ألفناه في افلام الاكشن التقليدية، فمن المنطقي ان يكون «فرانك مارتن» الشرطي المتقاعد خبيرا بقيادة السيارات ولديه مهارات كبيرة في التخلص من المواقف الصعبة التي تواجه رجل الشرطة على الطريق، اما ان يحترف «مارتن» مهنة توصيل الطرود بشكل سري اي انه لا يسأل عن المحتوى المنقول وما اذا كان ممنوعا ام لا، فمن الناحية المهنية يعتبر العمل وآليته جديدة بعض الشيء عن المواضيع التي تتناولها السينما وهو شكل مقبول من الناحية العملية والنظرية، لكن الجديد هو ان لايسأل الناقل عن الاشياء التي ينقلها ولا عن اسماء المستلمين، كل ما هنالك استفسارات دقيقة عن الوزن والموعد ومكان التسليم، ولكي يضعنا الفيلم في صلب الاحداث منذ البداية تلعب الكاميرا دورها وهي تمر بطيئة على اجزاء سيارة. «بي ام دبليو» المجهزة بنظم تسهل من قيادتها والمزودة بمجموعة ازرار كل منها مهامه مثل تبديل لوحة الارقام، هذا المرور البطيء والدقيق يضع المشاهد على ابواب مطاردة غريبة وعجيبة كذلك حرص «مارتن» على التقيد بقواعد الاتفاق فلا يقبل وزنا زائدا يتمثل في انضمام شخص رابع الى العملية بينما كان الاتفاق على نقل ثلاثة من اللصوص الساطين على بنك، هذا التمسك والالتزام يؤدي الى مقتل احد اللصوص في نفس الوقت الذي تناست فيه القصة بدء المطاردة مع ان رجال الشرطة كانوا ملتفين حول السيارة ولم يتقدم احدهم لابطال الانطلاقة السريعة، غير ان «فرانك» حين تضطره الظروف لان يفتح احد الطرود ويكتشف ان ما يحمله ليس الا فتاة ذات ملامح صينية تتحايل عليه بانها تريد ان تقضي حاجة وتحاول الهرب هذا الموقف يضعه في قلب احداث عدائية مع اناس يمتهنون تهريب الاطفال من الصين ويتاجرون بهم في سوق الرقيق الابيض وبتوالي الاحداث نجد ان الفتاة «لي» ماهي الا ابنة صاحب الشركة التي تمارس بالباطن هذه التجارة ثم وهي تقف في وجه ابيها معارضة هذا النشاط الى ان تقتله في نهاية الامر. اما حياة «فرانك» وان بدت غامضة في البداية ولم تركز عليها القصة بما فيه الكفاية الا انها في السياق تتفتح لتظهر مجموعة من المفاجآت حيث يعيش في بيت متواضع لاتبدو عليه ملامح الثراء، كما اوهمنا الفيلم بمدى المقابل الذي يتقاضاه عن كل عملية يقوم بها، والبيت المتواضع ماهو الا ابهام ظاهري يضم في جوانبه منافذ سرية تؤدي الى ما يشبه القاعدة الصغيرة متصلة بممر مائي يؤدي الى البحر ومع ان البطولة في الحدث تبدو فردية الا ان تدخل الجهاز الامني ومباركته لعملية القبض على المهربين والمتاجرين في الرقيق تمنح مصداقية وتناغما بين الممكن واللا ممكن، ومع ان الفيلم لا يتكيء بشكل اساسي على الاثارة والمطاردات الا ان المشاهد المأخوذة في هذا الخصوص بدت اكثر من رائعة وقدمت للباحثين عن المتعة فاصلا جميلا ومثيرا في كيفية الهروب الامر الذي وصل الى حد الذروة في مشهد مقصود حين يجد فرانك نفسه محاصرا بسيارات الشرطة من كل جانب وليس امامه سوى الجسر المرتفع هنا يجد المتفرج نفسه على موعد مع لقطة مبهرة حين تطير العربة وتستقر على شاحنة للسيارات ومع ذلك ليس من المعقول ان لا يسقط الفيلم في هنات كان بالامكان تداركها وتجسد ذلك في المشاهد المطولة للصراع بين «فرانك» ومجموعة من الاشخاص في معارك بدون اسلحة مع ان استخدام السلاح كان ممكنا مادامت نوايا التخلص والقتل موجودة في الاصل ايضا المشهد الذي يمسك فيه الرجل الاول في الوصاية بمسدسة ويغرق في الاحاديث الجانبية مع «فرانك» الا ان تأتي ابنته «لي» وتقتله من الخلف، ان شيئا من الاسهاب والمماطلة قد اوقعت الفيلم في رتم بطيء دون خدمة حقيقية للخيار الاول، وعموما فان الفيلم يعتبر من الافلام الجيدة التي تحرص على احترام عقلية المشاهد وتقدم له مادة فعلية وان كانت في مضمونها لم تخرج عن صراع الخير والشر الذي تجلى بصورة واضحة بين الاب وابنته الفيلم من بطولة الممثلة ذات الاصل الصيني «شو تشي» وجاسون ستاتهان وفرانسوا ميرلاند ومن اخراج كورى يوين. عزالدين الاسواني