السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 أطفئت الأنوار.. لمعت في القمة عيون منها ما يشي بالطيبة ومنها ما يقدح بالشر.. تتابع الأشكال منها ما هو مزخرف بألوان براقة، ومع إنعكاس الضوء على خرز أزرق وأنسجة وشراشيب تحمل ألوان الطيف.. أعطى للمكان سحرا وغموضا.. ويتتابع المنظر على معلقات الجدران تتصور حكايات وأحداثا حول السيرة الهلالية وحرب البسوس وحكاية الساحرات.. تتبدى قدرة الخيال.كان هذا في معرض الفنانة الشابة «جيهان حسني الملكي» الذي أقيم في قاعة إنجي أفلاطون في أتيليه القاهرة أو نادي الكتاب والفنانين لأسبوع واحد أواخر الشهر الماضي، وأثار اعجاب رواده القاهريين. الفنانة قادمة من مدينة بورسعيد تأثرت بموقعها على البحر:الانفتاح على العالم والحرية، والانطلاق، والسفن العابرة.. وزيارات الأجانب.. وفوق كل شيء بتاريخ المدينة في الكفاح ضد الاستعمار وغزوه، حتى كان أول مشاركة فنية لها - وهي ما زالت تلميذة بالاعدادية ـ عن «الكفاح الشعبي لبورسعيد» حيث كانت قد استمعت من كبار أفراد اسرتها عن قصص المقاومة 1956.. بدأت وهي طفلة تلعب بالخامات المتوافرة في مدينتها الساحلية:القواقع والأصداف والأعشاب والكابوريا.. وجهها مدرس التربية الفنية الى التعبير بالتجبير.. أهداها أول أقلام تحبير.. رسمت اسكتشات.. في البداية واجهت صعوبة رسم حركات اليدين والأطراف.. ومن هنا كان اختيارها للالتحاق بكلية التربية النوعية ببورسعيد حيث حصلت على البكالوريوس 1994 ثم دبلوم خاص 1996، ثم انغمست في دراسة وبحث الأسطورة الشعبية العربية.. قرأت كل ما وصل اليها من أبحاث صفوت كمال التي أوحت اليها بالرجوع الى النصوص الأصلية. أثارتها حكايات الزير سالم، وحرب البسوس الضارية قبل الاسلام التي استمرت أربعين عاما في معارك بين قبيلتين هما أولاد عم. واستمعت الى السير كما يرويها الرواة.. وكل راو متخصص في إحدى السير.. الأساطير عامة استهوتها فرجعت الى الأوديسة الاغريقية والقصص المصرية القديمة: مثل إيزيس وأوزيريس والقصص الديني مثل قصة سيدنا يوسف وزليخة.. كيف حاولت أن تعبر عن هذه الأساطير الشعبية بخامات تشكيلية من عناصر نباتية وحيوانية ونسجية وخرز وزجاج؟.. تقول الفنانة الشابة جيهان الملكي: الراوي كان يثير خيال المستمع لم يكن هناك راديو.. ولم يكن هناك سينما أو تلفزيون.. ارتبطت وأنا صغيرة بمسلسل تلفزيوني عن «الزير سالم» كان بطله نور الشريف وتوقف عرضه 1981 بسبب مقتل السادات.. قراءتها وعشقها للأسطورة الشعبية جعلها تحاول أن تجد حلولا تشكيلية لتصوراتها.. الحيوانات من جمال وخيول وحمير.. النباتات من نخيل.. الأنسجة بين الخشن والناعم.. الجلود.. الشعر الطبيعي.. شباك الصيد على شاطئ مدينتها.. الخيوط الطبيعية والصناعية.. الحلي.. الخرز.. الخشب والصفيح.. كل مادة لها طبيعة خاصة.. وملمس خاص وامكانيات توظيف جمالي خاص.. الجلد الجاف مثلا يخرج كعمل نحت بارز.. كل هذا مندمجا مع الشخصيات.. صورت فحولة الرجل متمثلة في الشنبات الطويلة والعضلات.. العرافة.. العجوز الشمطاء.. الشريرة بحواجبها الملتوية وأنفها المعقوف.. الأميرة الجميلة بعيونها الجذابة وطيبتها المستسلمة. من دراستها العملية للماجستير.. وهذا المعرض هو نتاجها، جعلها تسير في نفس الخط لدراستها العملية لأطروحتها للدكتوراه مركزة على علاقة الرجل بالمرأة.. تحييك الفنانة الشابة مرتكزة على عصا بابتسامة عذبة متفائلة.. مؤكدة أن الفن هو الارادة وحب الحياة، ولا تنسى وأنت تترك قاعة إنجي أفلاطون أن تلقي نظرة أخيرة مودعا شخوصها الأسطورية الشعبية.. وقد أضيئت القاعة.. وهي تحكي لك عن حكايات زمان.. لا تزال تثير خيال العصر الحديث.