السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 محمد القباني واكب الحركة المسرحية والفنية الأردنية وأصبح جزءاً من ذاكرتها وأحد رموزها . كرس لها الكثير من الأعمال على مدار ثلاثة عقود في المسرح والتلفزيون والسينما ،وهو واحد من مؤسسي (رابطة الفنانين الأردنيين) وترأسها بين عامي 1990 ـ 1994 من أبرز أعماله المسرحية (الشحاذين) للمخرج جميل عواد ،(طيبة تصعد للسماء) للمخرج نادر عمران وفي السينما اشترك مع المخرج محمد شكري جميل في فيلم «الملك غازي» وفيلم «حكاية شرقية» لنجدة أنزور وقدم للتلفزيون أعمالاً كثيرة أبرزها مسلسل إبراهيم طوقان و«خطوات نحو المستحيل ». هذا نص حوار معه: ـ ماذا يريد محمد قباني من المسرح وماذا يريد المسرح منه؟ ـ أنا مجرد ترس في عربة اسمها الحركة الفنية الأردنية لا أشكل رمزاً لكنني قمت بمحاولات مستمرة لإثبات الحضور في المشهد الأردني بشكل خاص والعربي بشكل عام وكان غرضي ان أصل الى الانسان البسيط وأعبر عن همومه ومشكلاته ومجمل الحياة القاسية التي يحياها . الشق الآخر من السؤال ،أعتقد ان المسرح يريد مني المزيد من العطاء والصمود في هذا الزمن الذي عز فيه الصمود! ـ هل تلاحظ ثمة مؤشرات لمواطن ضعف في المسرح الأردني ؟ ـ مواطن الضعف واضحة لا تستدعي الكثير من البحث في عموم المسرح العربي وليس المسرح الأردني فقط أقصد هنا قدرة المسرح على اختراق وجدان الجمهور . هذه القدرة محفوفة حالياً بالكثير من الملابسات أعتقد ان الظروف الاقتصادية هي من جملة الأسباب إضافة لظروف أخرى لها صلة بتجربة المدارس الحديثة التي بدأت تبرز في المجال المسرحي وهي بشكل محدد الاستخدام الجائر لـ «السيتوغرافيا» برأيي ان البحث النظري في الأشياء دون التطبيق العملي لها يعتبر مؤشر ضعف أيضاً قبل قليل كنت في ندوة حول المسرح . كثير من الوقت تم هدره لإثبات نظرية تتساءل فيما إذا كان للعرب تراث مسرحي سبق المسرح الإغريقي أو الغربي أو لا. هذا بنظري مضيعة للوقت فنحن بحاجة للفعل المسرحي الذي يجب على المسرحيين ان يولوه الاعتبار الأهم . ـ بأي اتجاه تتعامل مع بعض المسميات المسرحية كالمسرح الجاد والتجاري والتجريبي وغيرها؟ ـ أنحاز بشكل أكيد وواضح للمسرح الذي يحاكي هموم المواطن من واقع فهم عميق لها وأؤكد على ضرورة التركيز على مسئولية الكلمة لأنها ركيزة العمل المسرحي. ـ الفعل المسرحي هو تفاعل بدرجة أو بأخرى مع المعترك الأيديولوجي أين أنت من «أدلجة المسرح»؟ ـ أنا شخصياً ضد الأيديولوجية التي تؤطر الفعل المسرحي. بمعنى آخر المسرح المؤدلج لا يستهويني ولا أحب في الوقت نفسه ان أعبر عن أحادية فردية لمجموعة من الأشخاص أو لفرد معين. هذا يقودنا الى الدكتاتورية وأنا أمقت الاستبداد أساساً. أنا مع المسرح المتوجه للإنسان فقط ،بلا أيديولوجية محددة. ولقد ثبت عملياً ان الأيديولوجيات المحددة لا تخدم القضية الإنسانية ولا الفن والدليل على هذا الاتحاد السوفييتي وما جرى له ولمسرحه المؤدلج! ـ برزت مؤخراً ظاهرة انحسار العروض المسرحية ـ كماً ونوعاً ـ. هل تجد تبريرات لهذا الانحسار ؟ ـ من بين الأسباب ما هو اقتصادي فلكي يتمكن المخرج من عمل موازنة مالية متواضعة عليه ان يمر في أكثر من مطب ونفق. أما على الصعيد التقييمي للجهود المسرحية فيرجع الى ظهور ما يطلق عليه بمصطلح «السيتوغرافيا» التي تحولت في كثير من الأعمال الى ما يشبه «التقليعة» اذ أصبح المخرج يستعين بها لغرض إبراز قدراته على حساب دور الممثل. عندما تجد مخرجاً يظهر الممثل على خشبة المسرح بطريقة سالسلويتز وهذا يعني استخداماً جائراً للإضاءة وطغياناً للمنهج الشكلاني لتكون المحصلة قتلاً لملامح الممثل وأحاسيسه كما ان اغتيالاً للكلمة سيحصل في النص المعروض وهكذا تجد مثلاً ان أغلب النصوص المكتوبة يتم اقتطاع عشر أو خمس عشرة صفحة منها ـ سواء كانت من المسرحيات العالمية أم العربية ـ من ثم تقدم على أطباق باردة تحت معايير ما يسمونه التجريب وأنا أعتقد ان التعبير الأدق هو التخريب لا التجريب. مسرح الشباب ـ كيف ينظر القباني لتجربة «مسرح الشباب»؟ ـ هذا ما مارسته بشكل شخصي أثناء تسلمي مهام رئيس رابطة الفنانين في فترة من الفترات وابتدعنا مهرجاناً أسميناه «مهرجان الشباب» وكان مبنياً على شعار «لا للفصل بين الشباب والمسنين أو الهواة والمحترفين» كما أصبح فيما بعد. أنا مع التجربة الحقيقية جملةً وتفصيلاً وضد تسميات مسرح شباب ومحترفين. المسرح هو المسرح سواء كان للطفل أو الشاب بغض النظر عن عامل السن. ـ الخطاب العام للمسرح مبني على ركيزتين هما الإرسال والتلقي. لماذا عجز هذا الخطاب في الوصول لقلب المتلقي وأقحمه في فوضى؟ ـ بما ان أصل القضية يعتمد على عنصري الإرسال والتلقي فهذا يعني اشتراط توافر الاستعداد الكامل لكل طرف لتنفيذ المهمة التي أنيطت به. ما جرى في السنوات العشر الأخيرة هو ان الإرسال جاء بعيداً فلم يستلمه المتلقي. كما ان مشاهدة العروض المسرحية ،نتيجة لذلك،اقتصرت على رواد المهرجانات المسرحية وهم وجوه تتكرر في كل مهرجان. ستشاهدني في هذا العام كما شاهدتني قبل عشر سنوات وكما أراك بعد خمس من السنين. اتخذت المسألة لها بعداً نخبوياً ولم تتوجه للجماهير العريضة التي يهمها في المسرح ان يتوجه الى معضلات القلب الإنساني. لماذا حدث هذا بالضبط ؟لأنها ابتعدت عن الموضوعات التي تهم الناس فبدأنا نهرب الى التراث وشكسبير ونسينا ان لدينا جمهوراً يحب ان يلامس الفعل المسرحي مكنوناته الذاتية. ـ ثمة مقولة استفزازية مفادها ان الجيل الجديد من المسرحيين -خاصة الأكاديميين منهم ـ مضطربون ويبدون كما لو أنهم يسيرون على ساق واحدة ! ـ ربما لأنهم امتلكوا قناعة وهمية مؤسسة على ان الدراسة الأكاديمية هي السلاح الممكن الوحيد الذي يعطيهم جواز مرور الى عالم المسرح وهذا المنطلق غير حقيقي ولا يدخل الى صميم العملية الإبداعية لان المسرح فعل تراكمي لتجارب مسرحية سابقة ولكنه أولاً وآخراً لا يخرج عن صميم الإبداع، فالإبداع هو الذي يصنع فناناً وليست الدراسة الأكاديمية لوحدها!