الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 أن تجتمع النساء وتنخرطن في حالة من البوح قد يكون أمرا متوقعا ولكن مفاجأة مشروع المخرجة الشابة «نوارة مراد» اجتماع أربعة نساء من أعمار مختلفة في الليل خارج الأسوار في فيلمها القصير الذي حمل اسم «ليل خارجي»، وهو الاسم الذي توصف به عادة مشاهد الأفلام وهي في اختيارها للاسم وضعت بطلاتها في جو مختلف تماما عن الأجواء المفروضة على النساء خلف الأسوار فهن تلتقين في شرفة منزل ، وصيدلية ليلية وشوارع القاهرة ليلا وعلى أحد كباريها في الليل صدفة التقاء الشابة التي تمارس رغبتها في الحرية فتدخن في الطريق وتعبر عن نفسها بحرية مع المراهقة التي تعاني من السمنة مما يسبب لها حرجا مع الآخرين ، والمرأة الشابة المسيحية محاطة بنصائح الأهل ورجل الدين ورابعا المرأة كبيرة السن التي تحمل مشاعر طفولية وتندمج مع الأخريات، هذه الصدفة خلقت حالة أرادتها المخرجة لتبوح كل واحدة بما يعتمل في داخلها من مشاعر تجاه علاقتها بالآخرين وخاصة من يمارسون سلطة ولا يكفون عن تسديد النصائح ، وهم: الأم، الأب، الزوج، الزميل ، ورجل الدين، ومثلما كانت أفكار النساء على قدر من الحيوية والاختلاف عن الصورة السائدة عن المرأة كذلك كان أسلوب المخرجة في كسرها المقصود لقواعد الانتقال بين اللقطات فتعمدت أن تقطع على نفس محور الكاميرا - المصطلح الفني القطع على الأكس - فتصور اللقطة العامة ثم المتوسطة والقريبة دون أن تغير زاوية الكاميرا كما تحدد قواعد التصوير المدرسية ، وهذه الطريقة ناسبت حالة البوح شديد الصراحة العنيف في شفافيته الذي تخلقه حالة انفراد النساء ببعضهن وهن في المشهد النهائي على شاطئ النيل تقوم الواحدة منهن بأداء مشهد تمثيلي تسخر فيه من كل الآراء التي تحد من حريتها وتكبل تصرفاتها وتريد قهرها والسيطرة عليها وعندما يتهجم عليهن أشقياء في الليل لا يركضن أو يصرخن كما هو متوقع غالبا من النساء بل يقاومن وينجحن في إبعادهم والبقاء معا يمارسن حقهن في التواجد في الليل الخارجي فيلم «ليل خارجي» الروائي القصير «15ق» ينبئ بمخرجة واعدة لديها ما تقوله وتمتلك وسائل التعبير عما تريد قوله ، ولديها الإصرار على إخراج أفكارها للنور دون أن تتنازل بتقديم السائد والعادي وهي مقبلة على تنفيذ عملها الثاني من خلال شركة «سمات» التي تتبنى الأفكار المستقلة وتسعى لفرضها على السوق السائد الذي تحكمه قواعد من قوى مسيطرة تمارس ما رفضته بطلات «ليل خارجي» من محاولات تطويع وقهر. عندما سئل المخرج الإيراني «عباس كياروستامي» لماذا لا يقدم النساء في أفلامه قال إنه لا يريد أن يقدم المرأة الأم أو النساء المعذبات اللاتي تعانين من مشاكل مع الرجال، وبعد أن فكر قليلا قال إنه عندما يقدم فيلما مع الأطفال يجد نفسه أقرب لفهم الولد عن البنت ولهذا فأبطاله من الذكور رجالا وصبية وأطفال. مخرجتنا الشابة «نوارة مراد» نجحت فيما خشي منه المخرج الإيراني الكبير فهي لم تركز على المرأة الأم أو التي تعاني من ظلم الرجال بل قدمت شخصيات نسائية كاملة الأهلية تعانين نعم ولكنهن يقاومن الاستسلام لأقدارهن وينتهي فيلمها وقد نجحت كل واحدة - ولو مؤقتا - في التخلص من عقدتها فالشابة تسير بلا اضطراب ممسكة بسيجارتها في الطريق والصبية التي تعاني من السمنة تخلصت من الرداء الرياضي الذي تتحرك فيه كما الدبة ، وهاهي تسير بجونلة ضيقة وتشعر بكونها أنثى رغم سمنتها ، والمسيحية الصيدلانية نجحت في كسر الحواجز وتقبلت حب الزميل الصيدلي الخجول ، أما المرأة الكبيرة فقد وجدت صديقات تشعر معهن بالتواصل وتمارس من خلالهن رغبتها في العيش بمرح وسعادة، حققت نوارة مراد نوعا من العلاج الجمعي ينصح به الأطباء النفسيون للتخلص من التوترات والمشاكل النفسية وهي في مشاهد فيلمها التي تعمدت اختيارها في الخارج ومع سكون الليل قدمت روشتة علاج لبطلاتها وكانت وصفة ناجحة فنيا وإنسانيا. نوارة مراد في عملها السينمائي الأول «35 مللي ألوان» وهي كاتبته ومخرجته أيضا فنانة موهوبة ، ما ساعد على بناء شخصية الفنانة بداخلها ، المطالعة ومشاهدة الأفلام ، والتواجد في الوسط الثقافي وفي أماكن صنع الأفلام في البلاتوهات حيث عملت كمساعد إخراج مع المخرج سمير سيف في «معالي الوزير» كما عملت مع زملاء شباب في تجاربهم المستقلة ، نوارة مراد لم تجلس وراء الجدران في انتظار فرصة تهبط عليها من السماء بل اقتحمت المجال وهي في رأيي لا تقل موهبة عن الشابة الإيرانية «سميرة مخلباف» التي اشتركت بأفلامها في مهرجان كان وقدمت ورقة بحثية عن ثورة الديجيتال ، الفارق فقط في الاهتمام الإعلامي الغربي بالسينما الإيرانية مع تجاهل مماثل للسينما العربية ليس في مصر فقط ولكن في لبنان وسوريا ودول المغرب العربي وفي الطريق مخرجات واعدات من الإمارات تتعلمن فنون الفيديو ولديهن الطموح للانضمام للمبدعات العربيات اللاتي نجحن في تخطى الأسوار للتعبير عن ذواتهن وواجبنا نحن أن نسلط عليهن الضوء تشجيعا ومساندة. صور فيلم «ليل خارجي» إسلام عبد السميع وخاض اختبارا قويا لموهبته لصعوبة التصوير في الليل ونجح فيه بجدارة بجعل الليل غير مظلم ونجاحه في التعبير عن شخصيات النساء الممتلئات بالفرحة والحياة وهو ما نجحت في التعبير عنه الممثلات كل في دورها ، فرح يوسف في دور الشابة باقتدار ، هالة توكل الصيدلانية المضطربة والطفلة ياسمين ، أما الاكتشاف الحقيقي فكانت السيدة ليلى عز العرب الوجه الجديد التي قامت بدور صغير في فيلم «معالي الوزير» والتقطتها نوارة وقدمتا معا شخصية تؤدي كوميديا لها طعم خاص عبرت عن المرح أكثر مما تعبر عن الهزل وساعدت في التأكيد على روح التفاؤل التي صبغت فيلم «ليل خارجي» والذي ميز مشروع نوارة عن غيره من مشروعات زملائها من المخرجين الذكور الذين غلبت عليهم روح التشاؤم والنظرة السوداء وإحساس بالعجز نجحوا أيضا في التعبير عنه. قامت بعمل المونتاج ميادة توفيق بقدر من المهارة والفهم لأسلوب المخرجة التي تريد خلق الصدمات وليس تحقيق سلاسة أو بلادة ونجحت في المحافظة على الإيقاع العام واستخدمت الموسيقى بتناغم مع باقي عناصر الصوت باستثناء فريق التمثيل كل فريق العمل من الطلبة الدارسين في معهد السينما بالقاهرة الذي يواصل تخريج كفاءات في كافة التخصصات بإشراف أساتذة يمارسون فن السينما ولا يكتفون بالنظريات ، و يتركون الحرية لطلبتهم لاختيار موضوعاتهم والتعبير عنها مدركين أنها قد تكون الفرصة الوحيدة للعمل دون شروط يفرضها سوق التوزيع أو حراس البوابات الذين يفرضون تصوراتهم عما يجب تحقيقه من أفلام. فيلم «ليل خارجي» مشروع السنة الثالثة لطالبة إخراج «نوارة مراد» لعام 2002 ، عاونها على تحقيقه الأساتذة سمير سيف في الإخراج ، ومنى ربيع في المونتاج وسمير فرج في التصوير ، وأشرفت على إنهاء المشروعات د. نجوى محروس ، وهي أول سيدة تشغل منصب العميد لمعهد السينما ، هل نقول بثقة النساء قادمات ؟ نتوقع أن يكون مشروع التخرج للمبدعة الشابة «نوارة مراد» على نفس الاتجاه ، فيلم كتبته وأخرجته أنثى تعرف جيدا نفسية مثيلاتها وتعبر عنها دون بكاء بل بقوة وبجمال. القاهرة ـ صفاء الليثي: