الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 ناجي العلي من اشهر رسامي الكاريكاتير، فنان اصر ان لا يكون صدى لأى صوت آخر فقراره لا يكون الا هو.. يشته تفجر صرخات العالم لتنبش الحقائق الدفينة من تحت ركام موغل في العمق، ولذلك عرف دور الكاريكاتير السياسي ان مهمته التحريض، التبشير بولادة انسان عربي جديد سيأتي حتماً، التحريض عملية معروفة تاريخياً أليس واجباً علينا أن نقول كلمة الحق أمام سلطان جائر؟. الكاريكاتير موجبة عليه كلمة الحق. مهمة الكاريكاتير تعرية الحياة بكل ما تعني الكلمة، الكاريكاتير ينشر الحياة دائماً على الحبال وفي الهواء الطلق، وفي الشوارع العامة انه يقبض على الحياة اينما وجدها لينقلها إلى اسطح الدنيا حيث لا مجال لترميم فجواتها، ولا مجال لستر عورتها». ناجي العلي كان يعرف انه يعيش في حقل من الالغام، وهذا ما ادى يوم 22 يوليو عام 1987 تعرضه لمحاولة اغتيال ادت إلى استشهاده يوم 29 اغسطس 1987 واحياء لذكراه ينظم المجمع الثقافي في ابوظبي بالتعاون مع اسرة الفنان الراحل معرضاً لاعماله وذلك يوم 23 ديسمبر الحالي. ومن يومها اغلق «حنظلة» عينيه إلى الابد «حنظلة» الذي ولد في العاشرة من عمره كما وصفه ناجي العلي سيظل دائماً في العاشرة ففي تلك السن غادرت الوطن وحين يعود «حنظلة» سيكون بعد في العاشرة ثم يأخذ في الكبر بعد ذلك وفقاً لقوانين الطبيعة المعروفة التي لا تنطبق عليه اذ انه استثناءء وستصبح الامور طبيعية حين يعود الوطن فالطفل يمثل موقفاً رمزياً ليس بالنسبة لي فقط بل كحالة جماعية تعيش مثلي واعيش مثلها». المرارة التي اجترها الشعب العربي جسدها ناجي العلي باسم حنظلة مفسراً هذا «قدمته للقراء واسمه «حنظلة» كرمز للمرارة في البداية قدمته كطفل فلسطيني لكن مع تطور وعيه اصبح افقه قومياً. وافقه كونياً وانسانياً». حول ناجي العلي في حياته رمز الطفل حنظلة إلى توقيع يتساءل الناس عنه اينما ذهب، وعن خطوط حنظلة الاولى التي وهبته الحياة إلى الابد. ذكر «كان لي اصدقاء تشاركت معهم العمل، تظاهرنا، سجنا، لكن عندما انتهوا إلى ان يتحولوا إلى «تنابل» واصحاب مؤسسات وعقارات خفت على نفسي من الاستهلاك، وفي الخليج انجبت هذا الطفل وقدمته للناس اسمه «حنظلة»، رسمته طفلاً غير جميل، شعره مثل شعر القنفذ والقنفذ يستخدم اشواك شعره كسلاح. حنظلة ليس طفلاً سميناً مدللاً مرتاحاً، انه حاف ومن حفاة اهل المخيم، هو «أيقونة» تحميني من الشطط والخطأ، وبرغم انه غير جميل الا ان حشوته الداخلية تحمل رائحة المسك والعنبر، ومن اجله سأقاتل قبيلة بأكملها عندما يمس. ان يديه المعقودتين خلف ظهره، علامة الرفض في مرحلة تمر بها هذه المنطقة،، وتقدم لها الحلول على الطريقة الاميركية وعلى طريقة الانظمة ان حركة يديه شكلتها بعد اكتوبر عندما شممت رائحة تطورات مقبلة على المنطقة عبر حقيبة «كيسنجر». اما عن «حنظلة» الذي يدير ظهره للقراء فهذا من ناجي العلي الفنان الذي حلم بالعودة، ولم يعد. قال عنه «في المراحل الاولى رسمته ملتقياً وجهاً لوجه مع الناسا وكان يحمل «الكلاشنكوف» وكان ايضاً دائم الحركة وفاعلاً وله دور حقيقي يناقش باللغة العربية والانجليزية، بل اكثر من ذلك فقد كان يلعب «الكاراتيه» يغني الزجل، واثناء انتفاضة الضفة الغربية، كان يحمل الحجارة ويرجم بها الاعداء، واثناء خروج المقاومة الفلسطينية في بيروت كان يقبل يد هذه المدينة الجريحة مثلما كان يقدم الزهور لها. وقد يعطي تفسير ان لهذا الطفل موقفاً سلبياً ينفي عنه دوره الايجابي لكنني اقول: انه عندما يرصد تحركات كل اعداء الامة، ويكشف كافة المؤامرات التي تحاك ضدها، يتبين كم لهذا الطفل في اسهامات ايجابية في الوقوف ضد المؤامرة، وهذا هو المعنى الايجابي». وبعد مضي خمس عشرة سنة على اغتيال ناجي العلي سينظم المجمع الثقافي في ابوظبي بالتعاون مع اسرة الشهيد معرضاً لرسومه يوم 23 ديسمبر الجاري. لكن ماذا يقول العرب في فنانين وادباء عن تجربة ناجيي العلي الفنان الذي لم يعرف طريق المناورات، ولم يعرف لفلسطين الا طريقاً واحداً وحيداً هو طريق البندقية. المقتول الذي يعرف قاتله من واقع التجربة التي جمعت اكثر من مرة فنان الكاريكاتير علي فرزات بناجي العلي قال فرزات: «زرت ناجي العلي مرات عديدة عندما كان يعمل في جريدة السفير اللبنانية لم يكن لناجي العلي مكتبه الخاص به وكأنما القدر كتب عليه ان يكون لاجئاً حتى في عمله فتراه يتنقل في مكتب إلى آخر. في اوائل السبعينيات احاطت بالشعب العربي عوامل عديدة تتراوح وبين الاحباط والشعارات والنضال والشعور بالمهانة الـ 67 وموجة الانخراط في العمل الفدائي والمزاودات السياسية العربية، تلك الارباكات خلقت لدى ناجي العلي الفنان حالة من الصدامية والمواجهة مع الآخرين لم تكن توفر احداً لاسيما جلساء المناسبات السياسية حتى كنت اشك للحظات ان يكون له صديق واحد في مثل تلك المناسبات.. اصدقاؤه الوحيدون هم من كانوا يتابعون اعماله من البسطاء. لم يكن ناجي العلي من نمط غالبية رسامي الكاريكاتير هذه الايام، الذين يعملون في الصحافة لاجل تسويق افكار رئيس التحرير والانتظار امام مكتب المحاسبة في نهاية كل شهر. ناجي العلي والقدر اختار كل واحد منهما الآخر، وتبنى موقفاً جعل من لوحاته «سيروما» يمزج فيه الملح والسكر لوطن ينزف، ونادرا ما تضيع المسألة بين «نزف ريشته ونزف الجريح». ويؤكد فرزات «قبل ان يمضي ناجي العلي نحو حتفه في لندن واجه الكثير من مشاريع القتل والتهديد من قبل شخصيات سياسية وقيادية فلسطينية، وقد ذكر لي مرة انه كيف اتى شخص قيادي رفيع المستوى الى جريدة السفير ليسوي خلافاً مع ناجي العلي بطريقة التهديد، ولما وجد انه ليس من نتيجة في ذلك الاسلوب لجأ الى حل تبويس الشوارب الذي وصفه لي ناجي بأن «فلانا.. الشخص القيادي ظل يبوسني بعد ان كان قد هددني بالفرقة 17». وروى لي ذات مرة كيف ان مسئولاً فلسطينياً كان مقيماً في دولة عربية زارعا شجرة ليمون في بيته من باب «الفلوكلور» الوطني فاستفزه ذلك المنظر وقام الى الشجرة وتبول عندها. ويعود فرزات الى الذكريات التي جمعتهما معا فيقول كثير من المناقشات والحوارات الصعبة تدور بيني وبينه كلما التقينا، ففي المانيا برلين عام 1980 اشتركنا في معرض عالمي للكاريكاتير، وفي بهو الفندق دار حوار حول اسلوبية تنفيذ الكاريكاتير واختلافه بيننا حيث كان من انصار وضع حوار في الرسم، بينما كنت ادافع عن وجهة نظري بعكس ذلك. وهكذا، وغالبا ما كان يحتد النقاش وينتهي بعبارته التصالحية «شايف ما في غيري وغيرك شايلين السلم بالعرض» ويقصد بحملنا لهم الوطن. ويختم فرزات كلامه راثياً: قد أرثيك اليوم يا ابو خالد جسداً لكني لن ارثي اعمالك وروحك التي ترفرف فيها من خلال حنظلة وانه لمن سخرية القدر ان يعرف المقتول قاتله، والآخرون مازالوا يبحثون ارثى لأمة تلتهم دماغها ومبدعيها وترميهم على أرصفة الغرباء الباردة. لا اقدر الآن ان اصل اليك فالمسافة بعيدة والورد قد يذبل لكنني على يقين ان شهداء كثيرين قد وصلوا لعندك يحملون لك اخباراً طيبة». ناجي العلي سيموت ايضا الشاعر قاسم حداد يحلل تجربة ناجي العلي بقوله: «يمكننا اعتبار الابيض والاسود عند ناجي العلي جناحي الصقر، كناية عن التحليق الشاهق والشموخ الابداعي، كما انهما في الوقت نفسه لونا حدقتي العين كناية عن التحديق العميق والشجاع بعين الحقيقة وفي عين الواقع. في هذه الشرفة اجد نفسي منسجما مع ضمير الغائب الذي كان يمثله ناجي العلي بالنسبة للمثقف العربي في ربع القرن الاخير فالمسافة بين مخيم عين الحلوة والبحيرات المرة الكثيرة التي تستعصي على الوصف والعد، هي مسافة جهنمية تمكن فيها ناجي العلي، ان يشكل المجابهة الحيوية للعمل الثقافي الارقى في ممارسته النضالية، من دون التفريط باستقلالية المبدع او الخضوع لأوهام السياسي الخفيف في حضرة الواقعية السياسية التي اخذ قطاع كبير من مناضلي الحزب العربي «نظاما ومنظومات» الترويج لها وتسويقها باعتبار ان متغيرات الظروف العربية وتحولات المشهد العالمي تتطلب الاعتراف بالامر الواقع وهو غالبا ما يقع على كواهلنا. ويؤكد قاسم حداد ان ناجي العلي لم يكن في هذا الوارد على الاطلاق لقد كان يرى بلوني حدقتيه يحملق ويحلق بهما ببسالة المقاتل العاري من الاسلحة. وقد غاب عن الكثيرين ان تجريد المقاتل من اسلحته يجعله اكثر شجاعة واستعداداً للمجابهة والشد على حدود الافق بالنواجذ. ويرى حداد ان العلي لم يكن اضعف من رسام لا يمتلك غير الابيض والاسود ولم يكن اقوى منه في نفس اللحظة. هذا بالضبط ما اثبته ناجي العلي وهو يمسك على حجرته ذات اللونين بلا خشية ولا خوف، لذلك فإن ناجي العلي لم ينج ابدا من مصيره مصير كان يراه رأي العين. وهذا ماجعل هذا المبدع الفذ نموذجاً باسلاً للضمير الصامت والمكبوت والمصادر والمقهور من العرب وغيرهم، اكثر من ذلك فانه كان «وظني انه» لا يزال يشكل اليقظة الباكرة للمثقفين العرب الذين كانوا يحفظون له احتراماً خاصاً بوصفه الاكثر جرأة في سياق الموقف والفعل في المشهد العربي لكن بقي ان نقول: استطراداً وفي اللحظة العربية المأساوية باعتبار: ماذا سيقول «اعني سيرسم ناجي العلي لو انه موجود معنا الآن؟ بالنسبة لي اخشى ان يكون الجواب اكثر مأساوية وضراوة. اظن انه لن يقول شيئاً لن يرسم شيئاً اظن انه سيموت ثانية سيموت ايضاً مثلنا. يحلل الفنان والناقد التشكيلي ونائب رئيس تحرير جريدة «الاهرام» مكرم حنين قائلا: الفنان ناجي العلي 1936 ـ 1987 مزيج من العسل والسم في آن واحد تأسست تعبيريته الشديدة كإنسان غاية في الحساسية، طرد من وطنه وهو في الثانية عشرة من عمره كطائر شريد صغير تحطم عشه في الشجرة والقى بعيدا عن الارض عام 1948 حيث حياة المخيمات القاسية في عين الحلوة. كان جانبه المقبول هو الفن، فن الرسم ولكن الكاريكاتير الذي كان يرسمه كان جريئاً اكثر من اللازم مقهوراً اكثر من اللازم تخطى الحدود بنقده المرير بلا محاذير. وصف حنين «العسل فن ناجي العلي» مميزاً بخطوطه متمكناً من التعبير عن اللقطات الفنية الممتازة رسماً وتعبيراً، اما السم فكان في اعتداده في رأيه حتى الغرور والتطاول بلا مبالاة وكانت الشحنات التعبيرية جمرة من النار تحرقه وتدمره من الداخل وكان عليه ان يتقيأها على الورق ليستريح فإن لم تخرج قتلته ازاح ناجي العلي الفواصل بينه وبين كثير من الزعماء العرب وعبر عن رأيه فيهم متناسياً كياناتهم والتصاق شعوبهم بهذه الكيانات غير مقدر عواقب الامور وتصور نفسه حكماً عليهم وسلط ريشته المرة عليهم دون ان يدرك لعبة الكبار، كبار الدول، ولم يفصل خلال حماسته بين ما هو عام وما هو شخصي وما هو دولي وتوجه بريشته الى جلد الذات العربية بعنف وبقسوة ناسيا ان الذات العربية تقبل النقد البناء وترفض الجلد والعنف، لذلك التفت حوله الكراهية بينما فرح هو بتألق اسمه في صحف المزايدة وكثرة التوزيع وصحبة المقاهي المشجعة له دون مسئولية». وعن نتائج مجازفة كهذه يعلق مكرم حنين: «كانت مزايدات الناشرين لرسومه الاخيرة تدفعه وتضحي به عن اغراض اهمها الربح وشهرة الصحيفة دون ان تكشف له عن خطورة مغامراته الكاريكاتورية وخاصة الشخصية للغاية وكانت الرصاصة رداً تصفوياً على مدافعه وقنبلته التي اطلقها لسنين طويلة فاغتيل في لندن واثار موته ضجة كبيرة، هذا الفنان الذي احتمى بالفقراء في البلاد العربية وفلسطين وقدم على موائدهم جرعات من التألم والمجاهرة والمرارة في رسومهم وكان نقده لكافة القيادات العربية مؤشراً بالعدمية واختفت الايجابيات غير ان عدداً قليلاً من رسومه كان مبشراً بانتفاضة الحجارة. واخيراً كانت شخصية «حنظلة» عام 1969 تعبيراً كاملاً عن الرفض والمرارة فكلمة الحنظل تعني اكثر النباتات مرارة وهو يتجسد شخصيته المملوءة بالمرارة بينما كانت ريشته المنسابة بسيطة، مؤثرة، فاعلة، خطيرة. استطلاع: عبير يونس