الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 ليس كل ما يلمع ذهباً، وليست أهم الأفلام هي التي تحصل على جوائز. في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأخيرة عرض فيلم «سرير الفسق» الذي يمثل تجربة فريدة في اشتراك زوجين مخرجة وزوجها معا في إخراج الفيلم وقام الزوج أيضا بعمل المونتاج للفيلم الروائي الطويل الذي يقترب من الساعتين وتدور أحداثه في ثلاثينيات القرن العشرين عندما كانت مولدوفا تتبع رومانيا والعاصمة بوخاريست حيث تدور فيها الأحداث التي تتضمن قصتي حب مع تغطية للأحداث السياسية والاجتماعية في الثلاثينيات. التجربة المشتركة في الإخراج حملت ذائقة فريدة في فيلم ممتع لا يكشف عن سره إلا قرب النهاية . تعودنا أن نشاهد أفلام دول الاتحاد السوفييتي السابق حافلة بالمرارة والكآبة ، أو غائبة في الماضي مراجعة أو رافضة له ، ولكن في سرير الفسق ابتعد مخرجاه عن كل الموضوعات التي طرقت من قبل واختارا فترة الثلاثينيات مع الشكل الجميل للملابس والإكسسوارات ، الطرز المعمارية وموديلات السيارات وقدما موضوعا يتفاعل معه كل البشر مستمتعين بحضور عصر كامل بكل تفاصيله الصغيرة. لم يكن هذا فقط محور الاستمتاع بالفيلم بل لبنيته القوية وعمق شخصياته المحبة والمتناقضة معا . «لاديما» كاتب موهوب وصحفييقوم بدوره الممثل الروماني أولج لانكوفسكي تورط بالانتحار نتيجة الحب من طرف واحد. حاول أصدقاؤه ومعجبوه تفسير هذا الحادث المؤسف والمفاجئ. يقرر «فريد فاسيلسكو» قام بدوره الممثل المولدوفي بيترو فيتكارو «صديق لاديما» وهو مليونير شاب أن يزور «إيميليا قامت بدورها تانيا بوبا من رومانيا » وهي ممثلة يمكن لأي شخص لديه مال ونفوذ أن يزورها ويمضي يومه بين ممارسة الحب معها وقراءة خطاباتها الخاصة التي كتبها لها صديقه «لاديما » فتقلب حياة فريد رأسا على عقب ويكتشف الأسباب الحقيقية لانتحار صديقه . الفيلم مروى من وجهة نظر فريد الذي يعلق بصوته حاكيا لنا اكتشافه الحاضر وعائدا لماضيه وماضي صديقه «لاديما» السرير هو مكان العودة من الفلاش باك، والخطابات هي الكاشفة لما حدث ، والمخرجان يجعلانا نكتشف مع البطل تدريجيا حياة وحب وموت «لاديما» التي جعلت فريد يرى مشاعره تجاه مدام «تي » الممثلة الرومانية بارعة الجمال مايا مورجيتسم بشكل مختلف يدفعه لاتخاذ قرار مفاجئ. فكرة سوء التفاهم التي عبر عنها «ألبير كامي» في مسرحيته الشهيرة تعود مع القصة الرومانية «سرير الفسق » تلك الفكرة المؤرقة والتي تجعل الأشخاص يتخذون قرارات يندمون عليها بعد ذلك ، فهل تكون هناك فرصة للتراجع ؟. أثناء قراءة الخطابات تتجسد المشاهد الخاصة بالصحفي الموهوب « لاديما » وكل ما يرويه من مواقف في العمل وخلافه مع الرأسمالي صاحب الجريدة التي عين رئيسا للتحرير بها مع كل إخفاقاته العاطفية وبشكل متواز تتداعي للمليونير الشاب «فريد » صور من حياته فيقدمها المخرج لنا دون تسلسل زمني مما يجعل بنية الفيلم مركبة وممتعة في نفس الوقت . بدأت الصداقة بينهما مصادفة مع المشهد الافتتاحي في الفيلم والذي لا نستوعبه جيدا إلا مع التداعيات الخاصة بفريد وهو يقرأ خطابات «لاديما » فعندما يعامل فريد السيدة تي بوقاحة غير مبررة كرد فعل خاطئ لإعجابه بها يدافع لاديما عنها بما سيتضح من أخلاقه المثالية دون سابق معرفة بها ، وكعادة الفترة يشعر فريد بالإهانة ويقرران المبارزة ، وفي الصباح وسط الثلوج يضرب رصاصته في الهواء ويتصافح الخصمان وتبدأ بينهما صداقة غريبة كون كل منهما يحب من طرف واحد فنشاهدهما في سيارة «فريد » الواقفة في الليل تحت منزل «إميليا» التي لا تمتلك ترف مبادلة « لاديما » الحب لفقره واحتياجها للنقود. وفي الوقت الذي أوضحت فيه الخطابات كل ما يتعلق بشخصية «لاديما » وصراعاته في العمل والحب ، لا نفهم الدوافع الحقيقية لتصرفات فريد وخاصة مع السيدة تي التي يتراوح علاقته بها بين الوله الشديد والحب من طرف واحد وبين تعمد إهانتها وقراره بتركها بعد أن بدأت في الاستجابة لعواطفه. المليونير «فريد » في الفيلم سيكتب كل هذه الأحداث مستعينا بخطابات لاديما لإميليا في الرواية التي اعتمد عليها الفيلم بنفس عنوانه «سرير العشق» لتؤرخ كأفضل رواية من رومانيا في القرن العشرين . هذا أول فيلم من مولدوفيا ينتج بعد عشر سنوات من التوقف ونظرا لقلة فرص العمل اتفق الزوجان على إخراجه معا واستعانا بأصدقاء من أصل مولدوفي يعيشون في أميركا ليستكملوا إنتاج الفيلم مع منحة الحكومة في مولدافيا التي لا يتجاوز سكانها أربعة ملايين نسمة. فيلم «سرير الفسق» اشترك في مهرجانات عدة وآخرها مهرجان القاهرة الذي حضر اليه المخرجان مع ابنتهما الصغيرة وحظي فيلمهما بإعجاب كل من شاهده. القاهرة ـ صفاء الليثي: