الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 السمعة التي سبقت فيلم مافيا قبل عرضه في دور السينما في الامارات لم تكن محض صدفة او محاباة بقدر ماهي حقيقة فرضتها الملابسات التي صاحبت موجة الاخفاقات التي اصابت معظم الافلام في الاونة الاخيرة حيث هيمنت العقلية التجارية واستعجال النجومية عند بعض الممثلين الشباب فوقعوا ضحية للاغراءات المادية او لمجازفتهم بتحمل مسئولية القيام بادوار البطولة دون مساندة او مشاركة جماعية، غير ان مجموعة العدل للانتاج قد انتبهت لهذه الاشكالية كما هو حال حرصها في جميع الاعمال السابقة التي انتجتها فهي تراعي بالدرجة الاولى مقومات النجاح الواجب توفرها في العمل الفني ابتداء من القصة وانتهاء بتوزيع الادوار على اكثر من نجم وهذا ما حدث بالضبط في فيلم مافيا حيث الانطلاق من قصة جديدة تم تنفيذها وتصويرها بطريقة مغايرة لما هو مألوف في السينما العربية حتى ولو اخذنا عليها طغيان الطابع الاميركي من حيث «التقليد» البحت والاغراق فيه بصورة ملفقة، والقصة لمؤلفها مدحت العدل تدور احداثها حول حسين الشاب المصري الذي تدفعه الظروف الاقتصادية لان ينتمي لمجموعة الجزار التي تحترف القتل والاتجار في الممنوعات الى ان يقع في يد الشرطة ويقاد الى السجن وهناك يتعرف على اصدقاء يسهلون له عملية الهروب المدبرة والمعد لها اصلا من قبل جهاز الامن وبمساعدة ضابط الشرطة طارق زيدان غير ان الهروب يفضي بالشاب حسين الى سجن آخر هو بمثابة عملية مقايضة او تبادل مصلحة حيثياتها ان يساعد حسين رجال الامن على احباط عملية اغتيال لشخصية مهمة تزور مصر مقابل اطلاق سراحه ومنحه شهادة عفو واسقاط التهم عنه، ولكي يتم تأهيله نفسيا وبدنيا للقيام بالعملية يظل تحت اشراف الدكتورة مريم الاختصاصية النفسية ومدربة الكاراتية في نفس الوقت، يساعدها ضابط المخابرات طارق الذي يمعن في اخضاع حسين لعمليات اختبار جادة وصعبة تم تصوير مشاهدها في مدينة اسوان وبالتحديد على ضفاف النيل، أما زين فهو الصديق الثاني الذي تقرب من حسين داخل السجن وهو خبير بتقنيات الكمبيوتر تم الاعتماد عليه لتلقي المعلومات والشفرات وتبادلها مع الهدف. ومختصر القصة ودلالاتها قدمها الفيلم من دون خطابية رغم انها تدور حول الوطن والوطنية فلا فرق بين زين المسيحي او مريم او حسين السجين، وهذه اشارة يجب الانتباه اليها ورسالة مقصودة مفادها ان السجين ايضا يمكن ان يقدم خدمة للوطن، ويمكن ايضا اعادته للوضع الطبيعي ليمارس حياته من جديد بشكل اعتيادي، وحين يتعرض الوطن لخطر خارجي ينخرط المسلم والمسيحي للدفاع عنه، هذه اضاءات ضمنية جاءت من خلال السياق ولم يتم التركيز عليها بصورة فجة تفسدها جمالياتها واهدافها. من هنا نستطيع القول بأن تألق المخرج شريف عرفة هو تألق وتأنق في القصة والسيناريو اولا وفي قوة الانتاج ثانيا مما اتاح للكاميرات ان تعبر عن نفسها في فضاءات رحبة تبهر المشاهد وتأسره بحق امام عمل سينمائي محترم، ان انتقال الكاميرا من مكان الى اخر بصورة مفاجئة وتصوير معظم المشاهد من زوايا مختلفة استخدمت فيها الطائرة احيانا تجعل من تسارع الحدث وتناميه مادة مثيرة تسيطر على المشاهد علاوة على ان موسيقى عمر خيرت كان لها وقعها الخاص والمناسب للاحداث فلا تشعر بنشاز بين المشاهدة والاستماع اما من حيث الاداء التمثيلي فيجدر بنا ان نشيد بامكانيات احمد السقا ومنى زكي واحمد رزق خصوصا في المشاهد التي تطلبت قدرة بدنية هائلة وجسدا مطواعا قادرا على الاداء الجيد كما هو الحال في مشاهد التدريب بالنسبة لاحمد السقا ومنى زكى، اما احمد رزق فهو يؤكد بأدائه على انه خامة ممتازة ينتظرها المزيد من التألق والنجاح. بقيت كلمة لابد من قولها انطلاقا من ان اي عمل يقع في هنات وسقطات يمكن تحاشيها بسهولة، ويبدو ان بداية العمل مازالت تشكل مشكلة بالنسبة للبعض من حيث الحوار ومادته ومع ان بداية فيلم مافيا كانت سريعة ومثيرة الا ان الحوار في بداياته اخذ رتما بطيئا خصوصا في عملية التسليم والتسلم بين الممثلين وبقيت مساحات من الصمت لاتتفق مع مادة الحوار والشخوص اما الشيء الاخر فهو يكمن عموما في المؤثرات الصوتية في جميع الافلام العربية ووقع فيه بطبيعة الحال فيلم مافيا، فأي صوت ذلك الذي تصدره اطارات السيارات على طريق رملي او ترابي؟، مجرد سؤال الاجابة عنه تحتاج الى اعادة نظر! عز الدين الاسواني