الاحد 4 شوال 1423 هـ الموافق 8 ديسمبر 2002 في المسابقة الرسمية لمهرجان قرطاج السينمائي الأخير قدم المخرج الجزائري غوتي بن دروش فيلمه الجديد «الجارة2002» الذي يدور في عالم حي (القصبة) الذي تحدده قوانين صارمة وكاتبه عبر الأجيال وعالم من نساء حيث تسيطر على «الوكالة» سيدة عجوز متحكمة. يصور الفيلم الحياة اليومية شخصيات رجال في حالة اكتئاب وبطالة لا يملكون سلطة ويحلمون بالهجرة إلى الخارج ويتعرض النظام السائد للاضطراب بقدوم جارة شابة جميلة فتخترق الكاميرا الابواب المغلقة لتكشف عن الانهيارات النفسية، ومع هذا ينتهي الفيلم نهاية متفائلة. المخرج غوتي بن دروش من رواد السينما الجزائرية الوطنية.. كل أفلامه إنتاج وطني من «الشبكة» 1969 «مات الليل الطويل» 1980 حصاد من الفولاذ 1983 «حسن نية» 1990 كان لنا معه هذا اللقاء خلال أيام قرطاج السينمائية الأخيرة.. يحدثنا غوتي دروش عن مسيرته قائلا: أنا من مواليد تلمسان مدينة على الحدود القريبة للجزائر عام 1936 ثم انتقلت إلى الجزائر العاصمة، وكنت أمثل وأنا شاب في الإذاعة والمسرح، وقبل الاستقلال سافرت إلى باريس حيث درست السينما في المعهد العالي في باريس، ومع الاستقلال لم تكن هناك إمكانيات صناعة سينمائية وكنا نصور أفلاما وثائقية قصيرة وقد قمت بإخراج حوالي خمسة وثلاثين فيلما قصيرا ما بين روائي وتسجيلي، وكان أول فيلم روائي طويل أشارك فيه مع مجموعة من زملائي هو: «جهنم عند ذوي عشر سفين» وهو مكون من خمس قصص روائية، ونال الفيلم جائزة الغزالة الذهبية في مهرجان البحر المتوسط بالرباط - المغرب 1968 وجائزة اتحاد النقاد الدولي. ـ وأول فيلم روائي طويل لك وحدك ؟ فيلم «الشبكة» عام 1976، وكان فيلما ملونا وهو عن البحارة والصيادين على شاطئ البحر الأبيض المتوسط الذي يمتد في الجزائر 1280 كيلو مترا، وقد أردت أن أناقش فيه ما حدث في المجتمع الجزائري بعد الاستقلال فإنه قبل الاستقلال كنا نعرف من هو العدو، كان يسمى بير وجان وشارك وفي عام 1975 كنا نتحدث عن الاشتراكية وبرزت التناقضات في المجتمع جملة وما حدث من تحول ولكن أمورا كولونيالية بقيت من الماضي مع تغير الأسماء وهناك جملة لها دلالة في الفيلم ذهب ستيفانو، وخلفه خليفه.. جاء عليوه وعلى.. ولكن استمر الاستغلال.. كما كان في عهد الكولونيالية. وقد نال الفيلم بعض جوائز بالمهرجانات. ـ هل كان يتم الإنتاج في ظل تأميم السينما ؟ نعم كانت الدولة هي التي تمول الافلام ومنها أفلام وزان علواش مثل «عمر قتلتلو» ومحمد الاخضر حافينا سنوات الجمر «الذي نال السعفة الذهبية بمهرجان كان، وكنت أعمل مديرا للإنتاج بمؤسسة السينما الوطنية ومن خلال هذه المؤسسة أخرجت فيلم «حصاد من الفولاذ 1983» وقد نال الجائزة الكبرى - السيف الذهبي - بمهرجان دمشق وكذا جائزة أحسن فيلم للنقاد العرب. ـ ماذا أردت ان تقول في هذا الفيلم ؟ أردت أن أقول أن الاحوال داخل الجزائر بعد الاستقلال كانت صعبة، حيث كان كثير من المسئولين يعيشون أثناء حرب الاستقلال في الخارج في تونس والمغرب وفي أوروبا، ثم عادوا ويتحمل الفيلم قراءتين القراءة الأولى ان الاستعمار لم يحمل الاستقلال للجزائر بل بث عبرها الالغام، والقراءة الثانية تناول لما قام به من حركات على يد الإرهابيين.. أي أن تحرير الجزائر أثمر أشياء صعبة ووحشية.. رغم وجود ثروات مثل الغاز والبترول فمازال هناك الفقر. ـ إذن حمل الفيلم رسالة ؟ هناك فرق بين مهمة المخرج ومهمة المبدع، مهمة السينمائي الحقيقي هي خدمة الشعب وبناء المجتمع الثقافي وفي حوار أحد أفلامي قلت الإنسان يحصد ما زرع.. تزرع الخير تجد الخير، تزرع الشر تجد الشر.. نالت مثل هذه الافلام الجوائز في المهرجانات وفي المغرب ولكن تجاريا دخلت علينا الاقمار الصناعية التي تصب يوميا ملايين من الصور مما يمكن تسميته الغزو الثقافي ولكن مسئولية السينمائي المبدع أن يستمر ومن حق الإنسان العادي عليه أن يعلمه ويرشده ويتفاني في خدمته، ونذكر الفنان المسرحي الذي اغتاله الارهاب عبد القادر معلولة ودوره في التوعية والروائي والكاتب مصطفى كاتب الذي كان مديرا للمسرح الوطني بالجزائر. فيلمك الأخير الذي عرض في مسابقة مهرجان قرطاج «الجار» قد يبدو مختلفا عن أفلامك السابقة؟ موضوع الفيلم مقتبس من كاتبه جزائرية اقتبسنا من بعض قصصها سيناريو الفيلم بالمشاركة مع الكاتبة هجيرة موهوب، وقد دخل الجزائر منذ التسعينيات مناخ الإرهاب والموت والمجزرة اليومية أصبح محمد يقتل فريد وحسين يقتل محمود، واضطر كثير من المبدعين إلى الهجرة إلى فرنسا وإيطاليا وأسبانيا من سياسة إشتراكية دخلنا إلى سياسة السوق.. بعد أن كانت الدولة هي كل شئ أصبح لا وجود للدولة، ولهذا اخترت لقصة الفيلم الفضاء المطلق «الحياة اليومية» أصبحنا نلتقي في الجنازة ـ الموت - أكثر من أن نلتقي في الافراح. ولكن ما وراء هذا الموت الذي تنقله إلينا شاشات التلفزة كل يوم.. نحن بشر مازلنا نستمتع ونرى ونعشق، الحياة أجمل وأكبر وأعظم شئ، ولهذا اخترت قصص شخصيات في الحياة العادية.. مع اعتبار أن المرأة في حياتنا العربية والإسلامية هي حاملة القيم ومع معاناة عديدة من الشخصيات النسائية فقد، ختمت الفيلم بامراة تدعو الأطفال إلى عدم نسيان الحليب وموسيقى أغنية بالفرنسية! الجزائر حبي.. الجزائر حبي». القاهرة ـ فوزي سليمان: