السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 الممثل أحمد عقل فنان من الوزن الثقيل ليس من الناحية الشكلية فقط وإنما كفنان موهوب يضيف إلى العمل الذي يشارك فيه ثقلا وتميزا، ربما لا يكون قد حصل على البطولة المطلقة طوال مشواره الفني الذي تجاوز أربعين عاما لكنه بلا شك ترك بصمة في كل عمل قدمه، ملعبه الأساس كان مسرح الدولة، الذي قدم من خلاله أكثر من خمسين مسرحية وفي السينما والتليفزيون كان ضيفا مؤثرا فعندما نشاهد فيلما مثل «أمريكا شيكا بيكا» لا نستطيع أن ننسى شخصية عمر غمراوي الرجل الطيب الذي كان يحلم بمستقبل جديد له ولأولاده في بلد الاوهام اميركا، وعندما نتذكر فيلما كالإرهاب والكباب للنجم عادل إمام بالتأكيد لن ننسى شخصية الموظف المتعسف مدعي التدين وكذلك الموظف الإنتهازي في مسلسل ضمير أبلة حكمت لكن رغم أن أدواره القليلة في السينما والتليفزيون كانت مؤثره إلا أنها بالطبع لا تتناسب مع حجم موهبته لذلك سألنا الفنان أحمد عقل عن سبب ندرة أعماله في المجالين فقال: بصراحة العيب في شخصيتي، فأنا حالة فنية غريبة من نوعها لا أحب السينما ولا التليفزيون واكتفى بالمسرح الذي يحقق لي حالة إشباع فني، وكنت طوال عمري الذي قارب الآن من السبعين حريص جدا على العمل المسرحي غير عابئ بما سواه، بل ربما أغضب إذا رشحني أحد لعمل تليفزيوني أو سينمائي لأن إحساسي وقتها أن التليفزيون والسينما سيأخذاني من المسرح الذي أعشقه، ولهذا نادرا ما تجد مسرحية في مسرح الطليعة الذي تشرفت بعضويته منذ عام 1972 حتى خروجي على المعاش منذ ثماني سنوات، وربما يكون تواجدي في التليفزيون والسينما قد زاد بعد خروجي على المعاش أما قبل ذلك فقد كنت حريصاً على التواجد يوميا في مسرح الطليعة سواء كنت مشاركاً في عمل يقدم على خشبة المسرح أو في فترات التوقف وكنت أكره يوم الثلاثاء لأنه يوم إجازة المسرح، بإختصار المسرح كان بالفعل بيتي الثاني وبعيدا عنه لا أشعر بالراحة، وأنا أذكر الآن وقعتين شهيرتين في حياتي كنت مبالغاً فيهما مع أصدقاء كانوا يريدون إفادتي لكني أسأت التقدير الأولى كانت مع المخرج التليفزيوني كمال الشامي الذي كان يصور للتليفزيون مسرحية في بطولتي أسمها الجنينة أمام زهرة العلا ونادية عزت عام 73 وأعجب بأدائي ورشحني لبعض المسلسلات ولكني تخاصمت معه بسبب ذلك حوالي 5 سنوات، المرة الثانية كانت مع المنتج رياض العريان الذي رشحني للإشتراك في مسلسل من إنتاجه فتشاجرت معه وكان كل ما يهمني في هذا الموقف أن أعرف من الذي رشحني له !! يعني المسألة كانت فيما يشبه عقدة من التليفزيون لا أعرف لها سببلاً محددا سوى حبي المبالغ فيه للمسرح، ففي هذا المكان أحصل على حقي فورا من الجمهور الذي يصفق لي عندما أجيد في أدائي، أما السينما والتليفزيون ففيهما المونتاج الذي يمكن أن يقضى على أي فنان ويختزل من دوره في لحظة. ـ هل تخلصت من هذه العقدة؟ ـ بالتأكيد كلما زادت خبرة الإنسان في الحياة كلما تغيرت وجهة نظره في الأشياء وكان في حاجة لأن يعيد ترتيب أوراقه وأنا قبل خروجي على المعاش بأعوام قليلة بدأت أقدم مجموعة أعمال أغلبها سينمائية أذكر منها «أمريكا شيكا بيكا» والنوم في العسل واللعب مع الكبار والإرهاب والكباب وسمع هس ولي حاليا فيلم جديد اسمه معالي الوزير الذي حصد جوائز مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وأجسد فيه دور مؤذن جامع أمام أحمد زكي وهشام عبد الحميد، وللتليفزيون صورت مسلسل يحيى العدل مع المخرج محمد عبد العزيز وأجسد فيه شخصية عم واكد والد الفنان مصطفى فهمي الذي يهوى السيدات ويرث عنه ابنه هذا السلوك لكن الابن يعاني من تصرفات والده الذي يريد أن يتزوج من أم كل فتاة أو سيدة يتقدم ابنه للزواج منها، صورت أيضا مسلسل أميرة في عابدين مع أحمد صقر وأجسد فيه شخصية صاحب مطعم من أهالي عابدين اسمه عادل كرواني لكني رفضت العمل مع إبراهيم نصر في برنامج الكاميرا الخفية. ـ نلاحظ أنك شاركت مع الفنان عادل إمام في ثلاثة أفلام سينمائية لكن لم تشاركه أي عمل مسرحي رغم أن المسرح ملعبك الأصلي؟ ـ عادل إمام رشحني للعمل بدلا من عثمان عبد المنعم في مسرحية الواد سيد الشغال لكني رفضت أن آخذ دور زميل وهذا الموقف أغضب عادل إمام، المرة الثانية أيضا رشحني في مسرحية بودي جارد قبل بدء العرض وكنت قد تعاقدت مع المنتج محمد فوزي على مسرحية أخرى فقالوا إن هذه المسرحية لن تخرج للنور قلت لكني ارتبطت مع الرجل وبالفعل لم تخرج المسرحية ولم أعمل مع عادل بعدها بعدة أشهر رشحني للمرة الثانية للعمل بدلا من فايق عزب في نفس المسرحية بودي جارد لكني رفضت أيضا، وفي السينما رفضت دور في الجردل والكنكة معه أيضا لصغر حجم الدور وبالطبع كل ذلك أغضبه لأن أي ممثل يتمنى العمل مع عادل إمام ولكني والحمد لله لا أستطيع أن أرضي أحداً مهما كان على حساب قناعاتي وحساباتي الشخصية. ـ وهل ترفض الآن العمل في التليفزيون بنفس المنطق القديم؟ ـ لا ولكني لا أسعى أبدا للتليفزيون وأبتعد عن أي دور لا يقنعني لكن لو صادفني دور جيد أقدمه كما يجب أن يقدم. ـ نلاحظ أنك تفضل الأدوار الكوميدية؟ ـ طبعا فأنا أحب الكوميديا جدا ولكني أجيد أي دور تراجيدي سواء في السينما أو التليفزيون ولكن بالنسبة للمسرح لابد أن أقدم الكوميديا وحتى لو كان الدور جاداً أطوعه للكوميديا لأنتزع ضحكات المشاهدين. ـ هل تتذكر بداية علاقتك بالتمثيل؟ ـ طبعا فمنذ أن كنت صغيرا كانت هواية التمثيل تسيطر علي ولكن لأنني ولدت ونشأت بمدينة المنصورة فلم يكن هناك مجال للإحتراف لذلك ظلت موهبتي محددة في إطار المدرسة والجامعة وعندما تخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية عملت مدرسا بمدرسة الرشاد الاعدادية وأسست المسرح المدرسي بها وكنت مشرفا على النشاط المسرحي وكان من تلامذتي في تلك الفترة الفنان يونس شلبي،وخلال سبع سنوات قضيتها بالتدريس كانت وزارة التربية والتعليم تعقد لنا محاضرات صيفية فنية لتنمية مواهبنا كمسئولين عن النشاط المسرحي في مدينة الاسكندرية وهناك تقابلت مع الناقد الراحل محمد مندور الذي نصحني بالتوجه للقاهرة لإحتراف التمثيل وإنتظرت الفرصة إلى أن قرأت إعلان لمسرح العرائس بطلب لاعبين وممثلين فقلت أتقدم كبداية فقط وبالفعل تقدمت ضمن 4 آلاف متسابق تم اختيار 12 فقط كنت أحدهم وتم تخفيض العدد إلى 8 فقط بعد معسكر إستمر ستة أشهر وتولت تدريبنا خبيرة رومانية اسمها دورينا ساناسيسكو وإستمر عملي بمسرح العرائس 4 سنوات منذ عام 1964 حتى قدمنا خلالها أجمل عروض مسرح العرائس وكانت تلك الفرصة التي شهدت نهضة كبيرة لم يشهدها مسرح العرائس مرة أخرى وكان معي زملاء احترفوا التمثيل بعد ذلك مثل محمد فريد ومصطفى متولي وعهدي صادق. ـ لماذا تراجع مسرح العرائس بعد ذلك ؟ ـ هذا المسرح ولد مع المد الثوري وكان هناك اهتمام كبير به وقدمنا خلال فترة الستينيات أعمال خالده مثل الليلة الكبيرة وحمار شهاب الدين وقيراط حورية وكان شيئا طبيعيا أن تجد مسرح العرائس مكتظا بالمشاهدين وبه أيضا وزيرا أو اثنين مع أسرهم يشاهدو العروض أذكر منهم علي صبري وخالد محيي الدين كان الاهتمام حقيقي بكل الفنون، فمسرح العرائس على سبيل المثال كان مشروع تخرج لطالب بمعهد الفنون المسرحية اسمه ناجي شاكر تبناها ثروت عكاشة وزير الثقافة ونفذها وبنى مسرح العرائس بالعتبة لتتحول الفكرة إلى واقع وتدعمها الدولة بكل الإمكانات المادية والمعنوية، وتستقدم الخبراء والفرق الأجنبية لنكتسب منها الخبرات، لكن بعد ذلك أهمل هذا الفن وكان طبيعيا أن يتراجع. ـ وكيف انتقلت لمسرح الطليعة؟ ـ كان هناك فارق أربع سنوات بين انتقالي من العرائس للطليعة قضيتها في السويد بين دراسة فن العرائس وتدريب سيدات البوليس النسائي على السباحة باعتباري من محترفي هذه الرياضة في تلك الفترة ونظرا لتغيبي عن المسرح تم فصلي وبالصدفة تقابلت مع المخرج نبيل الألفي في السويد وكان رئيسا لهيئة المسرح وطلب مني العودة وبالفعل عدت مرة أخرى لمصر ولكن هذه المرة إلى مسرح الطليعة عام 1972 وظللت به حتى خرجت على المعاش، كنت أعتبر مسرح الطليعة طوال هذه الفترة هو حياتي، كنت مثل السمك الذي يموت لو خرج من المياه. ـ هل تتذكر المحطات المهمة في مشوارك الطويل على خشبة المسرح؟ ـ المحطات كثيرة جدا لكني أذكر الآن مولد الملك معروف وعنترة وأبو زيد و يوم قتل الزعيم القاهرة 80و الست هدى والعسل عسل والبصل بصل للمخرج العصفوري وكلها علامات في مسرح الدولة ومسرح الطليعة بشكل خاص، والغول للمخرج أحمد زكي والمخططين وللقطاع الخاص أذكر العالمة باشا والابندة ومولد يا دنيا. ـ لماذا توقف توهجك على مسرح الطليعة فقط؟ ـ ربما لأن حبي الشديد لهذا المسرح جعلني أبذل كل ما عندي لكي أحقق النجاح له قبل أن أحققه لنفسي، ففي هذا المكان ذكريات كثيرة على مدار 24 عاما أذكر منها موقفا ليوسف إدريس في مسرحية المخططين فقد كان يمقتني كثيرا دون أن يكون لي دخل في ذلك، وكان يحضر للبروفات ويشاهدني دون أن يتحدث معي أو يبدي أي إعجاب، وقبل إفتتاح العرض بثلاثة أيام وجدته تغير تماما وبدأ يضحك طوال فترة تواجدي على المسرح بشكل هيستري وقال لي لو كنت أعلم أنك ستؤدي الشخصية بهذا الشكل الرائع لكنت أعدت كتابة المسرحية، أذكر أيضا أنني عندما شاركت في مسرحية القاهرة 80 كانت هناك ظاهرة غريبة لاحظها المخرج سمير العصفوري وهو أن الباعة المتواجدين حول المسرح بالعتبة يدخلون كل يوم للمسرح قبل صعودي إلى الخشبة ويخرجون بعد أن أنهي دوري، وكان هذا العمل من أفضل ما قدمت على الإطلاق فقد كنت أجسد شخصية رجل موالي للسلطة دون أن يستفيد منها شيئا ولكنه يفيق من أوهامه يوم مقتل الرئيس السادات فيعود بملابسه ممزقه إلى البيت ليسخر من كل شيء، ووصفتني الكاتبة سناء فتح الله وقتها بأنني مواطن راكبه عفريت السلطة، والحمد لله أنني مازالت احتفظ بلياقتي على خشبة المسرح، فقد شاركت مؤخرا في مسرحية خايف أقول إللي في قلبي أمام علي الحجار وقال عني الملحن الكبير كمال الطويل أن المسرحية تبدأ بدخول أحمد عقل وتنتهي بخروجه. ـ لماذا لم تحصل على جوائز رغم تميزك ؟ ـ أنا كنت سببا في تخصص جائزة لأفضل ممثل مساعد في المهرجان القومي للسينما، فقد رشحت للجائزة في فيلم «أمريكا شيكا بيكا» عن دور عم غمراوي وعلمت أن لجنة التحكيم ظلت تناقش مسألة منحي الجائزة لمدة ساعتين وقررت الإكتفاء بالإشادة بدوري على أن تمنح الجائزة من العام التالي لأفضل ممثل مساعد. ـ نعلم أن لك دورا نشطا في المقاومة ضد العدوان الثلاثي؟ ـ أيام الشباب كان لي اهتمامات سياسية وكنت عضوا في فريق الجوالة والكشافة بالمنصورة،وعندما قامت الثورة حضرت للقاهرة مشيا على الاقدام مع فريق الجوالة لتأييد الثورة وحملنا معنا شكاوى البلاد التي مررنا عليها وظللنا أيام معسكرين في ميدان عبادين ومازلت محتفظا حتى الآن باوتوجراف موقع من الزعيم جمال عبد الناصر وصورة منشورة معه في جريدة الاهرام وأنا أصب له المياه وهو يتوضأ في حمام النادي الملكي، وإستمر نشاطي السياسي في تلك المرحلة حتى العدوان الثلاثي 1956 فشاركت في المقاومة ببورسعيد في مطار الجميل والجبانة حتى إنتهى العدوان خلال تلك الفترة أيضا تعلمت السباحة على أيدي أبطال مصر عبد اللطيف أبو هيف وبكر سليمان ومرعي حسن حماد