السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير عدة نماذج من أفلام الطرق، ذلك الصنف «مَْم» من الأفلام التي ابتدعها المخرج الأميركي «جون فورد» فيما عرف بأفلام الغرب الأميركي وصارت قالبا فنيا يصيغ داخله مبدعي السينما عبر العالم افلامهم. جون فورد نعرف له فيلمه الخالد «عناقيد الغضب» عن رواية شتاينبك كما نعرف عدداً كبيراً من أفلام الطرق التي يتضمن عنوانها في كثير من الأحيان كلمة طريق أو «Road» مثل رائعة المخرج الايطالي الكبير «فيدريكو فيلليني» .La Strada ومن أفلامنا المصرية قدم محمد خان فيلمه المهم «مشوار عمر» كما قدم محمد كامل القليوبي فيلم «ثلاثة على الطريق» مستلهما مشهدا يحاكي فيه أحد مشاهد طريق فيلليني. تبدأ أفلام الطرق برحلة يقوم بها البطل تاركا موطنه الأصلي أو بلده ساعيا إلى خير له أو هاربا من مصير مظلم حيث الخير المتوقع، وغالبا تصادفه كثير من العقبات، يُمتحن في عزيمته ونقائه، حتما تغيره الرحلة فما يصادفه في الطريق سيكون محنا متعددة تصقل خبرته وتجعله ينتهي إلى شخص آخر مختلف تماما عنه في بداية الرحلة. الفيلم اليوناني «النذر» خرج فيه ايفاجوراس الفلاح القبرصي مع حماره ليفي بنذره للقديس توما حيث نذر إذا رزقه الله بولد أن يحج إليه مهما كانت المصاعب، وقد كان أن رُزق «إيفاجوراس» بولد بعد بناته الخمس فخرج مع بداية الحرب العالمية الثانية 1940 غير عابئ بأي شيء وهدفه الوصول يوم عيد القديس. ينصحه والده القسيس: يا بني الطريق ملئ بالمغريات، يجب أن تصل نظيفا وطاهرا ، وفي الطريق يرتكب بطلنا كثيرا من المعاصي، يحنث باليمين، يزني ويسرق، يأكل بشراهة، يغضب، يحب ويتمنى ولكنه لا يقتل. انحاز المخرج أندرياس بانتزيس لفكرة أن التصورات الثابتة عن الخطايا غير حقيقية فيما يشبه الغاية تبرر الوسيلة فنجده يقدم أعذارا لبطله ويجعلنا نصدق صدق ندمه بعد كل معصية يرتكبها وخاصة فيما يتعلق بالحب فيجعل بطله يعاقب نفسه بالجلد بعد أن يغسل ثيابه الملوثة بخطيئة ممارسة الحب مع أفروديت التي طلبت منه أن يهبها طفلا لأنها ظُلمت بالزواج من عجوز غير قادر على الإنجاب، أو لأنه مسافر منذ ثماني سنوات، أو لأي سبب آخر إذ تتعدد أكاذيبها ويستجيب «إيفاجوراس» في البداية ثم تتحول خطيئته الأولى إلى حب يقلق مضجعه فبعد عدة شهور يلتقي بها في إحدى المدن على الطريق وتحدث بعض الاضطرابات والمظاهرات، يتم إلقاء قنابل، ويفقد حماره الحبيب سنده في الرحلة كما يفقد أفروديت التي لمحها عن بعد. وفي النزل الصغير الذي آوى إليه في الليل يسمع نهيق حماره ويرى أفروديت في نافذة حجرة مقابلة لحجرته، يدخلان معا جنة الحب التي صورها المخرج بشكل ساحر إذ يبدأ المشهد به يدلف من باب حيث ممر به إضاءة غريبة وكما في صور ورسومات عصر النهضة حتى أنه يشاهد امرأة مع صبيها الجميل تشبه العذراء مريم البتول. يجد نفسه وسط الجميلات فينهل من رحيق الحب، ثم نجدهما على سريره في حجرته في مشهد واقعي، تنزف بعده وتفقد جنينها منه، فيفسر ذلك على أنه علامة عدم الرضى من الرب عن هذه العلاقة، فيتركها ويمضي في طريقه نحو غايته في الحج لدى القديس توما وشجرته المباركة. في مشهد هام بالفيلم بعد أن يمرض حماره ويموت، يأخذ «إيفاجوراس» في حفر قبره فيقابل فتي من الشبيبة الشيوعية يساعده على حفر القبر ودفن الحمار يتبادلان الحديث ويعلن كل منهما عن هويته فعندما يسأل بطلنا الشاب ألا تؤمن بالله يقول له أنا أؤمن بالإنسان ويواصلان الحفر معا وعندما ينتهيان يصلا إلى مفترق طرق فيسلك «إيفاجوراس» طريق اليمين ويسلك الشاب العابر طريق اليسار. وعندما تقترب نهاية الرحلة يقابل رجلا يسميه المخرج أوليس عائد من الحرب يحكي كل ما مر وما لم نشاهده ونعرف أنه قد مرت خمس سنوات والحرب انتهت وقد وصل بطلنا لكنيسة القديس توما زاحفا على ركبتيه علامة الندم، وصل في موعده المحدد رغم كل ما مر به. الفيلم منتج عام 2001 يعبر عن احترام المخرج لكافة البشر أيا كانت أفكارهم ومعتقداتهم ويستخدم المخرج الأسماء بدلالات تحيل الحكاية إلى التراث اليوناني والأسطورة. تجاوب الجمهور مع فيلم ««النذر»» القريب من تراثنا العربي حيث الشاطر حسن الذي يخرج بعدما تضيق به الأحوال ويسعى قائلا لنفسه: بلاد الله لخلق الله فيمضي ساعيا للخير وتصادفه أهوال ولكنه يعود دائما وقد غنم الكثير من رحلته. فلاحنا القبرصي في فيلم «النذر» وصل أخيرا لهدفه بعد أن امتحن فضعف حينا وقاوم حينا آخر ولكنه لم يرتكب المعصية الكبرى القتل الذي يدينه المخرج بشدة ويتحاشى حتى إظهار أي حدث له رغم أن الأحداث تدور زمن الحرب العالمية الثانية. الفيلم الإيطالي «نوبل» يبدأ بطريق وسط الثلوج مصورا من داخل سيارة، تتحرك «مساحات المطر» وتمحو عناوين الفيلم التي تتغير في حركة رتيبة، وهي ليست فقط طريقة مبتكرة لكتابة العناوين، بل نقطة البداية التي ستلتقي مع النهاية في المشهد الأخير من الفيلم والبطل يقود السيارة في الطريق مرددا نوبل، إيجنوبل في حالة من فقدان القدرة على السيطرة على مقود السيارة. قصد المخرج أن يترك النهاية مفتوحة رغم أنها مع البداية تمثل دائرة تؤكد على فكرته عبر السؤال المطروح خلال الفيلم كله : هل حقا تستحق الجائزة التي في طريقه إليها كل هذا العناء ؟. المؤلف الشهير ألبرتو يغادر إيطاليا إلى السويد بالسيارة لاستلام جائزة نوبل مع صحفي شاب أليساندرو الذي سيكتب كتابا عن حياته. في الرحلة يدور صراع بين الشخصيتين مما سيعمل على تغيير كليهما. يعامل ألبرتو أليساندرو بتعالي وازدراء يوجه له ملاحظات محبطة إذ يكرر كثيرا لا يمكنك أن تكون مبدعا ذات يوم، لن تقدم عملا نافعا أو مميزا ويواصل تقديم النصائح ويخبره عن كل شيء يجب عمله في الحياة وخاصة مع النساء، الشاب صبور مع الرجل المتعجرف وعندما تنتابه رغبة العزف على البيانو يندهش العجوز من براعته و يكتشف أنه ليس ذلك الجاهل العاطل من الموهبة بل يجده عازفا بارعا للموسيقى ومؤلفا لأشعار جميلة وأنه متعدد المواهب. العجوز سيدرك أنه عاش حياته محروما من حبيبته وأصدقائه ليحقق مكانة يمكن لشخص آخر أن يحققها دون أن ينسى أن يعيش لحظات عادية في حياته. الرحلة في نوبل كانت وسيلة لجأ إليها المخرج وسمحت للشخصيات بمراجعة حساباتها والتعلم من الآخر، العجوز أليساندرو يتساءل بين نفسه هل تستحق الجائزة التي في طريقه التضحيات التي قام بها في حياته من الاستغناء عن الحبيبة التي يقطع مشهدها سياق الفيلم على مدى خمس مرات تتباعد وتأتي في اللحظة التي يبدأ فيها المشاهد بالسؤال عنها : أين المرأة التي يفكر بها؟ لقد طال بعادها؟. فتأتي المرأة مطلة على البطل من الذاكرة بملابس وتصفيفة شعر فترة الخمسينيات، حافظ المخرج على إيقاع فيلمه وجعل المشاهد مشدودا للمتابعة حتى النهاية. على عكس المخرج اليوناني أندرياس بانتزيس في فيلم «النذر» فقد أفلت منه الإيقاع في الثلث الأخير. الفيلم الفرنسي «اهربي يا صغيرتي» الذي ينتمي إلى نوعية أفلام الطرق أيضا حيث يلتقي شاب كان في طريقه للقاء حبيبته بعد خمس سنوات من الفراق بفتاة صغيرة ماري على أعتاب البلوغ وينضم إليهما رفيق ثالث في الرحلة وهو طفل رضيع وتكون رحلة طريفة لا تخلو من القالب البوليسي الذي نادرا ما يخرج فيلم فرنسي عنه. وفيلم اهربي يا صغيرتي العمل الثاني لمخرجه بعد عدد من الأفلام الوثائقية التي استمد منها قصة فيلمه وخاصة ذلك الحدث الواقعي عن إضراب رجال الإطفاء في إحدى المقاطعات الفرنسية والتي كانت خلفية ودافعا لأحداث فيلمه الروائي. قالب فيلم الطريق قد يقدم رحلة لفرد واحد كما في «النذر» أو لشخصين كما في نوبل و اهربي يا صغيرتي أو لعدة أشخاص كما في رائعة مخرجنا الكبير توفيق صالح المخدوعون الفيلم الذي أخرجه في سوريا عن قصة غسان كنفاني رجال تحت الشمس معبرا عن قضية العرب الكبرى.