الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 اتيحت لي الفرصة لارى بعضا من الحلقات التي صورت داخل الوطن العربي وخارجه من المسلسل الجديد «اخر الفرسان» وحيث ان رمضان المبارك بات معنا، فان المشاهد الكريم سوف يستمتع بمتابعة هذه الوليمة السمعية البصرية القلبية. وقد بنيت القصة من وحي اشعار سمو الشيخ محمد بن راشد، ولي عهد دبي ووزير الدفاع وجاءت القصة لتكون اقرب الى الملحمة في اتساع مداها الزماني والمكاني ووصلت كذلك الى حدود «الخرافة» في زمن نحتاج فيه الى بطل معاصر من عندنا يحكي عن امالنا وطموحاتنا ويمنحنا الامل بغد اكثر اشراقا. وقد استفادت الرواية المصورة من عدد من القصص المألوفة في التراث العربي فالسيف ـ سيف بن يحيى ـ هو الرمز المفقود الذي نسعى لكي نجده في مشارق الارض ومغاربها واستخدام السيف كرمز جاء منسجما مع روح الفروسية وطابعها اللذين يشكلان مناخ المسلسل وبيئته ولكن رمزية السيف كآلة حربية قديمة لم يفقد القصة او العمل معاصرته وحداثته فهو ليس مجرد «اسقاط» من التاريخ على واقع قد نلتمس فيه تباينا عن المحاكاة التاريخية. ولا احد يستطيع ان يقول ان «الصقر» في الصيد او الجمل في سباق الهجن هذه الايام يرمزان الى الماضي ويغفلان الحاضر، بل هما رمزان للاصالة والحفاظ عليها في زمن غلبت عليه السرعة والسيارة والطائرة وبواريد الصيد المتطورة ومثلما لم تفقد السيارة الحصان القه وجماله وروعته فان استخدام السيف في مسلسل آخر الفرسان جاء موفقا في سياقه ومنطلقا من الموقف المعاصر الذي يجسده. ولاشك ان رحلة «آخر الفرسان» الى بلدان عديدة مثل مصر وسوريا والسودان والمالديف، والصين وجنوب افريقيا، وغيرها من اماكن قد احيا عندنا ذكريات السندباد البحري وروح المغامرة، ومع ان السندباد لم يفعل اشياء مستحيلة، بل قام بأشياء حافظت على منطقيتها رغم غرابتها. وهذا ما يحصل مع بطلنا في الصين، والمالديف، والسودان، وجنوب افريقيا، والاردن، والمغرب. ويعيش مغامرات طريفة تشد الاعصاب، ولكنها تبقى معقولة وممكنة الحصول واذا كانت السينما والتلفزيون هي عالم تقريب الحياة ومحاكاتها الى درجة التصديق، او باختصار لٌُْ مميٌمق مًفٍ فلقد نجح المخرج والممثلون في تجسيد العمل بالصوت والصورة وحركة الكاميرا البديعة لتعميق المصداقية في الحديث الغريب الذي يجري أمامك. وما يميز العمل ان الممثلين المساعدين الذين تم اختيارهم لأداء الأدوار كانوا من نفس الدول التي تم الحدث فيها، فجاءت نبرات صوتهم ولهجتهم، ونطقهم، وحركاتهم، وغناؤهم أصيلة غير مفتعلة، فكان التمثيل في قمته لأنه ليس تمثيلاً، بل أداء طبيعيا ولا شك ان الممثل «رشيد عساف» إنسان متمرس بديع، أدى دوره مع الممثلين الآخرين بثقة عفوية جعلت التناظر بينه وبينهم طبيعياً، وتسأل نفسك لو وجدت نفسي في مكان ألاقي فيه زعيم قبيلة افريقية، أو فتاة في براري السودان، أو شيخاً بدوياً في البتراء، أو في صحراء المغرب، فكيف أتصرف؟ ويأتي خيالك لمثل هذا الحدث مطابقاً لما تشهده أمامك على الشاشة. استفادت القصة من الهم العربي الذي يحكي قصص التناحر على كرسي المنصب الأول، واقتتال المنافسين عليه مع الجالسين فيه، ولا شك ان الممثل «هشام حمادة» والذي أدى دور دهشان يستحق بكل جدارة لقب أحسن ممثل عربي عن دور مساعد، ولا شك ان له حضوراً على الشاشة يكاد يجعل الشر محبباً لأنه يجعل الخير أكثر ألقاً ولمعاناً أصيلاً. وفي كل مشهد ظهر فيه أشعل أمام عيني عاصفة وتناقضاً وتحدياً وتربصاً. ويستحق التهتنئة كذلك الممثل «عمار شلق» الذي أدى دور رابح وما يميزه هو تلك الدرجة من الضعف أو عدم الثقة التي تجعلك تصدق التقلب الذي يجري على شخصيته عندما يفعل الخير ويكبر فتراه ينتقل أمامك من شخص كريه مسكون بفكرة الانتقام إلى زعيم متكامل بعد تجارب الفشل التي استحقها واستطاع ان يسمو بخبرته منها فوق ضعفه وحساسيته، أما الأحداث في الوطن اثناء تغريبه بطل القصة فهي واقعية درامية، وانتقال الكاميرا بحركة ازدواجية من مشاهد الرحلة إلى مشاهد الوطن، أعطى المشاهد الفرصة ليرى التماهي والترابط بين ما يجري بعيداً وما يحدث في المكان القريب ولهذا نجحت الرواية في الربط بين الزمان والمكان، والحدث في مجاليه المحدود والارحب، وبسبب هذا الترابط الناجح تلاشت فروقات الزمان والمكان بذكاء جعل ما يجري أمام عينيك وكأنه حصل أمس أو اليوم، أو ربما غدا اما هنا أو هناك أو هنالك. أما المحركة لكل الاحداث فهي فتاة جميلة وشاعرة ولا شك ان العرب بالذات هم اكثر من أعطى المرأة مكانتها في الشعر فهي نسيمهم، وبحرهم، وهمهم، فهي ليلى للمجنون، وفاطمة لامرئ القيس، ورقية لعبدالله بن قيس، وبثينة لجميل، وعزة لكثير، ورباب لوضاح اليمن، وهي الحبيبة، الجائرة، الشاعرة، الجميلة، تراها في الطلول التي ليس فيها للسائل رد، وتحسبها لم تزد على أمس إلا اصبعاً، وهي التي تحبها وتحبك كما يحب ناقتها بعيرك، وهي التي تبكي تذكراً لها في قصر ودان. وهي التي قد يجمعك الله بها بعدما تظنان كل الظن الا تلافيا، وهي التي قد تفقد ودها لك ان شاب رأسك أو قل مالك، وهي التي تبكي عليها ان قتلت في انفجار، وهي التي تصون عرضك في غيبتك، وتربي اولادك ان طال سفرك، وتحفظ سرك ان هتك الآخرون سترك. نريدها دائما جميلة، شاعرة، موضع الرغبة، وانا مهما كان هذا «الأنا» هو الذي يفوز فيها. وقد جاء اختيار ملكة جمال لبنان السابقة، رغم ما سببه هذا من كلفة ووقت وتدريب «اختيارا موفقا. فالكل يريد ان تكون تلك الفتاة «شيماء» له. وهي التي تصدق ان مهرها مهما بلغ من الكلفة. لم يغلها كما يقول ابوفراس الحمداني. ولم يكن مطلوبا من «جويل بحلق» ان تمثل، بل يكفي ان تنظر إلى الكاميرا، تماما كما فعل «ديفيد لين» مخرج فيلم «دكتور جيفاغو» مع عمر الشريف. وكانت شيماء ايضا شاعرة. مما يجعلها اكثر سحرا وفتنة. فصارت رمزا للشيء الذي يحرك الحياة الساكنة، فهي مطح الرجال، ومصارعهم، وافتتانهم. واذا ذهب بطلنا إلى آخر الدنيا ليحضر لها سيف بن يحيى فأنت تصدق. ألم يفعل مثل هذا عنتر مهرا لعبلة، وعروة بن حزام لعفراء. ومن وراء هذا العمل كله وقف المخرج نجدت أنزور. ولاشك أن هذا الرجل بمزاجه الخاص، واسلوبه المثير للجدل احيانا، فنان كبير ومخرج متميز، إلى حد غفرانك له اخطاءه وقبولك لتقلب مزاجه. ويستحق التهنئة عن جدارة. وقد احسنت «العربية للانتاج» بجعل هذا المسلسل القائد لانطلاقتها في العمل المتقن المبدع على كلفته. ولقد تعلمنا ان العمل المكلف يرد تكاليفه بعد طول فترة، بسبب السمعة والتجربة التي يكسبها لمنتجيه. فهنيئا للعربية هذا الانتاج المتميز حقا. ويستحق الكاتب «هاني السعدي» الذي حبك هذا العمل التهنئة، اذا ابقاني، وانا صعب الارضاء، مشدودا بالحدث وتسلسله. ان النص الجيد يأتي بعمل جيد. ولاشك ان الفضل يعود في اساسه وجوهره إلى سمو الشيخ محمد بن راشد، الشاعر المحلق، والذي وفرت اشعاره الرقيقة الموسيقية روح العمل وجسده. وقد اثبتت انه ليس آخر الفرسان الا اذا تحدثنا عن ندرتهم، بل هو اول الفرسان. او ليس هذا السباق فعلا في «سباقات القدرة»، او ليس هو الفارس المجلي وراء معجزة دبي. انه يستحق التقدير والاحترام بصفته آخر الفرسان واولهم.